الفصل 271

ساد بيني وبين الرئيس صمت ثقيل.

لم يقطعه سوى صوت نقرٍ خافت وهو يطرق ببطء على مسند ذراع الأريكة.

كان الرئيس سيو يحدق بي بصمت، ثم قال بلهجة هادئة.

"حسنًا، بما أنك جئت بنفسك لتقول مثل هذا الكلام التافه… حتى أنا، عند هذه المرحلة، لا يسعني إلا أن أتوقع شيئًا من هذا القبيل، أليس كذلك؟"

تساءلتُ في نفسي عما سيهذي به هذه المرة.

لم أكن قد سمعت بقية كلامه، لكن بدا وكأن أذني التقطته بالفعل، أكان ذلك مجرد وهم؟

‘على أي حال، أن يقول "مثل هذا الكلام التافه"…….’

لقد كان كلامه قاسياً بعض الشيء.

ومع ذلك، لم يكن لدي ما أرد به، فاكتفيت بتدوير عيني في صمت.

"إن كنتَ قد لبيت التوقعات، فهذا حقاً أمر جيد."

"لم يكن ذلك مدحاً."

"أجل……."

انحنيت برأسي معتذرا (في داخلي).

ثم سأل الرئيس وهو يسند ذقنه بيده.

"سمعت أن والدك قد توفي."

"آه، نعم. كنت قد تحدثتُ مع مديرة القسم بهذا الشأن، وأنا أنوي زيارته الليلة."

"لقد كان أمراً مؤسفاً. لا شك أنه ذهب إلى مكانٍ أفضل."

تساءلت إن كانت حتى القشرة الفارغة ستقول ذلك بصدق أكثر.

فكلمات الرجل الذي يبدو أنه لم يؤمن يوماً بعالمٍ بعد الموت بدت مجرد مجاملة شكلية، فاكتفيت بأن أنحني برأسي احتراماً.

"كنتُ قد فكرتُ أن أرسل إكليلاً من الزهور عبر السكرتير بارك، لكن قيل إن مكان العزاء ضيق ولا يستقبل ذلك. لذلك أمرت أن يحول مبلغ التعازي إلى حساب كانغ بونغهيون مباشرة، فضع ذلك في اعتبارك."

"نعم، أشكركم على اهتمامكم."

تأملني الرئيس بنظرة كأنه يفتشني بعينيه.

عندما بدأت أشعر ببعض الضيق من حدة نظرته، قال.

"لا تبدو حزيناً على الإطلاق."

"……."

ارتدّ صوته المعتاد في المكتب بخفة.

لم يكن نبرة لوم، بل أقرب إلى تساؤلٍ يحمل شيئاً من الفضول.

اخترت الصمت.

فلو كان الأمر عادياً، لتظاهرتُ ببعض الحزن كي لا أثير الشكوك، لكن……

لم أرد أن أظهر مشاعر زائفة في أمرٍ يتعلق بوفاة والدي.

ثم إنني لم آتِ اليوم لأبرر أموراً معلّقة.

"على أي حال، لكانغ بونغهيون ظروفه الخاصة، فلا مشكلة في ذلك."

كما توقعت، لم يحاول الرئيس أن يتدخل في شؤون عائلتي.

فهو كان قد أجرى تحقيقاً عني منذ زمن، وربما كان يعرف ماضيّ أكثر مني.

‘في الحقيقة، راودتني فكرة أن أطلب منه أن يريني تلك الملفات…….’

لكنني كتمت طلبي عند حافة لساني.

يكفيني أن يكون موكهيون هو الوحيد الذي يعرف حقيقتي هنا.

أما سوهان، فهو في وضعٍ مشابه لي على أي حال.

ولم أرد أن أثير المزيد من الشبهات بلا داعٍ.

إذًا، ما هو الفعل العاق الذي ارتكبته؟"

"لم أرتكب شيئاً. ليس بعد."

"لكن ستفعل قريباً؟"

"ربما."

أجبتُ بهدوء.

"كنتُ أتمنى ألا يحدث شيء، لكن إن وقع ما يخالف ذلك، وجب أن أستعد مسبقاً، ولهذا جئت لمقابلتكم."

فمن الأفضل أن نناقش الأمر قبل أن تقع الأحداث، لا أن ننتظر الكارثة ثم نحاول إصلاحها.

"لو أنني بعد هذه الزيارة قطعت كل صلةٍ بأقاربي، فإلى أي حد يمكن للشركة أن تتدارك الأمر؟"

سأل الرئيس وهو يسند ذقنه بملل ظاهر.

"وهل هذا أمر يستحق أن يُتدارك؟"

"قطع علاقةٍ عائلية ليس أمراً يسير، ولا يجري بسلام دائماً."

كان رجلاً يعرف جيداً إلى أي مدى يمكن للعائلة أن تكون قاسية تحت اسم القرابة.

ورغم أنه فهم مغزى كلامي، إلا أنه ابتسم ابتسامةً ساخرة.

"ما أعنيه هو أن طالما لم يرتكب كانغ بونغهيون جريمةً كبيرة، فلن يؤثر مثل هذا الأمر على سمعة كليف إطلاقاً."

***

وما دام الرئيس نفسه قد قال ذلك، فماذا يمكن لمجرد فنان تابع للشركة، لا يملك أي قوة، أن يقول؟

لم يكن أمامي سوى أن أقول في داخلي

‘أجل، شكراً جزيلاً~ ما أعظم قدرتكم حقاً!’

‘قال الرئيس إنه ما لم أرتكب جريمةً كبيرة فلن تكون هناك مشكلة.’

لكنني، حين فكرت في إصراره، خطر ببالي أنه حتى لو ارتكبتُ جريمة خطيرة، لوجد طريقةً ما ليتدارك الأمر.

على أي حال، بما أنني تأكدتُ من دعم الرئيس الكامل(?)، استطعت أن أواجه عمي في بيت العزاء بلا تردد.

“أيها…… الوقح الحقير…….”

كان عمي قد احمر وجهه وازرق وهو يقبض على يده بغيظ.

أيها اللعين~ إن لم تطع كلامي فسأخبر الصحفيين عنك~!

لقد ظن أن مثل هذا التهديد سينجح بسهولة.

وفي الواقع، كثير من الفنانين لم يحتملوا ذلك التهديد، فخسروا مالاً كثيراً وتعرضوا للاستغلال مراراً.

‘لكن ذلك لا ينجح إلا حين يكون في قلبي شيء من المشاعر تجاههم.’

كثيرون لم يستطيعوا أن يقطعوا تلك العاطفة بسهولة، لكنني الآن لم أرَ فيه سوى حديثٍ تافهٍ يمكن تجاهله.

“سمعت أنهم لا يستقبلون التعازي، لكنني لم أستطع أن آتي خالي الوفاض.”

ناولته الظرف السميك الذي كنت قد خبأته في صدري.

كان المبلغ كبيراً، إذ اجتمع فيه ما وضعه الرئيس سيو مع ما ادخرته أنا.

كان عمي يوشك أن يهجم علي، لكنه ما إن رأى الظرف حتى تجعد وجهه.

“أرجو أن تعتني بوالدي حتى النهاية.”

كانت هذه الكلمات صادقة من قلبي.

وإن لم يكن والدي الحقيقي.

لقد كان المال هو السبب الأساسي لدعوتي إلى بيت العزاء، ومع ذلك بدا عمي متردداً بوضوح.

كان يوازن بين أن يفقد شخصاً يمكنه أن يستغله مدى الحياة، أو أن يظفر بالمال الذي أمامه الآن.

لكن تردده لم يطل.

خطف الظرف من يدي بسرعة.

فبعد أن وصلت الأمور إلى حدّ الحديث عن دعاوى قضائية، لم يكن ليستطيع أن يتصرف بتهور.

عندما شعر بسماكة الظرف بين يديه، لمعت عيناه.

……شعرتُ بمرارة في فمي.

“اعتني بصحتك يا عمي.”

لم يرد على تحيتي، بل استدار فجأة.

ثم دخل إلى الغرفة الصغيرة داخل دار العزاء وكأنه يتعمد أن يريني ذلك.

قعقع الباب وهو يغلقه بعنف، فاهتز المكان الضيق كله.

بدا وكأنه يريد أن يتركني بآخر قدر ممكن من الإهانة حتى النهاية.

وقفت وحدي في دار العزاء.

‘إذن هذه هي النهاية.’

ألم يكن ذلك حقاً أمراً عبثياً؟

كنت ممتناً أن من عاش هذه النهاية البائسة لم يكن كانغ بونغهيون الصغير، بل أنا.

قبل أن أغادر دار العزاء، وقفت أمام والدي للمرة الأخيرة.

أشعلت البخور الذي كان قد انطفأ.

وخزتني رائحته النفاذة في أنفي.

وما إن اعتدت على رائحته.

حتى غادرت دار العزاء.

***

كانت أول حافلة متجهة إلى سيول في السابعة صباحاً.

وحتى ذلك الحين، كنتُ أنوي أن أغمض عيني قليلاً في مقهى إنترنت أو مقهى مانغا يعمل على مدار الساعة.

فقد كنت قد رأيتها مسبقاً وأنا في طريق المجيء بسيارة الأجرة، فلم يكن العثور عليها أمراً صعباً، لكن……

"أوه."

جلست مترهلاً على المقعد الموضوع في منطقة التدخين خلف المبنى، وقد أثقل كتفي شعورٌ بالعجز.

"……يا له من إرهاق شديد."

ربما لأنني كنت في الآونة الأخيرة أستعين دائماً بمساعدة دانهيونغ هيونغ أينما ذهبت، خرجت مني آهةٌ تلقائية.

كان الهواء بارداً مع حلول الفجر.

ومع ذلك، كان العواء نقيا، فاستنشقت بعمق.

لكن رغم أنني ابتلعتُ البرد مراراً، لم ينقشع الضيق الذي يملأ صدري.

لم أكن أعرف حتى ما هي مشاعري.

فهم ليسوا عائلتي الحقيقية، فلا سبب يدعو للحزن.

لماذا كان هذا الشعور يلازمني؟

"…كيف يكون حظي مع العائلة سيئًا حتى هنا؟"

تمتمت بشيء من التذمر.

"أعلم أن أخي الأكبر كان قاسيًا معك لفترة طويلة، ولذلك لا بد أنك تحملت جروحًا كثيرة."

"وبعد أن فقد زوجته بتلك الطريقة العبثية، لم يكن أخي الأكبر ليستطيع أن يعيش بعقلٍ سليم……."

كنتُ قد توقعت ذلك منذ أن علمتُ أن عمي هو من تولى دور الوصي.

يبدو أن الأب لم يكن رجلاً صالحاً بالنسبة لكانغ بونغهيون الصغير في هذا العالم.

أما أنا، فلم أكن أعرف حتى ما كان عليه أبي الحقيقي.

حين كنتُ أعيش في بيت عمي، كان يكثر من سب أبي وهو مخمور.

"ذلك الحقير لم ينفعني يوماً في حياته. كان الابن الأكبر، لكنه لم يفعل سوى أن يجرّ المشاكل."

في ذاكرتي، كان أبي رجلاً مشغولاً للغاية.

كان يغيب عن البيت في رحلات عملٍ متكررة، فكبرتُ بين يدي أمي وحدها.

كانت ذكرياتي عن والداي ضبابية، لكن صورة أمي وهي تنتظره حتى ساعةٍ متأخرة بقيت واضحة.

حتى وأنا طفل، كنتُ أرى كم كانت وحيدة، فكنتُ أجلس بجوارها وأنا أغالب النوم لأبقى معها.

وفي يومٍ نادر خرج فيه أبي وأمي معاً، كانا يتحدثان بجدية عن أمرٍ يخص أحد الأقارب، ثم أسرعا في الخروج.

كانت تلك آخر مرة.

لم يعودا أبداً.

ومع ذهني المنهك، كان سماع عمي وهو يسب أبي أمراً مؤلماً للغاية.

كنتُ أريد أن أصرخ في وجهه، أن أتشاجر معه وأقول له أن يكف، لكنني لم أستطع.

فلو طُردتُ من هناك، لم يكن لي مكان أذهب إليه.

لم يكن هناك أحد في العالم ليأويني……

"……."

مسحت عيني ببطء.

ربما لأنني التقيتُ أبي الذي لم أعلم أنه حيّ إلا من خلال صورة جنازته.

لم أتوقع أن أشعر بهذا الحزن وأنا في هذا العمر بسبب أحداثٍ مضت منذ زمن.

كنتُ أظن أنني بخير، وأن الأمر لا يستحق، لكن……

ربما.

ربما أنا.....

ربما كنت قد حملتُ شيئاً من الأمل قبل أن آتي إلى هنا.

أملاً في أن يكون بجوار كانغ بونغهيون شخصٌ بالغ صالح واحد على الأقل.

أملاً في أن تكون طفولته أقل وحدةً من طفولتي.

خفضت رأسي بعمق مع الشعور الذي كان يغرق إلى القاع.

كانت رؤيتي تتماوج كما لو أنني غارق تحت الماء، ولم أستطع سوى أن أرمش ببطء.

طنين—

رن صوت الإشعار المألوف في أذني.

فتحت عينيّ على اتساعهما ورفعت رأسي.

【النظام قيد التحميل……】

【إتمام التحميل خلال 10 ثوانٍ】

"بونغشيك!"

ناديته بجنون أمام النافذة الزرقاء.

لقد عاد بونغشيك الذي كان قد غادر المنزل!

.

.

.

【3】

【2】

【1】

【اكتمل تحميل النظام.】

【جميع الوظائف أعيد تشغيلها.】

توالت النوافذ الزرقاء المألوفة، فأضاءت رؤيتي.

【الخاصية <مناعة الصدمة> قد فُعّلت!】

اختفى تماماً ذلك العجز الذي كان يثقل جسدي.

_______________

أسفة لاني اتأخر في التنزيل بس دي الأيام ما معي وقت كثير.

2026/03/16 · 80 مشاهدة · 1477 كلمة
Go away
نادي الروايات - 2026