الفصل 68
"أحسنت بونغهيونا."
عندما خرجتُ من غرفة التسجيل سلّمتني المديرة زجاجة ماء بوجهٍ تغمره الحماسة.
كنت الشخص الذي غنى لكن المديرة بدت متأثرة جدا.
"شكراً جزيلاً."
اخدت الزجاجة بتواضع وإذا بالسيدة أروم التي كانت معنا في المكان ذاته ترفع إبهامها وتقترب مني.
"بونغهيون لقد بذلتَ جهداً كبيراً استمتعتُ كثيراً بالاستماع."
كان اليوم موعد تسجيل الموسيقى الخاصة بالإعلان الذي صورته قبل فترة.
كان من المفترض أن يتم التسجيل منذ مدة لكن بسبب تدخل المعلن تم تعديل اللحن مرة واحدة.
تأخر المواعيد أمرٌ شائعٌ جداً في هذا المجال مثل التنفس لذا لم يكن الأمر مزعجاً.
ما كان مؤسفاً هو أن الصور الإعلانية قد نُشرت بالفعل على الإنترنت لكن عرض الفيديو الإعلاني تأخر قليلاً.
على أي حال بما أن الأغنية إعلانية فقد كانت قصيرة لذا انتهى التسجيل بسرعة.
كانت أغنيةً ذات لحنٍ متلألئ مناسبة للاستماع في الأيام الباردة.
"أخبرني هل تُدرّب المتدربين على التسجيل مسبقاً هذه الأيام؟ بونغهيون كان محترفاً بحق."
كالعادة لم تتوقف السيدة أروم عن المديح فارتسمت ابتسامةٌ أوسع على وجه المديرة.
"كنتُ أعلم أن صوت بونغهيون جميل لكن كيف يمكن لصوتٍ بشري أن يكون هكذا؟ عندما غنّى بدا الأمر وكأن نجوماً تتساقط."
حقاً يبدو أنها مبدعة في التعبير ربما لأنها تعمل في مجال الإبداع.
تعبير "تتساقط النجوم" ليس شيئاً يُسمع كل يوم لذا شعرتُ بالحرج.
"شكراً على الإطراء! يسعدني أنه راق لكم."
"بالطبع! لقد كان رائعاً حتى الأغنية نفسها كانت ممتازة من المؤسف أنها ستُستخدم فقط كموسيقى إعلانية أليس كذلك سيدي المنتج؟"
وجهت السيدة أروم الحديث إلى السيد ريو دايانغ منتج الأغنية ومؤلفها.
كان السيد ريو يتلقى تقييمات جيدة في مجال الموسيقى الإعلانية ويبدو أنه يوسّع نشاطه شيئاً فشيئاً عبر شركات متعددة.
نظراً لطول فترة عدم شهرته كان رجلاً في سنٍ متقدمة وقد ثبت نظره عليّ.
وبينما كان يراجع النسخة الأخيرة من التسجيل رفع رأسه وتحدث.
"هل هذا الشاب لم يترسم بعد؟"
رغم أنه كان ينظر إليّ إلا أن سؤاله كان موجهاً للمديرة.
"نعم سنقدمه رسمياً العام المقبل نرجو دعمكم."
"هممم."
لم تفوّت المديرة فرصة الترويج لي فانحنيتُ بدوري بعمق.
"تشرفنا!"
وبينما كان المنتج الذي التزم الصمت طوال التسجيل يتفحصني سأل مرة أخرى
"وهذا أول تسجيل له صحيح؟"
"...نعم."
أجبتُ بخجل متذكراً الأيام التي كنتُ أسجل فيها كما لو كنتُ أتناول الطعام.
"حسناً."
أومأ برأسه بخفة ثم نهض من مكانه.
كان السيد ريو أقصر من متوسط الرجال ونحيفاً لكن عندما وقف أمامي شعرتُ بكاريزما قوية يصعب وصفها.
وبنظرةٍ حادة حدّق في عينيّ وقال بنبرةٍ فاترة
"سيكون مثيراً للمشاهدة بعد الترسيم."
...هاه؟
"واو بونغهيون لقد تلقيتَ مديحاً عظيماً."
هل هذا مديح؟
نظرتُ إلى السيدة أروم بدهشة لكنها كانت مقتنعة تماماً بأنه كذلك.
"سيد ريو لا يقول مثل هذا الكلام عادةً يبدو أنه أعجب بأدائك اليوم."
"آه... شكراً جزيلاً!"
بصراحة ظننتُ أنه يوبّخني.
لكن مهما كانت طريقة التعبير فإن الحصول على تقييم جيد من العاملين في المجال أمرٌ إيجابي.
وبينما كنتُ أبتسم وأحني رأسي لاحظتُ أن شفتي السيد ريو ارتجفتا قليلاً.
هل كان يبتسم؟ ربما مجرد وهم.
لكن سرعان توقف ارتجاف شفتيه.
***
بعد انتهاء التسجيل لم نعد مباشرةً إلى الشركة بل عقدنا اجتماعاً بسيطاً مع السيدة أروم.
"رغم أن التسجيل تأخر قليلاً، إلا أن الصور الإعلانية قد نُشرت بالفعل على صفحة المنتج هل رأيتها بونغهيون؟"
"نعم المديرة أرسلتها لي وأصدقائي الذين أعيش معهم أروها لي فوراً."
"آه تقصد أعضاء الفريق الذين يستعدون للترسيم معك؟ من اللطيف أنهم تحققوا منها فوراً."
هممم يبدو أن أصدقائي يبدون لطفاء حتى في نظر الآخرين.
"نعم إنهم طيبون جداً."
ردّي الذي حمل شيئاً من الفخر جعل ابتسامة السيدة أروم تزداد عمقاً.
"بالمناسبة، رغم أنه ليس ترسيماً رسمياً إلا أن هذا يُعد أول ظهور لك كيف تشعر؟"
رغم أنني اعتدتُ على رؤية وجهي في كل مكان إلا أنني...
"الآن فقط أدرك أن هذه أول مرة يُسجّل فيها وجهي رسمياً وأنا لم أبلغ سن الرشد بعد."
شعرتُ بشيءٍ غريب.
أن يرى الجميع صورتي في هذه السن الصغير أمرٌ يبعث على الغرابة.
ربما لأنني تذكرتُ حياتي في سن التاسعة عشرة قبل وفاتي.
"كانت فترة مظلمة وقاسية."
رغم أنني على مشارف الأربعين إلا أن تلك الأيام لا تزال حاضرة في ذهني.
وبينما كنتُ مستلقياً على السرير أنظر إلى صورتي وأنا أضحك ممسكاً بالكوب الحراري شعرتُ بشيءٍ من الحنين.
الشباب يسطع بهذا الشكل.
"صحيح رغم أن وجهي ظاهر في الإعلان إلا أنني لا أشعر بذلك فعلاً."
"هذا طبيعي عندما يُنشر الفيديو الإعلاني في نهاية الشهر ستشعر بشيءٍ مختلف بعد الانتهاء من العمل على الموسيقى سيُعرض الإعلان في كل مكان لذا ترقّب ذلك."
قالت السيدة أروم بنبرةٍ مشرقة.
رغم الصعوبات التي واجهتها في اختيار العارض إلا أنها بدت مطمئنة بعد انتهاء التسجيل.
"بالمناسبة، كم عدد الأشخاص الذين يعيشون في السكن؟"
"آه نحن خمسة بما فيهم أنا."
"حسناً هذا عدد مناسب."
قدّمت لي حقيبة تسوّق كبيرة كانت بجانبها.
كنتُ أتساءل عن محتواها منذ أن وصلت وهي تحملها وعندما فتحتها وجدتُ مجموعة أكواب حرارية التي ظهرتُ في إعلانها.
"خذها ووزّعها على أعضاء الفريق. وبالنسبة لعائلتك هل لديك إخوة؟ يجب أن تهديهم أيضاً."
توقف المديرة فجأة رغم أن السؤال كان عادياً جداً.
أجبتُ وأنا أهز رأسي بخفة
"آه لا حاجة لذلك ليس لدي عائلة."
"...عفواً؟"
"أعني ليس لدي إخوة ولا والدين لذا يكفي أن أوزّعها على أعضاء الفريق."
رغم أنني قلتها بنبرةٍ عادية إلا أن الجو أصبح صامتاً بشكلٍ محرج.
حككتُ عنقي بخجل.
"عندما أعود إلى السكن سيحبها الأولاد كثيراً قبل أيام كانوا يقولون إن الكوب الحراري لا يُستغنى عنه وكانوا ينوون شراءه لأنني ظهرتُ في الإعلان."
بدت السيدة أروم محرجة حقاً فحاولتُ تغيير الموضوع بسرعة.
وبعد لحظةٍ من التردد اعتذرت السيدة أروم بلطف
"آه... آسفة بونغهيون."
"لا لا داعي للاعتذار! بل أنا من يشعر بالامتنان لأنكِ اهتممتِ بهذا الشكل."
لم أعد أتذكر جيداً تلك الأيام الصعبة التي قضيتها بلا عائلة.
ربما أفتقد والديّ لكن ليس أكثر من ذلك.
بل إن ردود فعل الآخرين هي ما تجعلني أتجنب الحديث عن الأمر.
وبعد أن هدأت الأجواء أخذتُ عدد أكواب حسب عدد أعضاء الفريق ثم التفتُ إلى السيدة أروم فجأة.
"عفواً، هل يمكنني أخذ واحدة إضافية؟"
***
بعد انتهاء التسجيل والاجتماع خرجنا من شركة الإعلان وكان المساء قد حل بالفعل.
كنا نستخدم سيارة المديرة في طريقنا إلى السكن ، تلقت اتصالاً عاجلاً من الشركة.
أنهت المديرة المكالمة بأقصر ما يمكن احتراماً لوجودي لكن من بعض الكلمات التي سمعتها استطعتُ أن أستنتج أن هناك مشكلة ما تتعلق بجلسة تصوير ملفات تعريف أعضاء فريق الترسيم.
"بونغهيونا آسف حقاً يبدو أنني لن أستطيع إيصالك سأضطر لإنزالك هنا."
"لا بأس، سيدتي المديرة اذهب بسرعة لا تقلق عليّ."
"لكن... لديك الكثير من الأغراض."
نظرت المديرة إلى الاكواب الحرارية التي كنتُ أحملها ثم أخرجت بعض الأوراق النقدية ووضعتها في يدي.
"اركب سيارة أجرة وعد إلى السكن بونغهيونا اتفقنا؟"
يا إلهي خمسون ألف وون!
عادةً كنتُ سأرفض بإصرار لكن...
"شكراً جزيلاً! لا تقلقوا عليّ! سأعود سالما"
بمجرد أن حصلتُ على المال ارتسمت ابتسامةٌ عريضة على وجهي.
عندما قلتُ لسيون إنني لم أعد أملك سوى ألفي وون لم أكن أمزح للأسف.
وضعتُ المال في مكانٍ آمن ثم بدأتُ السير بخفة نحو محطة المترو.
لكنني لم ألبث أن ندمت على عدم ركوب سيارة الأجرة...
***
"…أنا متعب متعب جداً!"
بعد أن مشيتُ طويلاً قرأيتُ مبنى السكن المألوف جلستُ منهكاً على أحد المقاعد القريبة.
رغم أن شهر نوفمبر قد تجاوز منتصفه إلا أنني كنتُ أتعرّق قليلاً.
الآن فقط فهمتُ لماذا أصرّت المديرة على إعطائي المال.
لكي أصل إلى السكن اضطررتُ إلى تبديل القطار مرتين ثم المشي لمسافة طويلة بعد الخروج من المحطة.
عادةً كنتُ أذهب إلى الشركة سيراً على الأقدام وإن اضطررتُ إلى الذهاب لمسافة أبعد كنتُ أستخدم الدراجة أو سيارة الشركة لذا لم أشعر بصعوبة التنقل من قبل.
وفوق ذلك كانت مجموعة الاكواب أثقل مما توقعت.
"ما هذا؟"
بينما كنتُ أتفحص المجموعة الكبيرة التي أحملها تنهدتُ.
فقد تبيّن أن مجموعة الاكواب الجديدة تحتوي على وعاء كبير للحبوب كهدية.
"لهذا كانت ثقيلة جداً."
هززتُ رأسي ثم أخرجتُ زجاجة الماء لأروي عطشي.
كنتُ قد أخذتها معي بعد التسجيل وقد ساعدتني كثيراً الآن.
وبينما كنتُ أفكر في المال الذي أعطاتني إياه المديرة استجمعتُ قواي ونهضتُ من جديد.
رؤية مبنى السكن أمامي أعادت إليّ النشاط.
ربما سيُسعد الأولاد كثيراً عندما أُعطيهم الهدايا.
خصوصاً سيون الذي كان يريد شراء اثنين منها وقد وضعهما في سلة التسوق لكنني أجبرته على حذفهما فبدا عليه الحزن.
من أين له المال لشراء اثنين من تلك الاكواب الغالية!
وقبل أن أدخل السكن توجهتُ أولاً إلى مكان فرز النفايات.
كنتُ أفضّل التخلص من هذه القمامة قبل الدخول.
ضغطتُ على زجاجة الماء الفارغة لأفرغ الهواء منها ثم مشيتُ نحو منطقة التخلص من البلاستيك.
عندها شممتُ رائحة تبغٍ خفيفة تتسلل إلى المكان...