قلبت صور الاشعة المقطعية حيث كان التشخيص واضحا فالرئتان مغطاتان بعدد لا يحصى من الاورام والعمود الفقري مشوه الى جانب انتشار السرطان على نطاق واسع
كنت جراح اعصاب مقيم على وشك انهاء التدريب وعلى مدار السنوات الست الماضية فحصت عشرات الصور المماثلة لعلي اتخذ اجراء قد يساعد المريض لكن هذه الاشعة كانت مختلفة فهي صورة الاشعة الخاصة بي ومع ذلك يبدو انني لا استطيع مساعدتي
لم اكن ارتدي الحلة الطبية الخاصة بي او المعطف الابيض كعادتي فكنت ارتدي ثوب المريض بينما اتصلت ذراعي بانبوب المحلول الوريدي منتظرا من يبث لي الامل كما كنت افعل مع المرضى
يبدو ان فصلا من حياتي قد انتهى او ربما كتاب حياتي بكامله على وشك ان ينغلق وبدلا من ان اكون يد العون التي تساعد المرضى على تغيير حياتهم شعرت بانني شاة تائهة متشتتة فالمرض الخطير لا يغير الحياة فقط بل احيانا يدمرها قضيت
افضل جزء من الاسبوع طريح الفراش يتطور السرطان بداخلي واصبحت واهنا بشكل ملحوظ كما تغير جسدي كثيرا وكذلك تغيرت القابعة داخل هذا الجسد لم يعد ترك الفراش للذهاب الى المرحاض عملية حركية الية بل اصبحت تتطلب جهدا وتخطيط لذلك وضع لي اطباء العلاج الطبيعي قائمة ببعض الادوات التي من شأنها تسهيل انتقالي عندما اغادر المستشفى واذهب للبيت
عندما خرجت من المستشفى سألت نفسي متعجبا من ستة ايام فقط كنت اقضي ما يقرب من ستة وثلاثين ساعة متواصلة في غرفة العمليات كطبيب هل تمكن مني المرض الى هذا الحد خلال اسبوع واحد فقط?
انخرطت عائلتي في دوامة تحويل حياتي من حياة طبيب الى حياة مريض وبدى انه من الضروري ان نبحث عن بدائل مالية جديدة لحمايت زوجتي بعد وفاتي لكن والدي كان يرى ان هذه الافكار تعد استسلاما للمرض وانني سوف اهزمه لكن لم يكن لدي رد كي اقوله لوالدي اعرف بالفعل ان جميع مرضى السرطان يعانون لكن هناك نوعا من السرطان يمكن هزيمته وهناك نوع اخر تعجز عن التعايش معه فقد كنت مصابا بالنوع الثاني
غمرتني السعادة حين علمت انه تم استبعاد العلاج الكيميائي واصبحت حبوب تاريسيفا البيضاء علاجي وسرعان ما بدأت استعيد بعض قوتي بعد وقت قصير من تناول الحبوب حينها بدأت اشعر ببصيص من الامل قوة المرض تجعلك تشعر بالبهجة مجرد ان تستعيد شيئا من حياتك الروتينية العادية
عادت شهية الطعام واكتسبت القليل من الوزن لكن بدأت البثور المؤلمة تظهر على بشرتي وصارت تنزف باستمرار بفعل أدوية سيولة الدم فها قد بدأ كل ما يجعلني وسيما يتلاشى ببطئ رغم كل هذا وحتى اكون منصفا كنت سعيدا انني ما زلت على قيد الحياة بجانب عائلتي
كان الموعد قد حان للخضوع لاول اشعة مقطعية لقياس فاعلية عقار تاريسيفا الذي اتناوله لمحاربة السرطان.
تسارعت دقات قلبي بشدة فاي نتيجة مخيبة للامال سوف تعصف بحياتي حدثت نفسي كي اطمئنها انه لو كان هناك نمو صغير في حجم الورم فانه ما دام صغيرا فهذا يعتبر نجاحا في حد ذاته التقطت انفاسي مستعدا لفحص الاشعة المقطعية الخاصة بي فظهرت رئتاي اللتان تخللهما عدد لا نهائي من الاورام من قبل نظيفتين عدا من عقدتين حجمهما سانتي متر واحد انتابني شعور غامر بالارتياح فقد كانت هذه اكثر اللحظات سعادة خلال فترة مرضي السابقة سعادة مختلفة
في عطلة نهاية الاسبوع كان هناك اجتماع مع خريجي قسم الجراحة العصبية وكنت اتوق لهذه الفرصة لاعادة الاتصال بهويتي القديمة كطبيب وجدت نفسي محاطا بالنجاح والمستقبل الواعد والطموح وبينما كانت اشعة الشمس بازغة في سماء مستقبلي كانت شمس حياتي توشك على الغروب
لم يسألني احد عن خططي وهو ما اراحني كثيرا انه لم يكن لدي اي منها اتذكر احدى اللحظات التي كدت ان استسلم فيها حينما استيقظت متألما في مواجهة يوم اخر وشعرت بانني غير قادر شيء بعد الافطار فخطر ببالي انه لا يمكنني الاستمرار ولكن وجدت نفسي انهض من الفراش واخذ خطوة الى الامام وانا اقول ساستمر ساستمر لذلك الصباح اتخذت قراري وهو انني سوف ارغم نفسي على العودة الى غرفة العمليات كجراح لان هذا هو انا
اعلم انه سيكون علي ان اتعلم العيش بصورة مختلفة عن تلك التي الفتها وانا ارى الالم وربما الموت زائرا في اي وقت لكنني قررت ان اعيش الى ان اموت فعلا وعلى مدار الاسابيع الستة التالية اجريت بعض التغييرات في برنامج العلاج الطبيعي فصرت اركز على اكتساب القوة البدنية المطلوبة في غرفة العمليات
تحسنت قوتي الى حد كبير فاتصلت بمدير المستشفى لاخبره بانني مستعد للعودة فوجدته متحمسا لفكرة رجوعي للغاية فطلب ان يرافقني زميل مقيم لدعمي طوال الوقت في حالة خروج الامور عن المسار الصحيح
وبعد مرور شهر كنت اعمل بكامل طاقتي عندما تم تشخيص حالتي كنت مستعدا للموت حتى انني انتابني شعور بالرضا حياله وتقبلته وتأهلت له فوفقا للاحصائيات فانه من الممكن ان اعيش لاثنى عشر شهر او مائة وعشرين شهر يا ليته كان بامكان الطبيب اخباري بان امامي ثلاثة اشهر قبل رحيلي حتى اقضي هذا الوقت مع عائلتي
بعد مرور اشهر على عودتي للجراحة حان وقت اخر فحص للاشعة المقطعية قبل انهاء اقامتي وقبل ان اصبح اب وقبل ان يتحقق المستقبل الذي اطمح اليه قررت مراجعة صور الاشعة الخاصة بي فادخلت اسمي وصرت اقلب الصور كانها كتيب اطفال صغير مقارنا الصور الجديدة بالقديمة وقد بدا كل شيء كما هو ولكن هناك شيئا جديدا عدت الى الوراء قليلا في الصور وتفقدتها ثانية وها هو ذا ورم جديد كبير يملأ الفص الايمن للاوسط لرئتي وقد بدا غريبا كانه قمر مكتمل يملأ الافق وبالعودة الى الصور القديمة تمكنت بصعوبة من تتبع اثره الخافت والان ها هو شبح جديد قدم الى الحياة مكتملة لم اكن غاضبا او مرتعبا مما رأيت بل تعاملت مع الامر ببساطة كانه حقيقة من حقائق العالم
ادركت ان العقاقير التي ساتناولها هذه المرة ستكون اشرس واحتمال مقاومتي للمرض بدأ اقل بكثير من ذي قبل حل المساء وبدأت اتجهز للحالة الاخير شعرت بهول اللحظة ربما تكون اخر مرة لي اتجهز فيها لاجراء جراحة العمل الذي بذلت الجهد والوقت لاجله اردت ان يكون كل شيء مثاليا هذه المرة فقمت بالجراحة بدقة بالغة قررت خياطة الحالة بطريقتي الخاصة حيث بدت خياطة الجلد مثالية وخالية من الشد كانه لم تكن هناك جراحة اساسا
بعدها بوقت قصير غادرت غرفة العمليات وبدأت اجمع اغراضي تساقطت بعض الدموع مني لا اراديا فها انا اترك المهنة التي احببتها للابد كي اعود مريضا ذهبت الى مركز تلقي العلاج الكيميائي وتم توصيل ذراعي بالمحلول الوريدي وجلست على كرسي مريح فسوف يستغرق ضخ مزيج العقاقير السائلة خمس ساعات بعدها تدهورت حالتي حيث بدأت الكليتان تفشلان واصبح فمي جافا تماما بحيث لم اعد استطيع الكلام او البلع كما اظهر فحص المختبر بلوغ معدل الصوديوم في دمي نسبة شبه قاتلة وتلف جزء من البلعوم وبناءا عليه تم نقلي الى وحدة العناية المركزة
فقدت ما يزيد عن ثمانية عشر كيلو جرام منذ تشخيص اصابتي بالسرطان خف شعري كثيرا وها انا مستيقظ وواع بالعالم من حولي لكنني دابن لدرجة انه بامكاني ان ارى عظامي تحت الجلد كان مجرد رفع رأسي يعتبر شيئا مجهدا جدا كان الامساك بكوب ماء يحتاج الى كلتا اليدين كما لم تكن فكرة القراءة واردة على الاطلاق توفي هذا الشخص في مارس عام الفين وخمسة عشر تارك الرسالة الى ابنته ذات الاشهر الثمانية قائلا عندما تصلين الى احدى لحظات الحياة التي يجب ان تعبرين فيها عن نفسك وتقدمي سجلا عما كنتي اتمنى الا تتجاهلي حقيقة انك ملأت حياة رجل شارف على الموت ببهجة كبيرة