إنه القطب الجنوبي، و عاصفة ثلجية أخرى تتقدم كالوحش الذي وجد فريستين منهكتين.

محاصران وسط الظلام، بين الأرض و السماء، وحولهم الثلوج كصحراء، الرؤية مشوشة.

ضجيج الرياح يكتم صوتها وهي تحاول أن تناديه:

سامر! ... اتسمعني؟ .. انا لا أراك!

يرد عليها بصوت هادئ: لا تقلقي لين، كدنا نصل، سنحتمي خلف ذلك التل.

لتجيب لين بصوت خافت متعب: لا بأس، المهم أنك بخير.

يقول سامر في نفسه ملامح الندم تختبئ تحت قناعه: كانت فكرة سيئة أن أجلب خطيبتي معي لأمارس هوايتي؛ حتى الطقس ليس في صالحي.

يدير وجهه للخلف، إن لين مختفية وسط العاصفة، فيرجع لها ليجدها تمشي ببطء شديد، ليسأل بلهفة:

هل تشعرين بالتعب؟ هل نتوقف قليلاً؟

لتقول بهدوء حتى تهدئه: آسفة، لكن اشعر بدوار و لا أشعر بقدماي.

لقد تجمد الدم في ساقها، و استوعب ذلك مباشرة، فيرمي بعضاً من حمولته و يمسك لين و يحملها على ظهره و يمشي ببطء ... يمشي ببطء شديد وسط الثلوج العالية؛ يمشي وهو يناديها طول الطريق:

إقتربنا! قليلاً فقط... إصبري قليلاً فقط.

وسط صخب الرياح تقول لين كلمة ربما لم يسمعها سامر: "شكراً" .

و يستمر بالمشي حتى تختفي أجسادهم وسط العاصفة.

...

كتلة من البياض تتخبط و تزحف ببطء لتشق الثلوج، إنهما الثنائي يصلان أخيراً للتل.

بينما يضع سامر اغراضه على الأرض، يقول: أشعلي ناراً بهذه الإسطوانة بسرعة و دفئي نفسك؛ سأبني ملجأ للإحتماء فوراً.

لا يسمع رد، يفك الحبل الذي ربطهما معا بنفسه و يُنزل لين من على ظهره، فتسقط على الثلج كقطعة خشب!!

يهرع لها و يناديها بخوف: لين .. مابك؟!

لا رد؛ ينخفض إليها و يحاول تفحصها، يزيل قناعها، فيظهر وجهها الجميل، كانت كالملاك النائم، مغمضة أعينها، متجمدةٌ شفتيها.

يبعد شعرها الناعم المتطاير فوقها لتنكشف إبتسامتها الهادئة.

<تلك المراة الوفية عرفت أنها تموت ببطء، عرفت مصيرها المحتوم، فقررت أن تموت مبتسمة فيتجمد وجهها هكذا إلى الأبد، وتكون هذه الصورة الأخيرة و الأجمل التي يراها سامر>

يصرخ سامر بحرقة مناديها بصوت حزين: ليييين!

يمسح وجهها من الثلج المتساقط، لتتفتت أذنها و تسقط كورق الخريف الهش!

يرتبط لسانه و يعجز عن التعبير، و كأنه يلوث لوحة فنية فاتنة.

كأنه فقد عقله، وبكل عفوية و براءة يقول كالطفل:قدمكِ! ..قدمك باردة صحيح؟

يكشف على قدمها و يقرب النار عليها و يمررها بتهور قائلاً: هكذا أفضل؟ صارت دافئة صحيح؟

لم يلاحظ أن بشرتها الصافية تحترق وتتشوه، يسيل دمها و يتجمد ليُلطخ بياض الثلج.

و بدون وعي يكلم سامر نفسه بصوت متقطع:

ماذا أفعل؟ .. لا تقلقي لين.. سآخذك لمشفى جيد، دفئي نفسك بهذه الشعلة حالياً، سأبني ملجاً لتنامي بالداخل بدل هذا المكان.

...

يحفر ...يحفر و يرصف الثلج، ينظر ليداه، إنها متشققة و أصابتها لسعة برد.

يتابع رغم الألم، ينصب الخيمة بسرعة، ثم يدير وجهه ليتساءل: أين لين؟!

حتى لاحظ الشعلة على وشك الانطفاء، فيهرع لها، يمسح الثلج المتراكم، لقد أغرق الثلج جسد لين المدد كما تركه تماماً.

بعفوية و براءة يحاول إيقاظها قائلاً: أفيقي لين!.. هذا ليس وقت النوم.

... <إنه بحالة رفض مستمر لفكرة الموت!> ...

يدخلها الخيمة بهدوء، يزيل قناعه ليظهر وجهه الحزين وعيناه تمتلئان بالدموع: اتسمعيني لين؟... انا ضعيف.. ضعيف جداً بدونك!

تنزل دمعته على وجهها: لقد وعدتيني ولن تخلفِ بوعدك حتى لو توقف قلبك.. صحيح؟ لن تخلفِ بوعدك أليس كذلك؟؟

يلاحظ ظهور كدمات زرقاء في رقبتها؛

فيحملها مباشرة وهو يقول: سأحفظ جسدك حتى نعود، لا تقلقي لين، سأتصرف!

...

تمر الأيام، الأجواء هادئة، تلمع الشمس على خيمة مهترئة، لقد نفذت المؤن؛

تمر الأيام، جسد هزيل يجلس وحيداً؛

يمر الوقت؛

...

وسط ظلمة الليل و برودة المكان، يجلس سامر على كرسيه المتجمد وهو يحدق في قطعة جليد كبيرة أمامه.

يقول وقد إختفت شفتيه خلف لحية بيضاء و بصوت عميق: بالتأمل ... سأجد طرقة لإعادتك.

يظهر داخل قطعة الجليد تلك جثة لين محفوظة، لكن هنالك شيء تغير، ملامح وجهها ميتة و كانها تبدو حزينة!

النهاية

2026/08/18 · 3 مشاهدة · 596 كلمة
Shadow FFF
نادي الروايات - 2026