واقفاً في مكانه لا يحرك ساكناً...

لا يرى حوله سوى لونٍ أبيض ناصع البياض...

يلتفت يمنةً ويسرةً.. إلا أنه يعجز عن رؤية أي شئ...

"هل أصابني العمى؟" قال مُحدثًا نفسه..

نظر نحو قدميه فلم يجد ظله..

ثم نظر إلى ملابسه.. كانت قميصًا أبيضًا وسروالاً لا يقل بياضًا عن اللبن..

بدأ ينظر إلى يديه في توتر وبعدها نظر إلى قدميه الحافيتان ثم أطلق زفيراً طويلاً...

"لا زلت أستطيع رؤية يداي وقدماي"

بدأ يمشي لعله يصطدم بـ حائط أو شئٍ من هذا القبيل..

خطوة.. خطوة.. خطوة.. خطوة..

بعد فترة بدأ يصيبه اليأس من الإصطدام بشئ..

"هل أنا في غرفة بيضاء لا نهائية أم ماذا؟"

"ما هذا بحق؟!"

جلس ألفين على الأرض ممسكاً رأسه بيده..

وبينما كان على تلك الحال.. ظهرت تحته دائرة سوداء حالكة الظُلمة..

صرخ فَزِعاً وقام مهرولاً ظناً منه أن الدائرة ستبتلعه بداخلها..

إقترب منها بخوفٍ.. خطوة.. خطوة.. خطوة.. خطوة..

جثى على رُكبتيه ومد يده نحوها.. ثم وضع يده فوقها..

"إنها ليست بِحفرة"

يبدأ بالوقوف.. وعلى حين غرّة..

يتحول لون كل ما يحيط به إلى لونٍ أسود.. كما تصبح ملابسه سوداء كذلك..

"أيّ نوعٍ من المُزاح هذا؟"

فجأةً بدأ يسقط.. شعر وكأنه سيسقط إلى ما لا نهاية.. يستمر بالسقوط...

ثم تظهر فقاعات حمراءُ اللون حوله.. وبعد فترة يجدُ نفسه في بحرٍ أحمر اللون..

يغرق فيه بهدوء بينما يسمع صرخاتٍ كثيرة..

شيوخٌ وأطفال.. نساءٌ وشباب.. صرخاتٌ تُحيط به من كل مكان..

"ما هذا؟ من هناك؟"

ثم يصل إلى القاع..

"هل هذه.. نيرانٌ سوداء؟"

كان القاع مكوناً من نار عظيمةٍ سوداءَ اللون.. تُحيط به من كلِ جهة..

إلتفت ورائه ليجد نورا بعيداً.. وقف وبدأ يجري نحو ذلك النور

بينما يسمع صوت إيلا وليام ينادينه: "ألفين!"

كُلما يقترب من النور يجده قد إبتعد أكثر فأكثر..

حتى بدأ يتعبُ من الجري..

"لا فائدة!"

جلس مُكوِراً جسده بينما يبكي..

"ما هذا؟"

"فليُخرجني أحدُكم من هنا"

ثم شعر بيد شخصٍ ما تربت على رأسِه..

وسمع صوتًا يقول له: "هكذا نحن.."

***********************************************************************************************************************************

يسمع أصواتًا تنادي بإسمه: "ألفين! ألفين!"

يبدأ بفتح عينيه شيئًا فشيئًا ليجد ليام وإيلا يوقظانه.

ليام: "وأخيراً إستيقظت يا ألفين!"

يرد ألفين: "ماذا؟ أين أنا؟"

إيلا: "نحن في وسط مقاطعة شانيبو"

ينهض ألفين مسرعاً: "ماذا؟ كيف وصلنا هنا؟ مالذي..."

يرى ألفين لمحاتٍ مما حدث.. فين.. الإنفجار.. قتله للظابط.. ثم يصرخ صرخة عالية فيلتفت جميع الناجون والطواقم الطبية والجنود الملكيون حولهم نحوه..

يأتي أحد الأطباء ويقول لألفين: "ما الأمر أيّها الصغير؟"

لا يرد ألفين ويبقى مُتَسمِّراً وناظراً نحو قدميه..

تسارع إيلا في الرد: "لقد إستيقظ لتوه.. ويبدو أنه تذكر مشاهد يرغب بنسيانها"

الطبيب: "هذا منطقيّ"

أخرج الطبيب من قميصه شريطاً وأخرج منه حبة دواءٍ وأعطاها لإيلا..

الطبيب: "يبدو أنه يعاني من إضطراب ما بعد الصدمة.. سحقاً, لم تعد توجد أسرّة كافية للعلاج النفسيّ"

الطبيب: "الأولوية للأطفال دائماً.. خذاه إلى وسط المستشفى الميدانيّ"

ليام وإيلا: "حسناً يا سيدي"

تلتفت إيلا إلى ليام: "فلتساعدني على حمله"

يبدآن في رفعهِ وحمله للمستشفى الميدانيّ.. وبينما يحملانه يتحدثان...

ليام: "في أيّ شئٍ ورطنا أنفسنا؟"

إيلا: "لستُ أدري حقاً.. ولكنّي لم أرَ أوليفيا تتصرف على هذا النحو من قبل"

ليام: "ليس الأمر وكأنّي كنتُ أعرفها من قبل.. ولكنّ الطريقة التي أمرتنا بها أن نرحل حاملين جسد ألفين معنا لم تكن مفهومةً على الإطلاق"

إيلا: "أرجو.. أرجو أن تكون أوليفيا بخير"

يحل بينهما صمتٌ بينما يسمعان صوت رجلٍ عجوزٍ يصرحُ بينما يُحمل على نقالةٍ خارج إحدى الخيمات

يأتي شابٌ ويقول لطبيبٍ قد خرج من نفس الخيمة: "مالذي تفعله أيّها اللعين؟"

يرد الطبيب: "أنا أعتذر أيها الصبي.. ولكنني لستُ قادرًا على علاج الجميع هنا"

الطبيب: "لذا فلأولوية للصغار والشباب... أمّا كبار السنّ فهؤلاء قد شارفوا على الموت على أيةّ حال"

لم يكمل الطبيب كلامه حتى قفز نحوه الشابُ مندفعًا ولكمه لكمةً في وجهه بينما يقول: "سحقًا لك.. فليذهب جميعكم إلى الجحيم"

تبدأ عينا الشاب تدمعان إلا أنهما لم تنزل منهم دموع.. يكمل: "إنه أبي.. أتسمعني؟ إنه أبي!" الطبيب: "أرجوك فلتهدأ.. فليرسل أحدكم في طلب الحرس"

يكمل الشابُ حديثه ممسكاً بياقة الطبيب: "هل تطلبُ منّي أن أترك أبي يعاني حتى يلفظ أنفاسه الأخيره؟ هل هذا ما تُريده؟ سحقاً لك ولأولياتكِ"

الطبيب: "أنا لم أقل شيئاً كهذا!"

الشاب: "ألسيت مهمة الأطباء علاجُ المرضى.. فلتعالجه إذًا!"

الطبيب: "أنا أعتذر.. ولكن كما قلتُ من قبل.. لقد نفذت الأسرّة.. لا يمكننا إستقبال المزيد من الحالات"

يكاد يسدد الشاب لكمة أخرى نحو وجه الطبيب إلا أنه يشعر بيدٍ تمسك كتفه من الخلف بقوة وشدة.. فإذا

بجنديٍ مفتول العضلات يقف خلفه ويقول له: "إن كنتَ لا ترغب في المزيد من المشاكل.. فمن الأفضل لك أن تتمالك أعصابك"

ثم يقوم ويتراجع عن الطبيب الملقى على الأرض.. بينما ينهض الطبيب ويهذب ملابسه..

ينظر الطبيب إلى الشاب الذي ذهب وحملَ والده مع أحد الممرضين مبتعدين عن الخيمة ويقول: "بئسا لذلك الصبي.. لا بدّ أنه مجنون"

بينما كان كل ذلك يحدث كان ليام وإيلا يراقبان في ذهول..

رآهما الطبيب الذي أعطاهما حبة الدواء فقال: "أنتما.. فلتدخلاه إلى تلك الخيمة"

إيلا: "ا... آه"

ليام: "أنا خائف..."

إيلا: "مالذي تقوله؟"

ليام: "أشعرُ بالخوف منذُ أن إختُطفنا.. وجود ألفين وأوليفيا أعطاني شعوراً بلأمان"

ليام: "لكن.. غاب ألفين عن الوعي وصار يصرخ كلما إستيقظ.. وإختفت أوليفيا أيضًا"

تنظر إليه إيلا بدهشة قليلةٍ ثم تُشيحُ بنظرها عنه بينما يتابع هو..

ليام: "لم أعد قادراً على كتمان الأمر.. أنا حقاً خائف"

إرتبكت إيلا قليلاً ثم قالت: "لا بأس.. سوف يمرّ كل هذا ونتذكره يوماً ما ونحن نضحك"

ليام: "آه.. أجل"

وصلا إلى الخيمة ووضعا ألفين على الأرض ثم غادرا الخيمة..

***********************************************************************************************************************************

يصل القائد وبرفقته جنود النُخبة إلى مكان جثة الحارس الذي قتله ألفين..

القائد لأحد الجنود: "هل أنت مُتأكد من أن هذه هي الإحداثيات التي أعطانا إياها جلالة الملك؟"

الجنديّ: "أجل سيدي!"

القائد: "إذًا.. فتشّوا المنطقة بأكملها.. علينا العثور على الحجر!"

الجنود: "عُلم يا سيدي!"

يقترب القائد من جثة الحارس ويقول: "لقد وافتك المنيّة إذاً..."

القائد: "جنديٌ لا يؤدي واجبه قبل موته يستحق الجحيم لا النعيم..."

***********************************************************************************************************************************

يستيقظ ألفين على الأرض وتحت رأسه وسادة ريش ناعم..

ينظر حوله ليجد أنه في خيمة وأمامه طبيبٌ يجلس على كرسيٍ مكتبه..

يقول الطبيب دون أن يلتفت إلى وراءه: "لقد إستيقظت إذاً"

ألفين: "آه.. أجل.."

ألفين: "عذراً ولكن من أنت؟"

يرد الطبيب: "أنا مُعالجٌ نفسيّ.. أتيت مع الفريق الطبيّ الذي أرسله الملك إلى المقاطعة للتعامل مع الضحايا والمصابين"

يكمل الطبيب: "لا تحتاج أن تعرف إسمي.. فقط فلتناديني بأول إسمٍ يخطر على بالك"

ألفين: "أول إسم إذا؟..."

الطبيب: "هيّا يمكنه أن يكون أيّ إسم"

ألفين: "إيلا"

الطبيب: "هل أنت جادٌ حقاً؟"

ألفين: "أنت قلت أول إسمٍ يخطرُ ببالي"

الطبيب: "لا بأس.. ما دام هذا أفضل بالنسبة لك"

الطبيب: "إذاً يا..."

ألفين: "ألفين.. إسمي ألفين"

الطبيب: "إذًا يا ألفين.. هل تشعر أنّك تعاني من فقدان ذاكرة أو شئٍ من هذا القبيل؟"

ألفين: "أعتقد أني أتذكر كل شئٍ تقريباً.. لكن لسببٍ ما أشعرُ أن هنالك فجواتٍ لا يمكنني ملؤها"

الطبيب: "حسناً لقد فهمت"

يخرج الطبيب صورةً ويريها لألفين ثم يقول: "عندما تنظر إلى هذه الصورة أخبرني بأول شئٍ تراه"

ألفين: "أرى بقعة.. أعتقد أنها بقعة دمٍ..."

يمسك ألفين فمه بيده.. ثم يتذكر منظر الدماء التي خرجت من رقبة الحارس الذي قتله.. الطبيب: "هل هناك شئٌ تودّ الحديث عنه؟"

ألفين: "...."

الطبيب: "تعلم أنّي هنا لأساعدك"

ألفين: "جميعنا بشرٌ أليس كذلك؟"

الطبيب: "أجل.. اعتقد ذلك"

ألفين: "جميعنا لدينا عائلاتٌ وأصدقاء وأحباء.. أليس كذلك؟"

الطبيب: "بالطبع جميعنا كذلك" ألفين: "إذاً لماذا لا نهتم لأمر الآخرين أيضاً؟"

الطبيب: "مالذي تعنيه؟"

ألفين: "لماذا لا نقدّر أن الشخص الذي أمامنا لديه أحبّاء أيضاً؟ إن وضعنا أنفسنا مكانه ربما سنتفهم بعضنا البعض أكثر.. أليس كذلك؟"

الطبيب: "لست أفهم إلام ترمي الآن؟"

ألفين: "لا بأس يا سيدي.. "

ينظر ألفين بغضبٍ ممزوج بحزنٍ نحو يداه مما جعل ملامح وجهه مُتضاربة ويقول: "سحقاً"

ألفين: "أولئك الذين لا يبالون بمشاكل الآخرين وهمومهم ولا يبالون سوى بأنفسهم اللعينة ما هم إلا أوغادٌ لا يستحقون نفساً آخر في هذا العالم"

الطبيب: "مالذي تقوله....؟"

ألفين: "لا شئ..."

ألفين: "أنا أشعرُ أنّي بخيرٍ الآن يا سيدي"

ألفين: "شكراً لك.."

الطبيب: "حسناً... على الرحب والسعة"

يخرج ألفين من الخيمةِ بهدوءٍ نحو ليام وإيلا اللذان كانا ينتظرانه خارجها وينظرو بوجوه بعضهم البعض بينما يبتسمون ويقول ألفين: "لا بأس يا رفاق.. نحن بخيرٍ الآن"

إيلا: "تحدّث عن نفسكِ.. كيف سأفسّر لوالدي كل هذا.."

ويمشون مُبتعدين عن الخيمة ومتجهين نحو وسط التجمع...

###################################################################################################

شكراً على قراءة الفصل ❤

###################################################################################################

2021/03/23 · 62 مشاهدة · 1294 كلمة
نادي الروايات - 2026