الفصل الثالث: من يرى الباب؟
كانت الغابة هادئة...
هادئة إلى درجة جعلت كايل يشك في أن العالم قد توقف عن التنفس.
وقف أمام الباب الحجري الأسود، بينما كانت أطراف أصابعه لا تزال ترتجف من الهمسة التي سمعها قبل لحظات.
«"أخيرًا..."»
لم تكن الكلمة مرتفعة.
ولم تكن هامسة.
بل كانت صوتًا لا يمكن وصفه، كأنه خرج من مكان لا ينتمي لهذا العالم.
ابتلع كايل ريقه.
ثم رفع يده مرة أخرى.
تردد.
كان عقله يصرخ فيه أن يهرب.
أن يعود إلى المدينة وينسى كل ما رآه.
لكن فضوله...
كان أقوى من خوفه.
اقترب خطوة.
ثم وضع كفه بالكامل على سطح الباب.
...
بارد.
بارد بصورة لم يعرفها من قبل.
شعر وكأن البرودة لم تلمس جلده، بل اخترقت عظامه مباشرة.
ارتجف جسده كله.
وفجأة...
اختفت الغابة.
اتسعت عينا كايل.
لم يعد يرى الأشجار.
ولا الأرض.
ولا السماء.
كان يقف داخل فضاء أسود لا نهاية له.
وفي البعيد...
ظهرت ثلاثة عشر نقطة ضوء.
كانت تتحرك ببطء.
كل نقطة تشع بلون مختلف.
الأبيض.
الأزرق.
الذهبي.
الأخضر.
والألوان الأخرى التي لم يستطع تمييزها.
لكن شيئًا لفت انتباهه.
بين تلك الأنوار...
كان هناك فراغ.
فراغ غريب.
وكأن نجمةً كانت موجودة هناك...
ثم انتُزعت من مكانها.
قبل أن يقترب أكثر...
عاد كل شيء كما كان.
عاد إلى الغابة.
وتراجع خطوة إلى الخلف وهو يلهث.
"ما... الذي رأيته؟"
رفع يده إلى رأسه.
هل كان حلمًا؟
هل أصيب بالجنون بعد الصحوة؟
أم أن الباب أراه شيئًا حقيقيًا؟
...
قطع أفكاره صوت حطب يتكسر بين الأشجار.
استدار بسرعة.
خرج رجل عجوز يحمل حزمة كبيرة من الأخشاب على كتفه.
كان يبدو كأي حطاب عادي.
توقف عندما رأى كايل.
"أأنت بخير يا بني؟"
أخذ كايل نفسًا عميقًا.
ثم أشار إلى الباب.
"يا عم... هل ترى هذا؟"
نظر العجوز في الاتجاه الذي يشير إليه.
ظل صامتًا لثوانٍ.
ثم عبس.
"أرى أشجارًا فقط."
شعر كايل بقشعريرة في ظهره.
اقترب العجوز أكثر.
حتى أصبح على بعد خطوة واحدة من الباب.
ثم...
واصل السير.
مر جسده عبر الباب الأسود...
دون أن يشعر بأي شيء.
وكأنه لم يكن موجودًا أصلًا.
تراجع كايل لا إراديًا.
"مستحيل..."
نظر العجوز إليه باستغراب.
"هل حدث شيء؟"
لكن كايل لم يستطع الإجابة.
لأن الباب...
كان لا يزال أمامه.
صلبًا.
واضحًا.
وحقيقيًا.
فإذا كان الرجل لم يره...
فلماذا يراه هو وحده؟
ظل كايل ينظر إلى المكان الذي مر منه العجوز.
كان المشهد واضحًا أمام عينيه.
الرجل عبر الباب...
دون أن يصطدم به.
دون أن يشعر بوجوده.
وكأن الباب لا يشغل أي حيز في هذا العالم.
أما بالنسبة لكايل...
فكان يقف أمامه كجدار لا يمكن تجاوزه.
ابتلع ريقه بصعوبة.
ثم قال بصوت متردد:
"يا عم... هل أنت متأكد إنك مش شايف أي حاجة هنا؟"
التفت العجوز إليه مرة أخرى.
ظهرت على وجهه علامات الحيرة.
"يا بني..."
قالها وهو يقترب أكثر.
"هل ضُربت في رأسك؟"
ابتسم كايل ابتسامة باهتة.
"لا..."
لكن صوته لم يكن يحمل أي ثقة.
أشار مرة أخرى إلى المكان نفسه.
"أنا شايف باب..."
"...باب ضخم."
نظر العجوز إلى الفراغ لثوانٍ طويلة.
ثم تنهد.
"من زمان وأنا بشتغل في الغابة دي."
"عارف كل شجرة فيها."
"ولو كان فيه باب بالحجم اللي بتقوله..."
"...كنت شوفته من سنين."
ساد الصمت.
ثم ربت العجوز على كتف كايل.
"ارجع بيتك."
"صدمة الصحوة ممكن تخلي العقل يشوف حاجات مش موجودة."
ابتسم الرجل ابتسامة هادئة.
ثم أكمل طريقه.
اختفت خطواته تدريجيًا...
حتى ابتلعتها الغابة.
---
بقي كايل وحده.
وحده تمامًا.
نظر إلى الباب.
ثم إلى الطريق الذي اختفى فيه العجوز.
عاد ينظر إلى الباب.
"يعني..."
"...أنا الوحيد اللي شايفه."
لم يشعر بالخوف.
بل بشيء أخطر.
الفضول.
اقترب أكثر.
كانت النقوش المنحوتة على الحجر أوضح الآن.
لم تكن مجرد خطوط.
بل دوائر متشابكة.
وفي قلب كل دائرة...
رمز مختلف.
مد يده ولمس أول رمز.
شعر بدفء خفيف.
الثاني...
كان باردًا.
الثالث...
أحس وكأنه يسمع صوت أمواج بعيدة.
سحب يده بسرعة.
"إيه ده؟"
أعاد المحاولة.
لكن الإحساس اختفى.
وكأن الباب رفض أن يكرر ما فعله.
---
بدأ يدقق النظر في الرموز.
أخذ يعدها ببطء.
واحد...
اثنان...
ثلاثة...
حتى وصل إلى الرقم ثلاثة عشر.
ثم توقف.
في أسفل الباب...
وجد دائرة مكسورة.
لم تكن فارغة.
بل كانت آثارها ما تزال موجودة.
وكأن أحدهم...
حفر الرمز...
ثم اقتلعه بعنف.
ركع كايل أمامها.
مرر أصابعه فوق الحجر.
كانت آثار الكسر قديمة جدًا.
لكنه شعر بشيء غريب.
كأن المكان...
ما زال يحتفظ بذكرى الرمز الذي كان موجودًا.
همس دون وعي:
"كان فيه رمز هنا..."
وفي اللحظة التي نطق فيها الجملة...
اهتز الباب اهتزازة خفيفة.
تجمد كايل.
رفع رأسه ببطء.
بدأت النقوش تضيء.
ليس كلها.
بل رمز واحد فقط.
ضوء أبيض خافت...
ينبض ببطء، كنبضات قلب.
ثم انطفأ.
عاد كل شيء إلى السكون.
لكن هذه المرة...
سمع صوتًا أوضح من السابق.
«"لم يحن الوقت..."»
ارتجف جسده.
لم يكن الصوت غاضبًا.
ولا مخيفًا.
بل كان يحمل...
حزنًا عميقًا.
وكأن صاحبه انتظر آلاف السنين.
أخذ كايل خطوة للخلف.
ثم ثانية.
لكنه لم يستطع أن يدير ظهره للباب.
كان يشعر أن الباب ينظر إليه...
رغم أنه لا يملك عينين.
---
رفع رأسه نحو السماء.
كانت النجوم قد اختفت.
تجمد في مكانه.
قبل دقائق...
كانت السماء صافية.
أما الآن...
فلم ير سوى ظلام كثيف يغطي الغابة.
ولم يكن الظلام طبيعيًا.
بل كان يدور ببطء فوق الباب.
كأنه دوامة سوداء لا يلاحظها أحد.
شعر بأن قلبه بدأ يخفق بعنف.
ولأول مرة منذ دخوله الغابة...
تمنى أن يكون كل ما يراه مجرد حلم.
لكن في أعماقه...
كان يعرف الحقيقة.
هذا الباب...
حقيقي.
وحياته...
لن تعود كما كانت.
وقف كايل مكانه، وعيناه معلقتان بالباب الأسود.
لم يعد يسمع سوى نبضات قلبه.
كل ما حدث خلال الدقائق الماضية كان كافيًا ليقنعه بأنه لم يعد أمام شيء يمكن تفسيره بالمنطق.
همسة...
رؤيا...
باب لا يراه أحد...
ورمز مفقود.
رفع يده ببطء مرة أخرى.
هذه المرة لم يكن يفكر.
بل كان يتبع إحساسًا غريبًا، وكأن الباب نفسه يدعوه.
عندما لامست أصابعه الحجر...
بدأت النقوش تتحرك.
لم تكن تضيء فقط.
بل كانت تنساب فوق سطح الباب، كأنها حية.
تراجعت بخطوات بطيئة، ثم تجمعت في منتصفه، مشكلة دائرة سوداء.
خرج من داخلها صوت يشبه احتكاك الصخور ببعضها.
غررر...
اهتزت الأرض تحت قدميه.
سقطت أوراق الأشجار من حوله.
وتطاير الغبار في الهواء.
حدق كايل في الدائرة السوداء.
ثم...
تشققت.
شق صغير.
ثم شق ثانٍ.
ثم بدأت الدائرة تتسع ببطء، حتى أصبحت بحجم إنسان.
لم يعد الباب يبدو كباب.
بل كمدخل إلى ظلام لا نهاية له.
خرج منه هواء بارد يحمل رائحة حجر قديم ورطوبة، وكأن المكان خلفه ظل مغلقًا آلاف السنين.
تراجع كايل خطوة.
لكن عينيه لم تفارقا المدخل.
في الداخل...
كانت هناك درجات حجرية طويلة تهبط إلى الأسفل.
وعلى جانبيها مصابيح قديمة، يشتعل فيها لهب أزرق هادئ.
لم يكن هناك أحد.
ولا أي صوت.
لكن شعورًا غريبًا سيطر عليه.
شعور بأنه...
ليس أول من دخل هذا المكان.
ولا آخر من سيدخله.
---
تردد طويلًا.
"هل أنزل...؟"
كان يعلم أن أي شخص عاقل سيهرب.
وسيبلغ الكنيسة.
أو الجيش.
أو أي أحد.
لكن...
هل سيصدقونه أصلًا؟
الباب لا يراه أحد غيره.
ولو عاد ومعه الناس...
ربما لن يجد شيئًا.
شد قبضته.
"سأنظر فقط..."
رفع قدمه اليمنى.
وكان على وشك أن يخطو أول درجة.
وفجأة...
انطفأت المصابيح الزرقاء كلها في لحظة واحدة.
غرق الممر في ظلام دامس.
ثم...
فتح شخص ما عينيه داخل الظلام.
عينان...
ذهبيتان.
كانتا تراقبانه منذ البداية.
تجمد الدم في عروق كايل.
تراجع بسرعة إلى الخلف.
وفي اللحظة نفسها...
دوّى صوت حاد خلفه.
"ابتعد عنه!"
استدار بسرعة.
وقف على بعد أمتار رجل يرتدي رداءً أبيض طويلًا تتوسطه شارة كنيسة الحقيقة.
كان في الأربعينيات من عمره، وشعره الأسود تتخلله خصلات رمادية.
لكن أكثر ما لفت انتباه كايل...
هو الخوف في عيني الرجل.
لم يكن ينظر إلى كايل.
بل إلى الباب.
وكأنه أمام شيء كان يظن أنه اندثر منذ زمن بعيد.
رفع الرجل سيفه ببطء.
وقال بصوت متوتر:
"ابتعد... فورًا."
عبس كايل.
"هل... ترى الباب؟"
ساد الصمت.
ثم أجاب الرجل بعد لحظة:
"...للأسف."
تسارعت أنفاس كايل.
"إذن أنا لست مجنونًا."
هز الرجل رأسه ببطء.
"كنت أتمنى لو كنت كذلك."
قبل أن يسأله كايل أي سؤال...
صدر صوت عميق من داخل الممر.
صوت لم يكن مرتفعًا...
لكنه جعل الهواء نفسه يرتجف.
ثم خرجت الهمسة للمرة الثالثة.
لكنها هذه المرة لم تكن موجهة إلى كايل وحده.
«"لقد وصل... حامل الأثر."»
في اللحظة التالية...
اتسعت عينا رجل الكنيسة.
وسقط السيف من يده.
همس بصوت يكاد لا يُسمع:
"مستحيل..."
"...لقد بدأت النبوءة."
نهاية الفصل الثالث.