الفصل الأول: المقدمة
رنّ... رنّ...
كانت أصوات ازدحام المرور المستمرة في مدينة لوس انجليس تُسمع بوضوح بينما كان آري ماتيس يسرع على الرصيف، متجاوزًا الأجساد المنهكة والأقدام الممددة لأولئك الذين كانوا يستعدون للنوم في حيّ المشردين.
كانت سماء كاليفورنيا الجميلة مغمورة بألوانٍ متعددة مع غروب الشمس، وكان آري مرهقًا تمامًا بعد أن استيقظ مبكرًا لإنهاء واجباته المدرسية، ثم قضى يومًا طويلًا في المدرسة، تلاه درس خصوصي مدفوع الأجر في المكتبة، ثم نوبة عمل في أحد المطاعم.
عادةً، كان يتبع ذلك بنوبة أخرى في مطعم للوجبات السريعة، لكن المدير طرده مؤخرًا بسبب تأخره مرات كثيرة، رغم أن السبب الحقيقي كان سرقة دراجته وتأخر الحافلة التي تقله إلى العمل.
وبصراحة، كانت حياة آري مليئة بالمصاعب.
نشأ في دور الرعاية، متنقلًا بين العائلات، إلى أن تبنّاه زوجان فرنسيان مسنان عندما كان في الثالثة من عمره.
عاش حياة سعيدة نسبيًا لمدة اثني عشر عامًا، إلى أن توفي والداه بالتبني في حادث سيارة مأساوي تسبب به سائق مخمور، ليُعاد مجددًا إلى دور الرعاية وينتهي به الأمر لدى عائلة سيئة لديها عشرة أطفال.
وعندما بلغ السادسة عشرة، طردته تلك العائلة دون أي شيء سوى الملابس التي يرتديها، بعدما استهلكوا أموال التأمين الخاصة بوفاة والديه دون علمه، لأنه رفض السماح لهم باستخدام إعاناته الحكومية لأطفالهم بدلًا منه.
ومنذ ذلك الحين بدأ عذابه الحقيقي.
لم يستطع العثور على مكان للعيش لأنه لم يكن قادرًا قانونيًا على توقيع عقد سكن، كما لم يكن يستطيع البقاء في ملاجئ المشردين لأنه ما يزال قاصرًا.
وأي غرفة حاول استئجارها بطرق غير قانونية لم تنجح، لأن الجميع حاولوا استغلاله بسبب صغر سنه، لذا لم يكن أمامه خيار سوى ادخار أمواله أثناء العيش في حيّ المشردين، أكبر تجمع للمشردين في المدينة.
ورغم أنه حاول تقديم شكوى لأن العائلة كذبت وأطالت الإجراءات في المحكمة، إلا أن المحقق أخبره أنه بحلول موعد النظر في القضية سيكون قد أصبح بالغًا قانونيًا، وبالتالي سيتم إسقاط القضية.
لكن بطريقةٍ ما... نجا.
كان يستحم في صالة الرياضة التابعة لمدرسته الثانوية، ويشتري ملابسه المستعملة، ويعمل في عدة وظائف قانونية وغير قانونية بدوام جزئي، تراوحت بين العزف الموسيقي في الحفلات، والعمل كنادل، وخادم تنظيف، ومدرب رياضي، وصانع قهوة، وغيرها، وكل ذلك فقط ليؤمن معيشته ويدخر المال.
ورغم أنه بالكاد امتلك أصدقاء ولم يكن لديه أي وقت فراغ، إلا أنه بطريقة ما تمكن من الاستمرار.
والآن، بعد أن بقي شهران فقط ليصبح بالغًا قانونيًا، بدأ يشعر ببعض الأمل تجاه المستقبل.
لقد ادخر مبلغًا جيدًا من المال من مختلف أعماله، لذا بمجرد بلوغه الثامنة عشرة سيستأجر مكانًا رخيصًا ويبدأ العمل بدوام كامل مع مواصلة الدراسة.
وكان قد تلقى مؤخرًا رسالة قبوله في الكلية المجتمعية، وكان أخيرًا سيحتفل بذلك مع صديقتيه الوحيدتين: امرأتين مسنتين اعتبرتا نفسيهما جدتيه خلال فترة عيشه في حيّ المشردين.
"آخ... ظهري يقتلني. الأفضل للجدة ليزا أن تقدر كمية البطاطا بالجبن اللي جبتها إلها."
تنهد آري بتذمر يشبه كبار السن رغم أنه لم يتجاوز السابعة عشرة، ثم تابع سيره عبر الأزقة المعتمة متجهًا نحو المكان الذي اعتاد النوم فيه خلال الأشهر الماضية.
كانت خيمته في موقع جيد نسبيًا، وقد أصبح صديقًا لعجوزين احتضنتاه عندما كان يبحث عن مكان يبيت فيه بعد طرده.
كان يجلب لهما الطعام أحيانًا من عمله كنادل، وهما بدورهما كانتا تؤنسان وحدته وتحميان خيمته وأغراضه من السرقة عندما تكونان موجودتين.
وقبل عدة أشهر، تم قبول المرأتين في دار رعاية وانتقلتا للعيش هناك، لذا أصبح يراهما نادرًا.
ورغم أنه خسر من يراقب خيمته، إلا أنه كان سعيدًا لخروجهما من الشارع وحصولهما على معاملة أفضل.
حتى عندما حاولتا إقناعه بالتسلل للعيش معهما في دار الرعاية، رفض ذلك بسبب كبريائه، فلم يرد يومًا أن يكون عبئًا على من يهتم لأمرهم.
وفي هذه الليلة، كانا سيقيمان احتفالًا صغيرًا بمناسبة قبوله في الكلية، وقد أحضر لهما أطباقهما المفضلة من المطعم.
ومجرد التفكير برؤيتهما مجددًا جعل خطواته أسرع، فاختار طريقًا مختصرًا لا يسلكه عادة.
ورغم اعتياده على المنطقة، لم يكن يريد ترك امرأتين مسنتين تنتظرانه طويلًا في الظلام.
لكن ما إن استدار عند الزاوية حتى سمع صراخًا أمامه، وكأن عدة أشخاص يتشاجرون.
وبما أن ذلك كان أمرًا معتادًا، لم يهتم كثيرًا وأكمل طريقه مطأطئ الرأس.
إذا لم يرَ شيئًا ولم يتحدث، فلن يتعرض للمشاكل.
لكن كلما اقترب، ازداد الصراخ ارتفاعًا.
"لماذا لا تسمحون لي بالاحتفاظ بهذا الشيء الوحيد؟ لقد أخذتم مني كل شيء أصلًا!" دوّى صوت رجل يصرخ بيأس.
"وماذا في ذلك؟ فقط سلّم الشيء بهدوء أيها العجوز اللعين!" جاءه صوت مخيف ردًا عليه.
رفع آري نظره دون وعي، فرأى ستة رجال بملابس عادية يحيطون برجل يبدو في الخمسين أو الستين من عمره ويعتدون عليه بالضرب.
كان الرجل الأصلع يرتدي بدلة ممزقة، ويستخدم حقيبته الجلدية لصد اللكمات والركلات المتساقطة عليه.
كان وجهه متورمًا ومغطى بالدماء، بينما بدت إحدى قدميه مصابة وهو يحاول حماية نفسه.
"مدير تنفيذي في شركة ترفيه... أو ربما شركة تقنية. أسلوبه غير مرتب ليكون من القطاع المالي."
رغم أن ملابس الرجل بدت عادية، تعرف آري فورًا على ساعته الفاخرة وحذائه الجلدي الغالي.
ثم انتقلت عيناه سريعًا إلى الرجال الستة.
"شعور عسكري... أجساد رياضية... نظرات حادة... وهناك أسلحة مخفية تحت ملابسهم.
عسكريون سابقون؟ شرطة مدربة؟ أم شركة حماية خاصة؟
خطر... خطر."
طريقة وقفتهم وبنيتهم وحتى شكل الأسلحة تحت ملابسهم أوضحت أن الأمر ليس مجرد سرقة عشوائية، خاصة أنهم لم يحاولوا قتله رغم تفوقهم العددي.
كان هذا النوع من تحليل الأشخاص شيئًا تعلمه منذ فقد والديه وعيشه في الشوارع.
فهم الناس جيدًا ساعده دائمًا على تجنب المشاكل.
وهذا الموقف بالذات كان مشكلة حقيقية.
خفض رأسه مجددًا وحاول المرور بسرعة، لكن شيئًا اصطدم به وأسقطه فوق كومة قمامة، وكاد يجعله يُسقط أكياس الطعام.
ارتطام—
"أيها الشاب، أرجوك ساعدني!" ركض الرجل العجوز نحو آري وأمسك بكتفيه وهو يبكي بيأس.
وحين رأى آري الرجال ذوي الهيئة العسكرية يتقدمون نحوهما، حاول فورًا دفع العجوز بعيدًا ونهض بسرعة.
"أيها العجوز، لا تدخلني في مشاكلك. فقط أعطهم ما يريدون واتركني!"
لكن الرجل التصق به كأنه علقة، وظل ممسكًا به رغم محاولاته للتخلص منه.
كاد قميص آري الواسع يتمزق من شدة تشبث الرجل به.
"لماذا كان قويًا هكذا؟! ولماذا كانت يداه تتحركان تحت قميصي؟ هل هو منحرف؟!"
واجه آري الكثير من الأشخاص الغريبين في الشوارع، لذا حاول نزع أصابع الرجل عنه، لكن دون فائدة.
ولما أدرك أن الرجل لن يتركه، تنهد ثم صرخ:
"اتركني أيها العجوز! فقط أعطهم ما يريدون!"
"أتطلب مني أن أسمح لهم بالفوز؟ بعد كل ما فعلوه بي؟"
"اسمع، لا أعرف قصتك، لكن كن واقعيًا. هل تملك حتى القوة لتحمي نفسك؟ استسلم الآن كي تبقى حيًا ليوم آخر! والآن اتركني فعلًا!"
وبعد سماع كلمات المراهق الباردة، توقف الرجل العجوز عن المقاومة.
انهمرت الدموع من وجهه، وبدأ يتمتم لنفسه.
"آه... هل ستكون هذه نهايتي؟ على يد ذلك الوغد؟ لا... لا... لا يمكنني تسليمهم ذلك."
ثم وكأنه استسلم أخيرًا، أخرج صندوق مجوهرات صغيرًا من جيبه ورماه نحو الرجال الستة الذين كانوا يشاهدون المشهد وكأنه عرض ممتع.
"خذوه! قلتم إنكم ستتركوني إذا حصلتم عليه، أليس كذلك؟ هذا ما تريدونه، إذًا ارحلوا!"
"سنرى بشأن ذلك."
التقط الرجل الضخم الذي بدا قائدهم الصندوق وفتحه فورًا ليتأكد من وجود الشيء الذي يبحثون عنه.
وبعد لحظة، أغلقه وسلمه بحذر لرجل آخر.
ثم كشف عن أسنانه بابتسامة مرعبة، وأخرج عصًا معدنية من بنطاله ولوّح بها مهددًا.
"حان وقت موتك أيها العجوز."
"ماذا؟! لقد أعطيتكم ما تريدونه، فلماذا لا تتركوني؟!"
"لأنك تجرأت على الهرب وجعلتنا نطاردك. ولأن الموتى لا يفشون الأسرار، وأنت تعرف أكثر مما ينبغي. من يدري أي علاقات ما تزال لديك أو أي مشاكل قد تعيدها لرئيسنا؟ يجب دائمًا الحذر من الجرذ المحاصر."
وفور سماع ذلك، أراد آري الهرب، لكن الرجل الذي كان يتحدث التفت إليه بابتسامة شريرة وكأنه شعر بنيته.
"خذوا الولد أيضًا... كمكافأة."
"من؟ أنا؟" سأل آري وهو يضم كيس الطعام بقوة، بينما فتح بهدوء أحد أوعية البطاطا الساخنة بالجبن.
"هل ترى أي ولد غيرك هنا؟" تظاهر الرجل بالنظر حوله ثم ابتسم له.
"أظن أنك محق. وفي هذه الحالة... تفضلوا."
ومن دون أي تردد، وبابتسامته الساخرة المعتادة، قذف آري الطعام الساخن نحو وجوههم ثم أمسك بذراع الرجل العجوز وبدأ بالركض.
"آآآرغ!"
تعالى صراخ ألم خلفه، لكن آري تجاهله وركض بأقصى سرعة.