الفصل 243
‘هذا غير ممكن.’
لبرهة قصيرة تخيلت الفوضى العارمة حيث تتناثر الأدوات هنا وهناك، لكنني سرعان ما طردت تلك الفكرة من رأسي.
كيف لأم موكهيون، التي أظهرت طوال الوقت هيئةً مفعمة بالاحترام، أن تقلب المائدة رأسًا على عقب؟
همم. هذا لا يعقل، لا يعقل أبدًا.
"من هذه الجهة، تفضلوا."
أثناء تحركي متبعًا الإرشاد، سألت بحذر.
"ولكن إن غبت طويلًا عن مكاني، أخشى أن يقلق الأولاد. هل يمكنني أن أتواصل معهم بشكل منفصل؟"
"لا داعي لأن تقلقوا بشأن ذلك. لقد أوضحت لهم مسبقًا بما يكفي حتى لا يكون هناك ما يزعجكم."
همم، يبدو أن الدعوة هذه المرة كانت عن قصد وبجدية.
‘كما توقعت لا مفر من هذا.’
***
اتبعت إرشاد الخادم صعودًا ونزولًا عبر الدرج، حتى وصلت إلى مكان مهيأ كأنه بيت زجاجي.
كنت أشعر بدهشةٍ نصفها من وجود مثل هذه المساحة داخل المنزل، ونصفها الآخر من الفضول.
"بونغهيون، أهلًا بك."
استقبلتني والدة موكهيون بابتسامةٍ رقيقة.
امرأة جميلة في مكان جميل، فالجمال يتضاعف……
وما إن انتهى المرشد من مهمته حتى انسحب بهدوء.
انحنيت كتحيةً خفيفة ووقفت أمام والدة موكهيون، فأشارت لي بالجلوس في المقعد المقابل.
على الطاولة كانت هناك ضيافة صغيرة وأكواب مشروب مرتبة بعناية.
"اجلس براحة. طلبت أن يحضر شيء مما يحبه الشباب هذه الأيام، لكن إن رغبت بشيء آخر فأخبرني."
"شكرًا على لطفك."
جلست مبتسمًا قليلًا، فرأيت من خلال الواجهة الزجاجية الواسعة أمامي الحديقة التي مررنا بها قبل قليل بوضوح.
ربما بسبب ذكريات الطفولة، كنت أميل إلى الجبال والعشب أكثر من البحر.
رغم أن فصل الشتاء لا يظهر خضرةً كاملة، إلا أن المشهد البارد الممتد أمامي كان له جماله الخاص.
"الحديقة حقًا رائعة. حتى أشهر الحدائق الوطنية يصعب أن تكون بهذا الجمال."
"أعجبك المنظر؟ خشيت أن يكون مملًا للشباب."
في نظرة والدة موكهيون، وهي تتأمل الخارج كان هناك دفء من المحبة، يشبه ما بدا حين كانت تنظر إلى موكهيون نفسه.
آه، هذا القصر بالنسبة لها مكان مفعم بالعاطفة.
"فوجئت ربما لأنني دعوتك لوحده؟"
"أبدًا. بما أنني قائد الفريق، فقد يكون لديكِ أمور ترغبين في التأكد منها معي مباشرة."
"همم…… منذ لقائنا الأول شعرت أن ناضج حقًا يا بونغهيون."
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيها وهي ترتشف الشاي.
"في الحقيقة كنت فضولية قليلًا. قبل عامين تقريبًا، جاء موكهيون إلى بيت العائلة بسبب اجتماعٍ ما. أنا وزوجي كنا نتعمد الابتعاد عن كل ما يخص عمله، لكن حين علمنا أن الشركة تمر بظروف صعبة، سألته لأول مرة عن زملائه. أتدري ماذا قال؟"
"لا، لا أعلم……."
تلألأت عينيها بمكرٍ لطيف.
"ذلك الفتى الذي عادة يتجاهل أو يتهرب، قال حينها."
"……القائد غريب قليلًا."
……مرحبًا، أنا القائد الغريب.
حتى أنا لم أعرف كيف أبدي رد فعل مناسب، لا بد أنني رسمت تعبيرًا أحمق دون أن أشعر، إذ انفجرت والدة موكهيون بضحكةٍ منخفضة.
"كما تعلم، موكهيون ليس من النوع الذي يقول مثل هذا الكلام. عادةً يكتم كل شيء حتى يتعبنا نحن والديه."
"……أتفهم ذلك تمامًا."
"هاهاها!"
ضحكت ضحكة رنانة على إجابتي.
يا إلهي، أهي حبات من اليشم؟
"حين قال بجدية إن القائد غريب، بدا أن زوجي قلق قليلًا، رغم أنه لم يظهر ذلك. قبلها كان يعامل موكهيون كأنه غير موجود."
"آه……."
كانت تتناول حديثًا قد يبدو ثقيلًا للغاية لمن يسمعه، بخفةٍ مدهشة.
حين حككت خدي بتوتر، ارتسمت على شفتيها ابتسامة لطيفة.
"لا داعي للحرج. موكهيون أخبرني بنفسه أنه تحدث إليكم عن العائلة."
"نعم، فعل ذلك."
"ولهذا استطعت دعوة أعضاء كليف بسهولة. لأنه لم يعد يعتبر هذا المكان عيبا أو جرحا يخصه."
"……سيدتي."
وأنا أستمع، شعرت بطعم المشروب الحلو الحامض يلامس طرف لساني، فتحدثت بحذر.
"قد لا نعرف كل ما في قلب موكهيون، لكننا نعلم أنه لم يعتبر هذا المكان عيبًا أبدًا."
كان يكفي أن أتذكر وجهه، وهو يبتسم براحة أمام والدته لم أر مثلها من قبل.
نظرت إلي طويلًا.
تساءلت إن كنت قد تجاوزت حدي، لكنني لم أرغب في ترك سوء فهمٍ غير ضروري.
"هكذا تظن؟"
"نعم."
أجبت بحزم، خشيت أن يبدو كلامي جريئًا.
"إن كان قائد المجموعة يقول ذلك، فلا بد أنه صحيح."
لكن نبرتها التالية كانت هادئة، دون أي علامة انزعاج.
تنفست الصعداء بصمت.
"على كل حال، حينها سألني زوجي لأول مرة، هل موكهيون يسير في الطريق الصحيح؟ حتى ذلك الوقت كنت أقول بثقة، إنه ابننا، فلا بد أن يكون الأمر كذلك."
يبدو أنها وقفت إلى جانبه حتى النهاية.
يكفي أنها رفعت صوتها دفاعًا عنه.
"……لكن في الحقيقة، كنت قلقة جدًا. لو لم يحقق موكهيون نتائج واضحة بعد ترسيمه، لكان زوجي مستعدًا لفسخ العقد بأي وسيلة."
والمقصود بالنتائج الواضحة، نجاح معقول لا يسيء لسمعة العائلة.
"لكن عندما رأينا حال الشركة، لم يكن الأمر مسألة نتائج، بل حتى إمكانية الترسيم كانت موضع شك."
هزت رأسها وكأن مجرد تذكر ذلك يتعبها.
من خلال ذلك، استطعت أن أستشف، ولو بشكل غير مباشر، حجم الضغط الذي واجهه موكهيون وحده في هذا القصر الجميل.
"لا أدري إن كان والده راضيًا الآن عن اتجاه مجموعتنا."
"أوه، يا لك من متواضع."
ضحكت وهي تغطي فمها.
"حتى أقاربنا المتشددون صاروا يبدأون يومهم بالبحث عن اسم موكهيون على الإنترنت. بعد نشر الأخبار عن العائلة، صار بعض طلاب زوجي يطلبون توقيعه. حتى أولئك الصغار الذين لم يجرؤوا على الكلام صاروا يتشجعون بسببه. كوالدين، كيف لا يسعدنا ذلك؟"
حينها فقط فهمت سبب تحسن أجواء العائلة
مهما كانت العملية، فالنتيجة أنهم حصلوا على ما أرادوه، وأصبح موكهيون مصدر فخر.
شعرت بالارتياح، لكن في الوقت نفسه تسلل إلي شيء من المرارة.
ماذا لو لم يترسم موكهيون مع كليف، بل مع بابيون (…)، وفشل فشلًا ذريعًا تحت إدارة سو سونغهوان كما أعرف؟
كيف كانت ستكون حياته الآن؟
وليس موكهيون وحده… بل الآخرون أيضًا؟
"لاحقًا أخبرني موكهيون أن القائد بونغهيون قاد المجموعة بجد. لا أعلم لماذا قال إنك غريب، لكن حتى أنا كأمه لا أفهمه أحيانًا……."
في نبرتها كان هناك شيء من الحرج، فابتسمت بخفة.
كانت تحدق في وجهي، ثم ابتسمت بلطف.
"هذه أول مرة أسمعه يقول شيئًا كهذا. بينما نحن كوالدين كنا مشغولين بصراعاتنا ولم نوله الاهتمام الكافي، اهتممت به كثيرًا كقائد. أردت أن أشكرك رسميًا، وإن كان متأخرًا."
وانحنت.
كانت تحية في غاية الأدب، حتى جعلتني أندم على أفكارٍ غير لائقة راودتني قبل لقائنا.
لم أتوقع أن أتلقى شكرًا بهذا الشكل، فانحنيت بدوري بدهشة.
"لا، سيدتي. لم أكن الوحيد الذي اهتم بموكهيون، الجميع تبادل التأثير الإيجابي. وقبل كل شيء، موكهيون هو من فتح قلبه أولًا ووثق بنا. ما حدث هو ثمرة جهده هو. لذلك لا أستحق الشكر."
اكتفت بابتسامة دافئة وهي تنظر إلي.
وبعد لحظة تفكير، أخرجت بطاقة عمل من محفظتها الصغيرة على الطاولة
"قد لا يحدث هذا، لكن إن احتجت إلى مساعدة يومًا ما، فاتصل في أي وقت. موكهيون ليس من النوع الذي يبادر بالاتصال، وفي النهاية سيطلب منك أنت أن تتواصل معي."
قلبت بطاقة العمل الأنيقة ذات النقوش اللؤلؤية بين أصابعي، عليها اسمها ورقم هاتفها، و رسمت ابتسامة محرجة.
"أخشى أن يكون من الوقاحة أن أتصل أنا أولًا……."
"لكن بونغهيون لن يكتفي بالنظر إلى هذه البطاقة دون أن يفعل شيئًا، أليس كذلك؟"
بأي صورةٍ رأتني لتجزم بهذا؟
وهي قرأت ترددي، تابعت بهدوء.
"أعلم أن شركة أوجو إنتر مرت باضطرابات قبل تغيير الرئيس وبعده. وبحسب ما سمعت، الرئيس الجديد سو جاي ووك كفء جدًا، لكن هذا المجال في الأصل معركة علاقات."
لو أردنا الحكم على كلامها…
‘صحيح.’
كنت في صغري متعطشًا دومًا لمساعدة الكبار، ولا يزال ذلك الأثر في داخلي، فكنت أمد يدي لأي فرصة محتملة.
حتى إن لم يرحب موكهيون بهذا، لم أر سببًا لتجاهل هذا اللطف الذي مد إلي بصدق.
وبعد أن تأكدت من نيتها، وضعت البطاقة بعناية.
"كلامك في محله. إن احتجنا إلى مساعدة مستقبلًا، سأتواصل معك بالتأكيد."
عند إجابتي، ارتفعت زاوية فم والدة موكهيون برضا، أكثر من أي حديثٍ سابق.
"من المطمئن حقًا أن يكون قائد المجموعة التي سينتمي إليها ابني طويلًا، شخصًا حكيمًا."
***
"ابق ليلةً واحدة على الأقل هنا. غرفة الضيوف كلها جاهزة بالكامل."
قبل أن نغادر القصر، أمسكت والدة موكهيون بيده بقوةٍ وكأنها مترددة في تركه.
لكن موكهيون، على عكس نعومة نظرته، هز رأسه بحزم شديد.
"غدًا لدي جدول أعمال، لا يمكنني."
"إن كان الأمر كذلك فلا بأس…… لكن يؤلمني أن ترحل دون أن ترى وجه والدك."
"سأراه لاحقًا."
وكأنها لم تجد في كلامه مصداقية كافية، عقدت حاجبيها قليلًا،، لكنها لم تلح أكثر وأفلتت يده.
"شكرًا لأنك جئت اليوم. تعالوا متى شئتم، البيت مفتوح لكم دائمًا."
التفتت نحونا وهي تودعنا.
بعد أن تناولنا طعامًا لذيذًا حتى الشبع، خرجنا من الحديقة وسط ترحيبها ودفء موظفي القصر.
"مع السلامة."
عندما ربتت بيدها بخفة على كتفي، انحنيت احترامًا.
وحين رأى موكهيون ذلك، نظر إلي بنظرةٍ غريبة بعض الشيء.
"ما الأمر؟"
بعد خروجنا من القصر، وقبل أن نركب السيارة سألني موكهيون.
"ماذا تقصد؟"
"عن ماذا تحدثت مع أمي ؟"
"آها."
أدرت عيني قليلًا ثم ابتسمت بمكر.
"همم، هل تغار؟"
"توقف عن استفزازي."
انفجر موكهيون بغضب خفيف، فضحكت وأحطت كتفيه بذراعي فجأة.
"أنا بطبعي محبوب عند الأمهات والآباء."
"يا له من انجاز عظيم."
قالها وهو يدير رأسه بلا اهتمام.
رفعت زاوية شفتي بابتسامة، وأدخلت يدي في جيب معطفي حيث كانت بطاقة والدته.
تمنيت بصدق ألا أحتاج يومًا إلى طلب مساعدتها.
_____________
اخيرا خلصت ترجمة دي الفصول، مرضت و امتحانات و تراكم فصول و كثير شغلات تانية اخخخخ.