الفصل 252
“ما هذا الأحمر؟”
“الأحمر؟ أين؟”
ضيقت عيني وحدقت بهدوء في طرف الصورة.
عندما خرجت تمتمتي بصوت مرتفع، أخذ الأولاد يمدون رؤوسهم واحدًا تلو الآخر. كانوا متجمعين بجانبي في كتلة صغيرة.
“أين؟”
“دعني أرى أيضًا!”
“أووه…؟ صحيح، يوجد فعلًا. هنا، هناك لون أحمر.”
“همم، صحيح. كان هناك شيء كهذا في الزاوية. يبدو أننا لم ننتبه له بسبب الدائرة المرسومة بالقلم الأحمر على الصورة.”
“دم…… من الواضح أنه ليس دمًا.”
وبينما كنت أميل برأسي متحيرًا لعدم قدرتي على تحديد ماهيته، تكلم موكهيون.
“أليس أشبه ببتلة زهرة؟ أو ربما ورقة شجر.”
“بتلة زهرة؟”
“نعم. نحن في غابة أصلًا، ويبدو كذلك في الصورة أيضًا.”
سأل جونغووك بنبرة مستغربة.
“هل تتفتح الأزهار في مثل هذا الطقس؟”
“صحيح. حتى لو تفتحت، فغالبًا كانت ستتجمد وتموت.”
بينما كنت أستمع بصمت، خطرت في ذهني فكرة ما.
الأطفال الذين كانوا يتبادلون الحديث فيما بينهم، لاحظوا التغير في ملامحي، فرفعوا رؤوسهم إلي في الوقت نفسه.
“يا رفاق، أظنني عرفت أي جهة علينا تفتيشها.”
***
إنه الفصل الذي تحبس فيه كل الكائنات الحية أنفاسها مرة واحدة.
ورغم برودة الشتاء القارسة، لا بد من وجود كائن قوي يضرب بجذوره في الأرض ويزهر بثبات.
ومن بين تلك الكائنات، فإن الأكثر ألفة لدى العامة بلا منازع هو الكاميليا.
تزهر الكاميليا عادة منذ أواخر نوفمبر، وتستعد لتبلغ ذروة تفتحها تزامنًا مع أشد فترات البرد قسوة.
والآن هو بالضبط ذلك التوقيت.
هذه الزهرة التي تخطف الأنظار ببتلاتها الحمراء البديعة، لها سمة مثيرة للاهتمام.
إذ إنها تزهر عند أطراف الغابات القريبة قليلًا من الساحل حيث تهب رياح البحر، لكن لا تصل الأمواج.
“حقًا هذا الأحمر هو زهرة كاميليا؟”
“الاحتمال كبير.”
“الآن بعد أن أعدت النظر، يبدو فعلًا كبتلة زهرة…….”
كان مونجون يقلب الصورة من الأمام ومن الخلف، ثم نظر إلي بعين متشككة وسأل.
“لكن، كيف تعرف مثل هذه الأشياء بهذه الدقة، هيونغ؟”
“هم؟”
“هل يعرف الناس عادة أين تنمو الكاميليا؟ هل نشأت في مشتل نباتات أو شيء من هذا القبيل؟”
قبل نحو عشرة أعوام.
حين لم يحقق ألبومي الأول نتائج جيدة، كنت قد شاركت في شتى أنواع البرامج تقريبًا لرفع مستوى شهرتي الفردية.
ومن بينها، شاركت لمدة تقارب نصف عام كعضو ثابت في برنامج منوعات ثقافي على قناة تعليمية بعنوان < إلى أحضان الطبيعة>.
كانت تلك التجربة مفيدة بالفعل، لكنني لم أستطع قول ذلك بصراحة، فاكتفيت بهز كتفي.
“كان مكتوبًا في الدفتر.”
“في الدفتر؟ ذاك الذي وجدناه أمس؟”
“نعم، رأيته أنا أيضًا. كانت هناك معلومات أخرى مختلطة معه، لذلك لم يخطر ببالي فورًا أنها كاميليا…….”
أكمل تايجاي حديثه.
حتى أثناء شرب الحساء صباحًا، كان تايجه يحدق في الدفتر وكأنه طالب يستعد لامتحان.
من المستحيل أن يضعونا أمام الكاميرات دون إعطائنا تلميحات.
“كنت أتعجب لماذا فجأة الحديث عن الزهور، لكن يبدو أنهم أرادوا إعطاءنا هذا المكان كتلميح.”
هز مونجون رأسه موافقًا بسرعة، وفي تلك اللحظة تدخل صوت خافت.
“لكن إذا كانت هناك كاميليا فعلًا في تلك المنطقة، هل ستكون بخير؟”
“أنا؟”
“نعم. أنت دخلت المستشفى من قبل بسبب حساسية حبوب اللقاح، أليس كذلك؟”
أشار موكهيون تحديدًا إلى حادثة إغمائي في موقع تصوير إعلان قبل الترسيم.
“آه، صحيح! إذًا ألن يكون الأمر خطرًا عليك، هيونغ؟!”
“أتذكر أن هيونغ بونغهيون بدا مريضًا جدًا حينها…….”
يبدو أن تلك الحادثة تركت أثرا كبيرا في ذاكرة الأولاد……
الأولاد الذين استعادوا الذكريات توقفوا في أماكنهم وبدأوا يحركون بأقدامهم بقلق.
حتى تايجاي وجونغووك، اللذان لم يشهدا الحادثة، تصلبت ملامحهما قليلًا.
أطلقت ضحكة محرجة.
“لا داعي للقلق. منذ ذلك الحين وأنا أتعالج بانتظام، وبضع زهور في الهواء الطلق لن تسبب مشكلة كبيرة.”
ثم إن طاقم الإنتاج لا بد أنهم تحققوا من هذا مسبقًا عبر الشركة.
وفوق ذلك، هذا ليس موسم التفتح الكامل للكاميليا أصلًا.
“كما لا يمكن مقارنة مكان مغلق تمامًا بلا تهوية، بمكان تهب فيه رياح البحر من كل الجهات.”
“مع ذلك، فقط للاحتياط، خذ الدواء. في حقيبة الإسعافات توجد أدوية للحساسية أيضًا. دعنا نأخذها ثم نتحرك.”
توقف جونغووك وقال ذلك بنبرة حازمة.
من لهجته الهادئة المعتادة، قرأت قلقًا خفيفًا يتسلل بين الكلمات.
شعرت بقليل… بقليل فقظ من الإحراج.
كان معروفًا على نطاق واسع أن حساسيتي من حبوب اللقاح خطيرة، حتى إن منظمي حفلات الجوائز كانوا يجهزون لي باقات زهور صناعية خصيصًا.
لكن رؤية هؤلاء الأولاد، الذين هم في عمر أبنائي إخوتي تقريبًا، يتكاتفون للقلق علي… جعلني أشعر بشيء ما.
‘هل أقول إن الأمر لطيف؟’
ربما لأن من قال ذلك هو سونغ جونغووك تحديدًا.
ابتسمت وربت على شعر جونغووك برفق.
“آه، بالطبع أخذت الدواء. مهما كان الشتاء، إذا دخلت الغابة فأنا أحرص على هذه الأمور دائما بدقة.”
“…….”
“…….”
“…….”
كنت قد تأكدت أصلًا من أن حقيبة الأدوية التي أعطاها لنا طاقم الإنتاج في اليوم الأول تحتوي على أدوية حساسية بأنواع مختلفة.
حتى وإن كنت أعيش الآن حياة شبه طبيعية بفضل العلاج المنتظم، فإن المحترف في مجال البث لا يجوز له الاستهانة بأي شيء.
للاحتياط، تناولت الدواء قبل النوم ليلة أمس، وتناولته أيضًا قبل بدء التصوير ظهر اليوم.
‘وعندما نعود إلى معسكر القاعدة لاحقًا، سأتناول واحدًا آخر.’
بينما كنت أفكر أفكارًا تافهة بلا خطة، لاحظت أن الأجواء من حولي صارت هادئة بشكل غريب.
استدرت نحو الأولاد بشعور مريب، فوجدتهم ينظرون إلي — بل بالأحرى إلى يدي — بتعابير غريبة.
“……أوه.”
ما كانت يدي تفركه بقوة هو—
“هاها، بونغهيون. هل يدك تشعر بالملل؟”
“أووه…….”
أنزلت يدي بهدوء.
ابتسم جونغووك باستقامة وسألني.
“إذا كنت تشعر بالملل إلى هذا الحد، هل أقطعها لك فحسب؟ على أي حال، لا تحتاج إلى يديك عندما تغني.”
إنه جاد! جاد تمامًا، هذا الوغد!!
……في النهاية، اضطررت لأول مرة في حياتي أن أنحني وأعتذر لطفل أصغر مني بكثير…….
***
استنادًا إلى الخريطة ودليل اتجاه الشرق، تابعنا السير مباشرة حتى وصلنا إلى ساحل تحفه منحدرات صخرية.
بعد فترة، بلغنا الطرف الأيمن من الجزيرة المهجورة حيث يقع جرف شديد الانحدار.
“واو، إنها هنا فعلًا!”
خرجنا إلى مساحة شاطئية واسعة، وبين طرقات الغابة الكثيفة أسفل الجرف، ظهرت عدة أزهار حمراء متفتحة.
ابتهج الجميع لرؤية اللون الأحمر الواضح، لكن دون أن يتقدم أحدنا على الآخر، سقطنا جالسين في أماكننا!
“اللعنة… متعب جدًا.”
“أ-أنا أيضًا…….”
“حتى لو كانت أرضًا مستوية، السير في الغابة يرهق بسرعة.”
كان قد مضى وقت قليل منذ عبرنا الغابة. ومع كثرة الخطوات، كان الإرهاق أمرًا لا مفر منه.
“لكن، ألا تشعرون أننا دخلنا عميقًا جدًا؟ كيف سنعود من هنا؟”
“……فلنتجنب قول كلمة ‘نعود’ ولو مؤقتًا. إنها محبطة.”
بينما كان الجميع يومئون برؤوسهم ببطء لكلامي، لمس موكهيون كتفي بخفة وهو يحدق في مكان ما.
“ذلك.”
“هم؟”
“انظر إلى هناك.”
“……ما الذي يوجد هناك؟”
مددت جسدي باتجاه ما كان يشير إليه موكهيون.
كان يشير إلى منطقة قريبة من الشاطئ، تبعد قليلًا عن المكان الذي خرجنا منه.
وما كان هناك.
“أوه؟!”
شيء كبير يشبه الدراجة النارية كان واقفًا هناك وحده!
“يا إلهي، ما هذا؟”
“واو!”
وسيلة نقل!
نهضنا جميعًا دفعة واحدة، ناسين التعب، واندفعنا نحوها.
من قرب، اتضح أنها دراجة نارية فعلًا لكن شكلها لم يكن عاديًا تمامًا.
“……أهذه حقًا دراجة نارية؟”
مال تايجاي برأسه في حيرة.
وكان من الطبيعي أن يشعر بالاستغراب.
فالتي أمامنا كانت… بستة مقاعد!
كانت مفتوحة الجوانب، تشبه تمامًا ما يعرف باسم ‘التوك توك’ المستخدم بكثرة في المواقع السياحية داخل البلاد وخارجها.
كان سييون يتأمل التوك توك بعينين مندهشتين، ثم سأل باستغراب.
“لكن هل سنتمكن من الخروج من الغابة بهذا؟ إنها كبيرة جدًا…….”
“سنلتف عبر الشاطئ بدل طريق الغابة.”
أشار جونغووك إلى جزء من الخريطة.
“بحسب الخريطة، موقعنا الحالي هنا. إذا تحركنا بمحاذاة الشاطئ، فسنستطيع استخدام هذه دون مشكلة.”
كان السير عبر الغابة أقصر بكثير من الالتفاف حول الجزيرة كلها، لكن مع وجود وسيلة نقل، يختلف الأمر تمامًا.
“إذا واصلنا بهذا الاتجاه، سنصل إلى الرصيف الذي وصلنا إليه أمس.”
“حتى لو كان الطريق في البداية غابة، فالمساحة هناك مفتوحة نسبيًا، لذا أظن أننا نستطيع الدخول إلى الداخل إلى حد بعيد.”
الطريق الذي مررنا به للتو كان كثيف الأشجار، ما يجعل المرور مستحيلًا، لكن المسار الذي دخلنا منه في اليوم السابق كان منظمًا حتى نقطة عميقة، لذا سيكون ذلك ممكنًا.
كنت قد بدأت أقلق قليلًا بشأن إمكانية العودة بعدما تعمقنا في الغابة، لذا شعرت بالارتياح من عدة نواحٍ.
‘حسنًا، مهما كان مين سو هيوك، فلن يكون قد صمم الأمر بحيث نضيع في غابة جزيرة مهجورة.’
فلو قضينا كامل يوم التصوير فقط في البحث عن الطريق، فسيكون ذلك خسارة من كل الجهات.
“إذًا قيادة الدراجة…….”
“سأتولى أنا الأمر.”
قلت ذلك بخفة وأنا أفحص حالة التوك توك.
“لكن، هيونغ، هل أنت متأكد أنك تستطيع القيادة فعلًا؟”
نظر إلي مونجون بوجه متشكك.
“هيونغ بونغهيون يقود جيدًا جدًا! إنه رائع حقًا!”
“لكن هذه ليست سكوتر، بل بستة مقاعد؟”
“هوهو، لا تقلق يا مونجون. هذا الهيونغ لديه رخصة دراجة نارية أيضًا. وفوق ذلك، هل نسيت أنني حصلت على رخصة من الدرجة الأولى؟”
الدرجة الأولى، أي قيادة شاحنة كاملة! الشاحنات!
ومع ثقتي المفرطة، لم يفعل مونجون سوى حك خده.
لكن قبل القيادة، كانت هناك حقيقة أكثر أهمية.
“لكن المشكلة… لا يوجد مفتاح.”
“هاه؟”
“فتشت تحسبًا، لكنه غير موجود في أي مكان.”
بعد كلامي، بدأ الأولاد أيضًا يبحثون عن مفتاح الدراجة. وبالطبع، لم نحصل على أي نتيجة.
الدراجة بلا مفتاح ليست سوى كومة خردة.
لكن طاقم الإنتاج لن يتركها هنا بلا سبب.
“يبدو أن البحث من هنا أولًا هو الأصح.”
في تلك اللحظة، لوح جونغووك بصورة بولارويد.
“إذا وجدنا هذه المنطقة أو هذا المكان، ألا يمكن أن نعثر على دليل إضافي؟”
سواء كان مفتاح الدراجة، أو مفتاح الخروج من هذه الجزيرة.
“هذا صحيح.”
أومأت برأسي وربت على التوك توك كما لو كنت أطمئنه.
“انتظر قليلًا، يا وندر وول.” (الجدار العجيب، Wonderwall)
“وندر…… ماذا؟”
“اسم هذا الفتى من الآن فصاعدًا هو وندر وول!”
“لم نلتق به إلا للتو، وأعطيته اسمًا بالفعل……؟”
رغم تساؤلات الأولاد، مسحت جانب وندر وول بحنان، ثم تفحصت صورة البولارويد.
لم يكن البحر ولا الجرف ظاهرين في الصورة، بل كانت فقط أطراف بتلات تتحرك عند الزاوية.
إذًا لا بد أنه مدخل الغابة حيث تفتحت الكاميليا.
خلف الأزهار المتناثرة، ظهرت منطقة مظلمة على نحو خاص، حيث لا يصل الضوء.
بحدسي، تيقنت أن هناك شيئًا في ذلك الاتجاه.
بعد قليل من البحث.
عثرنا على باب خشبي ضخم في الأرض، أي مدخل يؤدي إلى باطن الأرض.