الفصل 17: موسيقى السيارات
طَخ
طَخ
طَخ
طَخ
بينما استمر آري في ضرب رأسه بنافذة الحافلة بإحباط، أغلق عينيه، وفجأة أصبحت حاسة سمعه أفضل بكثير.
لم يعد يسمع فقط صوت المكيّف، بل أيضًا الطنين الخافت للراديو وأصوات أبواق السيارات التي لا تتوقف وسط زحام المدينة، ذلك الضجيج الذي بدا دائمًا وكأنه خلفية ثابتة للحياة.
طخ طخ... ط-طخ.
ارتطم رأسه بالنافذة بإيقاع منتظم، وكأنه دون وعي يحافظ على نبض موسيقي.
تا را را را را.
تعالت عدة أبواق سيارات بصوت مرتفع.
سكرررررر!
بييييييب!
صوت الفرامل وهي تُضغط بقوة، واحتكاك الإطارات بالإسفلت، ثم انطلاق الأبواق بعصبية.
طخ طخ... ط-طخ.
ارتد رأسه عن النافذة مرة أخرى.
تا را را را را.
هذه المرة كانت الأبواق مختلفة قليلًا، إذ كان السائقون يضغطونها بتأخير بسيط عن بعضهم، مكوّنين لحنًا مختلفًا.
طخ.
طخ.
طخ.
طخ.
في كل مرة كان يضرب رأسه، كانت الأبواق تبدو وكأنها تؤلف أغنية صغيرة، وآري أخذ يطرق بإصبعه على النافذة دون انتباه مواكبًا اللحن البسيط.
تا را↑ را↓ را↓ را↑.
تا را↑ را↓ را↓ را↑.
تا را↑ را↓ را↑ را↑.
بدا الأمر وكأنه لعبة أصوات صغيرة بين السيارات، وسرعان ما علقت النغمة في رأسه بينما كان ينقر بأصابعه على النافذة.
وعندما فكّر بالأمر، وجد أنها نغمة جذابة وسهلة التذكر.
وفي لحظة إلهام، أخرج آري هاتفه الصغير المدفوع مسبقًا وسجّل أصوات الشارع بينما كان يطرق بإصبعه على النافذة.
ورغم أنه لم يكن يعرف ما الذي سيفعله بها، فإنها بدت جيدة جدًا لأذنيه حتى مع جودة التسجيل السيئة.
وبما أنه لم يفعل شيئًا كهذا من قبل، خمّن أن السبب هو مهارة "المستمع الانتقائي"، التي جعلته يكتشف الأصوات الجميلة في أي شيء.
والآن لم يبقَ عليه سوى قضاء ساعات طويلة في البحث عن كيفية تحويل نغمة بسيطة إلى أغنية كاملة وتنفيذ ذلك خلال الأسبوعين القادمين.
وبينما استمرت حافلة الكنيسة بالتحرك وسط الزحام، غفا آري ببطء، بينما كان صوت الأبواق يتكرر باستمرار في ذهنه.
وعندما عاد إلى الكنيسة، وبعد أن شكر ستيفن تشوي مرة أخرى، ارتدى قناع الحلزون وبدأ بتنظيف الممرات والحمامات بعناية شديدة.
ثم قرأ التفاصيل التي أعطاها له فريق Popstar Academy، ولاحظ أنه يجب عليه الحضور إلى الموقع قبل يوم من الاختبار الفعلي من أجل التدريبات.
كما حصل على معلومات عن مجموعة دردشة تسمح للمتأهلين بالتعارف وتشكيل فرق للجولة القادمة.
وبما أنه سيشارك منفردًا، تجاهل المجموعة، لكنه احتفظ بملف يحتوي لاحقًا على صور وملفات جميع المقبولين.
كان يريد معرفة ما إذا كان سيتمكن من العثور على ذلك الأشقر الوغد الذي تسبب في موته.
بعد ذلك بدأ بتنفيذ مهامه المتكررة: تمارين الضغط، وتمارين البطن، وتمارين الاندفاع، ثم ركض خمسة كيلومترات، قبل أن يستحم ويتجه إلى الحمّام الكوري ليشكر الجدة تشوي ويساعدها كما وعد.
وطوال الوقت، كان يهمهم:
"تارارارارا..."
أغنية أبواق السيارات.
لقد أصبحت كدودة عالقة في رأسه.
---
رنّ!
"لقد وصلت."
دوّى صوت الجدة تشوي الصارم قليلًا وهي تنظر إلى الشاب المرتدي ملابس سوداء بالكامل، مع قبعة بيسبول خضراء باهتة وقناع وجه بسيط.
ومع دخول آري بينما رن الجرس خلفه، انحنت عيناه المتورمتان قليلًا بابتسامة لطيفة وهو يتجه نحو العجوز.
"نعم. أردت فقط أن أشكرك مرة أخرى لأنك وفرتِ لي مكانًا للإقامة. وإذا لم تمانعي، أود أن أسألك سؤالًا."
حدقت الجدة تشوي به للحظة، ثم مسحت يديها بمئزرها الأصفر وهي تتنهد باستسلام.
"اسأل."
"هل تعرفين الجدة كيم؟ لا، هذا سؤال غبي، بالطبع تعرفينها. هل هي من طلبت منكِ مساعدتي؟"
"ماذا؟ هل تظن أن كل الجدات الكوريات يعرفن بعضهن؟"
"أنا لم أقل إنها كورية."
ورغم أنها لم تستطع رؤية تعبيره بسبب القناع والقبعة، إلا أن آري كان يبتسم بمكر.
كان هذا شيئًا يفكر فيه منذ فترة.
عائلة تشوي كانت لطيفة معه أكثر من اللازم.
والسبب الوحيد الذي قد يدفعهم لمعاملة غريب بهذه الطريقة، وإدخاله إلى مكان عملهم، وإطعامه، ومنحه مكانًا للنوم، هو أن شخصًا ما قد زكّاه لهم.
والشخص الوحيد الذي يمكن أن يفعل ذلك هو...
الجدة كيم.
لقد خمّن الأمر بالفعل، كل ما أراده هو التأكيد.
"تسك. أيها المشاغب الوقح. ذكي أكثر مما ينبغي."
قالت الجدة تشوي وهي تمد يدها وتنقر جبهته برفق.
"شكرًا! هل يمكنني أن أسأل لماذا؟"
"أنا والجدة كيم كنا صديقتين منذ زمن طويل قبل أن نفقد الاتصال ثم نلتقي مجددًا. ومنذ فترة وهي تشتكي من فتى ذكي وموهوب يعيش في الشوارع. أرادت مساعدته، لكنه متكبر مثل القط البري ولا يقبل الصدقات. وفي كل مرة ترسله فيها إلى مكان أو تحاول مساعدته، يهرب مثل قط شارد. يبدو الأمر مألوفًا؟"
"ربما؟"
رفع آري نظره إلى السقف متجنبًا النظر إلى وجه الجدة تشوي.
"تقول إنها لا تريد له أن يفسد حياته ويندم لاحقًا لأنه رفض المساعدة، كما فعلت هي، لذلك عندما وجدت الفرصة أرسلتك إليّ. أنا معتادة على التعامل مع شخصيات فخورة مثلك، تتظاهر بالقوة لكنها في الحقيقة رقيقة وحساسة من الداخل."
نظرت إليه الجدة تشوي قبل أن تكمل:
"أنا لا أفعل شيئًا دون فائدة لي، لذلك لا تقلق بشأن كونك عبئًا أو ما شابه. ركّز على التعافي، والابتعاد عن المشاكل، وساعد هنا وهناك عندما تستطيع، مع استمرارك بالدراسة. وإذا أردت الرحيل فقط أخبرني."
"هممم... لا أحب تلقي الصدقات."
"بالنسبة لي، هذه ليست صدقة. تمامًا كما أفعل مع غريس، أنا أستغل عظامك الشابة حتى ترتاح عظامي العجوز. تعال مساءً وساعد عندما تستطيع. إذا لم تعمل، فلن تأكل، ولن تحصل على أجر. اتفقنا؟"
تردد آري، وفجأة ظهرت الملعقة الخشبية السحرية الخاصة بالجدة تشوي وبدأت تنقر بها على آلة المحاسبة مهددة:
"إذا قلت لا، فسأزعجك يوميًا، وسأجعل كيم تطاردك وتزعجك أيضًا. ثم سأرسل ستيفن ليبحث عنك ويطاردك. هل تعلم كم ظل يمدح طريقة تنظيفك لكنيسته؟ عليك البقاء. مفهوم؟"
"...مفهوم."
"جيد. ستيفن أخبرني أنك سجلت في برنامج موسيقي؟ واجتزت الجولة الأولى."
رمش آري بسبب التغيير المفاجئ في الموضوع، ثم جلس على المقعد براحة وأجاب:
"نعم."
"هل ستفوز؟"
"هذا هو الهدف. هناك مال على المحك."
"ما اسمه؟ هل يُعرض على التلفاز؟"
أكاديمية نجم البوب: المشروع 777 ، ونعم، بعد أسبوعين."
"حسنًا، سأطلب من غريس التفاصيل. هل ستذهب إلى المدرسة غدًا؟"
"لا."
عند إجابته عقدت الجدة تشوي حاجبيها.
"لماذا؟"
"لديّ شيء أفعله."
وبشكل أدق، كان يخطط للذهاب إلى مكتبة الموسيقى في UCLA للحصول على كتب عن صناعة الموسيقى، واستعارة معدات تسجيل، وطلب مساعدة عملية إن وجدها.
*UCLA اختصار لجامعة كاليفورنيا
ولكي ينجح في تأليف أغنية، كان من الأفضل أن يكرّس الأسبوعين القادمين لهذا بدلًا من حضور الدروس.
لم يكن قلقًا بشأن درجاته، خاصة أنه حصل بالفعل على عدد الساعات المطلوبة للتخرج وتلقى قبولًا في كلية مجتمعية.
كان بإمكانه ببساطة الادعاء بأنه مريض بمرض معدٍ. ماذا سيفعلون؟ يتصلون بوالديه؟
كل ما عليه فعله هو إلغاء عمله في التدريس الخصوصي، وسيكون كل شيء بخير على الأرجح.
لكن للأسف، الجدة تشوي عارضت أفكاره.
"لا تتغيب عن المدرسة."
"حسنًا."
وافق آري بسهولة، رغم أنه كان ينوي فعل العكس تمامًا.
فلسفته في الحياة، التي اكتسبها بعد عامين تقريبًا من التشرد، كانت: اطلب المغفرة لاحقًا، لا الإذن مسبقًا.
وكأنها قرأت أفكاره، كتبت الجدة تشوي شيئًا في هاتفها ثم ابتسمت.
"أتذكر بطاقة مدرستك. مدرسة غريس قريبة من مدرستك أيضًا. يمكن لستيفن أن يوصلكما معًا. لا تغيب عن المدرسة. التعليم مهم."
حدق آري بها للحظة قبل أن يجيب بأدب.
كان ممتنًا لمساعدتها، لكنه احتاج لفعل ما يجب عليه فعله.
"لا أحتاج إلى التوصيلة، لكن إن أصررتِ فلا مانع. سأستقل الحافلة من هناك إلى المكان الذي أحتاج الذهاب إليه. هذه المنافسة مهمة بالنسبة لي، وعليّ الاستعداد لها جيدًا."
ضيّقت الجدة تشوي عينيها وبدأت بالمساومة.
"يمكنك التحضير والحفاظ على تعليمك في الوقت نفسه. أنصاف أيام في المدرسة، وسأوفر لك الإفطار."
"يوم كامل في المدرسة مقابل الإفطار."
"نصفا يوم أسبوعيًا. الإفطار والغداء والعشاء مجانًا كل يوم. وإلا فستدفع ثمن عشاءك ابتداءً من الآن. خذها أو اتركها."
اقتربت الجدة تشوي من باب المطعم وبدأت تفتحه وتغلقه، ناشرة رائحة اللحم والأطباق الشهية في وجهه.
في البداية بدا آري مذهولًا قليلًا من تصرفاتها، ثم انفجر ضاحكًا.
"أنتِ مفاوضة شرسة يا جدتي. موافق."
صافح آري يدها الممدودة بجدية، ثم تساءل عما الذي أصابه قبل قليل.
لماذا كان يساومها أصلًا بشأن ذهابه إلى المدرسة؟ كان يمكنه ببساطة ألا يذهب دون نقاش.
هل حقًا تم رشوه بالطعام المجاني؟
"يا رجل! البطة الجميلة جاءت للعشاء! ضعوا أضلاع اللحم على الشواية."
أراد أن يقول شيئًا، لكن عندما شم الرائحة الشهية للطعام بينما كانت الجدة تشوي تدخله إلى المطعم، ابتلع كلماته مع ريقه.
ربما لن يكون الأمر سيئًا إلى هذا الحد إن أظهر وجهه في المدرسة، أليس كذلك؟
مرتين أسبوعيًا فقط، لنصف يوم... ثم يغادر.