الفصل الأول: يوم الصحوة
«"في هذا العالم... لا يحدد ميلادك مستقبلك، بل الطريق الذي يعترف بك."»
---
لم يكن صوت أجراس كنيسة الحقيقة عاديًا.
كانت تُقرع مرة واحدة فقط كل عام.
وعندما تدوي...
تعرف جميع مدن إمبراطورية أوريوس أن يوم الصحوة قد بدأ.
استيقظ كايل رافين قبل شروق الشمس بقليل.
فتح عينيه ببطء وهو يحدق في السقف الخشبي لغرفته الصغيرة.
لم يشعر بالحماس.
ولم يشعر بالخوف.
بل كان يشعر بشيء واحد فقط...
الفضول.
نهض من سريره، واتجه نحو النافذة.
خارج المنزل، كانت الشوارع تعج بالناس.
الأطفال يركضون وهم يلوحون بأعلام الكنائس.
التجار أغلقوا متاجرهم.
حتى الجنود الذين يحرسون بوابات المدينة ارتدوا دروعهم الاحتفالية.
ابتسم كايل ابتسامة خفيفة.
"كل هذا... من أجل الصحوة."
سمع طرقًا خفيفًا على الباب.
"كايل."
كان صوت أخته الكبرى، لينا.
"الفطور جاهز."
أجاب بهدوء:
"قادم."
...
جلس على المائدة الخشبية.
وضعت لينا كوبًا من الشاي أمامه.
نظرت إليه للحظات، ثم قالت:
"أنت هادئ بشكل غريب."
ابتسم.
"هل المفروض أكون مرعوبًا؟"
تنهدت.
"كل شباب المدينة لم يناموا من التوتر."
رفع كتفيه.
"إذا كان العرش سيختارني... فلن يغير خوفي شيئًا."
ضحكت لينا وهي تهز رأسها.
"أحيانًا أشعر أنك أكبر من عمرك."
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم قالت بصوت منخفض:
"أتمنى فقط... أن تجد طريقًا جيدًا."
نظر إليها كايل، ثم أومأ برأسه.
"وأنا أيضًا."
لكن الحقيقة...
أنه لم يكن يحلم بطريق قوي.
منذ طفولته، كان يقضي معظم وقته في مكتبة المدينة، يقرأ عن الحضارات القديمة، والآثار، والأساطير.
وكان هناك سؤال واحد يطارده دائمًا.
لماذا تبدو كتب التاريخ ناقصة؟
كلما قرأ عن بداية العالم...
وجد صفحات ممزقة.
كلما قرأ عن أول الملوك...
وجد أسماءً محذوفة.
وعندما سأل أمين المكتبة ذات مرة...
أغلق الرجل الكتاب بسرعة وقال:
"بعض الأسئلة لا يجب أن تُطرح."
ومنذ ذلك اليوم...
أصبح كايل أكثر فضولًا.
...
خرج من المنزل.
كانت مدينة فالور تبدو مختلفة.
الورود البيضاء تزين الشوارع.
وفرسان الكنيسة يقفون عند كل تقاطع.
بينما تعلو في السماء رايات تحمل شعار كنيسة الحقيقة...
عين ذهبية داخل دائرة فضية.
"كايل!"
التفت.
كان إيثان يركض نحوه وهو يلهث.
شعر أشقر فوضوي...
وعينان زرقاوان لا تعرفان الهدوء.
"كنت متأكد إنك لسه نايم!"
ضحك كايل.
"وأنا كنت متأكد إنك هتتأخر."
توقف إيثان أمامه.
"هل أنت مستعد؟"
أجاب كايل بعد لحظة صمت:
"لا أعرف."
قطب إيثان حاجبيه.
"أول مرة أسمعك تقول لا أعرف."
نظر كايل نحو قاعة الصحوة التي كانت تلوح من بعيد.
"لأن السؤال الحقيقي مش... أي طريق هيختارني."
"إيه هو السؤال؟"
تنهد.
"هل كل اللي اتعلمناه عن العروش... صحيح؟"
توقف إيثان عن المشي.
ثم انفجر ضاحكًا.
"في يوم الصحوة... وأنت لسه بتفكر في كتب التاريخ!"
ابتسم كايل دون أن يرد.
لكنه لم يكن يمزح.
كان يشعر...
أن هناك شيئًا خاطئًا في هذا العالم.
شيئًا لا يراه أحد غيره.
وربما...
كان هذا الشعور هو بداية كل شيء.
يتبع...
الفصل الأول: يوم الصحوة (الجزء الثاني)
سلك كايل وإيثان الطريق الحجري المؤدي إلى قلب مدينة فالور.
كلما اقتربا من الساحة الرئيسية، ازداد عدد الناس.
كان الجميع يرتدون أفضل ما لديهم، وكأنهم ذاهبون إلى احتفال ملكي.
في هذا اليوم...
لا يحدد الناس مكانتهم بما يملكون.
بل بما سيوقظه أبناؤهم.
...
وقف رجل مسن أمام حفيده وربت على كتفه.
"تذكر يا بني... حتى أضعف طريق يستطيع أن يصنع رجلًا عظيمًا."
ابتسم الطفل بثقة.
لكن الرجل نفسه لم يكن يؤمن بما قاله.
وكايل لاحظ ذلك.
همس لنفسه:
"حتى الكلمات الجميلة... تخفي خوفًا."
نظر إليه إيثان باستغراب.
"قلت حاجة؟"
"لا."
...
وصل الاثنان إلى الساحة.
في منتصفها ارتفع تمثال ضخم يبلغ عشرات الأمتار.
كان يمثل رجلًا مجهول الوجه، يجلس على عرش شاهق.
الغريب...
أن وجه التمثال كان مكسورًا عمدًا.
اقترب كايل قليلًا.
حدق في آثار الكسر.
ثم مرر أصابعه فوق الحجر.
"كل سنة أعدي من هنا..."
"...وأول مرة ألاحظ إن الوجه متكسر."
قال إيثان وهو يضحك:
"يمكن حد كان بيكره النحات."
لكن كايل لم يضحك.
أخفض يده ببطء.
آثار الكسر لم تكن طبيعية.
بدت...
وكأن أحدهم تعمد محو ملامح التمثال.
...
في تلك اللحظة، دوى صوت بوق ضخم.
ووصلت عربة سوداء تجرها أربعة خيول بيضاء.
ساد الصمت.
انحنى الجميع.
حتى الجنود.
همس إيثان:
"أسقف كنيسة الحقيقة..."
نزل رجل طويل القامة من العربة.
رداؤه الأبيض يلامس الأرض.
وعيناه الذهبيتان تجولان بين الحشود بهدوء.
لم ينظر إلى أحد طويلًا.
لكن عندما مرت عيناه على كايل...
توقف للحظة.
لحظة قصيرة جدًا.
ثم أكمل طريقه.
شعر كايل بقشعريرة تسري في جسده.
"هل... نظر إلي؟"
هز رأسه.
"لا... مستحيل."
...
بعد دقائق، فُتحت أبواب قاعة الصحوة.
كانت القاعة أقدم بناء في المدينة.
جدرانها مغطاة بنقوش لم يعد أحد يفهم معناها.
أما سقفها...
فكان يحمل ثلاثة عشر رمزًا دائريًا، يحيط كل منها بعرش منحوت في الحجر.
رفع كايل رأسه يتأملها.
ثم تجمد في مكانه.
شيء ما...
لم يكن صحيحًا.
بين العرشين السادس والسابع...
وجد أثرًا باهتًا.
دائرة صغيرة.
كأن رمزًا آخر كان موجودًا هناك...
ثم مُحي.
رمش بعينيه.
اختفى الأثر.
عاد الحجر كما كان.
"كايل!"
قطع صوت إيثان أفكاره.
"تعال، هنبدأ."
أخذ نفسًا عميقًا.
وسار إلى الداخل.
بينما في أعماقه...
بدأ شعور غريب يتضخم.
شعور يقول له...
أن يوم الصحوة لن يكون مجرد بداية طريق.
بل بداية حقيقة...
كان يجب أن تظل مدفونة.
يتبع...
الفصل الأول: يوم الصحوة (الجزء الثالث)
ساد الصمت داخل قاعة الصحوة.
كانت القاعة دائرية الشكل، تتوسطها منصة من الرخام الأبيض، وفي منتصفها بلورة شفافة بطول ثلاثة أمتار.
بدت وكأنها قطعة من السماء سقطت على الأرض.
لم يكن أحد يجرؤ على لمسها.
إلا في هذا اليوم.
وقف أسقف كنيسة الحقيقة أمام المنصة، ثم رفع عصاه الفضية.
وفي اللحظة التالية...
اشتعلت الرموز المنقوشة على جدران القاعة بضوء خافت.
ارتفعت همسات الشباب.
حتى كايل، الذي حاول أن يبدو هادئًا، شعر بثقل غريب يضغط على صدره.
قال الأسقف بصوت هادئ لكنه نافذ:
"منذ آلاف السنين، منحت العروش البشر طرقها."
"واليوم..."
"ستختار كل عرش وريثًا جديدًا."
ثم أشار إلى أول اسم.
"آدم كول."
تقدم شاب طويل القامة بخطوات متوترة.
وضع يده على البلورة.
في البداية...
لم يحدث شيء.
ثم فجأة، انفجر ضوء أزرق ملأ القاعة.
ارتسم رمز يشبه موجة ضخمة فوق البلورة.
ابتسم الأسقف.
"عرش البحر."
تعالت صيحات الإعجاب.
انحنى آدم باحترام، ثم غادر المنصة وهو لا يكاد يصدق ما حدث.
توالت الأسماء بعد ذلك.
كل دقيقة تقريبًا كان يظهر رمز جديد.
عرش الإرادة.
عرش الحقيقة.
عرش الروح.
عرش السيادة.
لم يكن الجميع يحصلون على طرق عظيمة، لكن مجرد امتلاك طريق كان كافيًا ليبدأ الإنسان حياته الجديدة.
...
وقف إيثان بجوار كايل وهو يبتلع ريقه.
"دوري قرب..."
ابتسم له كايل.
"هتنجح."
نظر إليه إيثان باستغراب.
"وأنت؟"
أجاب بهدوء:
"هنعرف بعد شوية."
لكن في داخله...
كان هناك شعور لا يستطيع تفسيره.
كلما اقترب من البلورة...
ازداد ذلك الشعور.
وكأنها...
لا ترحب به.
...
"إيثان مور."
تقدم إيثان بسرعة.
أغلق عينيه ووضع يده على البلورة.
ثانية...
ثانيتان...
ثم ظهر نور فضي.
تلاه رمز على شكل سيف طويل.
رفع الأسقف حاجبيه.
"عرش الإرادة..."
"طريق السيف."
شهق الحضور.
حتى الفرسان الواقفون على الجوانب نظروا إليه بإعجاب.
فتح إيثان عينيه، ثم نظر مباشرة إلى كايل بابتسامة واسعة.
ابتسم كايل بدوره وصفق له.
كان سعيدًا لصديقه...
بصدق.
...
استمرت المراسم.
واحدًا تلو الآخر.
إلى أن لم يتبقَّ سوى اسم واحد.
فتح الأسقف اللفافة أمامه.
نظر إليها للحظة.
ثم قال:
"كايل رافين."
ساد هدوء غريب.
تقدم كايل بخطوات ثابتة.
وقف أمام البلورة.
رفع يده اليمنى.
ولامست أصابعه سطحها البارد.
أغمض عينيه.
انتظر.
مرت ثانية.
ثم ثانية أخرى.
ولا شيء.
فتح عينيه.
البلورة ساكنة.
لا نور.
لا رمز.
ولا حتى اهتزاز.
قطب الأسقف حاجبيه.
"حاول مرة أخرى."
أخذ كايل نفسًا عميقًا.
ووضع يده مرة ثانية.
...
الصمت.
بدأت الهمسات تنتشر في القاعة.
"إيه اللي بيحصل؟"
"ليه البلورة مطفتش ولا نورت؟"
"هل تعطلت؟"
اقترب أحد الكهنة من البلورة وفحصها.
ثم هز رأسه للأسقف.
"إنها تعمل."
نظر الأسقف إلى كايل طويلًا.
ولأول مرة...
ظهرت الدهشة على وجهه.
قال بصوت منخفض:
"لا يوجد استجابة."
ساد الصمت.
ثم بدأ بعض الشباب يتهامسون.
"يعني إيه؟"
"ولا عرش قبله؟"
"مستحيل..."
أخفض كايل يده ببطء.
كان ينتظر أي شيء...
أي علامة...
لكن لم يحدث شيء.
ولا عرش واحد اعترف بوجوده.
أعلن الأسقف انتهاء مراسم الصحوة.
وبدأت الجموع تغادر.
بينما بقي كايل واقفًا أمام البلورة للحظات.
نظر إليها نظرة أخيرة...
وأدار ظهره.
لم يكن يعلم...
أن البلورة، بعد خروجه بثانية واحدة فقط...
ظهر داخلها شرخ أسود رفيع...
ثم اختفى...
قبل أن يراه أي شخص.
نهاية الفصل الأول.