الفصل السابع: مهارات مطورة
[1. احشد 100 معجب.
2. تصدر قائمة الوسوم الأكثر تداولاً على إحدى منصات التواصل الاجتماعي.
3. اكسب صديقًا جديدًا.]
تأمل جون قائمة مهامه وعيناه معلقتان بها، بينما كانت قدمه تنقر على الأرض بإيقاع رتيب مضطرب. لم يتبقَّ سوى يومين اثنين على تجارب الأداء، وما زال الحير يلفه، لا يدري أي درب يسلك. كان يتوق لترقية مهاراته في هذه المهلة الوجيزة، بيد أن المهام الثلاث الأولى بدت أكثر مشقة وعنادًا مما خمن.
فليس بمقدوره بأي حال من الأحوال حشد مئة معجب بين عشية وضحاها، كما أن ارتقاء ذرى الوسوم الأكثر تداولاً على منصة "نيفيل" دونما سبب وجيه ضرب من المحال. ولم يكن أمامه والمهم من بد سوى الارتضاء بالمهمة الأخيرة والتشبث بها: اكسب صديقًا جديدًا.
على أن هذه المهمة نفسها لم تكن أقل عسرًا، فـجون لم يكن يوماً من أولئك الذين يألفون الناس أو يأنسون بهم. فماضيه كمجرم لم يورثه سوى الأعداء، فضلاً عن أن قاطني هذا الحي كانوا غريبي أطوار بشكل لا يطاق.
تنفس الصعداء وألقى بجسده فوق الأريكة المتهالكة، وقد أسقط في يده. وإلى جانب هذا الكرب، لم يكن قد شرع بعد في التدرب على أغنية عرضه الخاص، بل إنه، ويا للمصادقة، لم يستقر على أغنية بعينها حتى هذه اللحظة! وكان على يقين بأن بقية المتنافسين، لا سيما أولئك الذين تدعمهم وكالات ترفيهية ضخمة، يعكفون الآن على صقل عروضهم لتخرج في أبهى حلة.
لقد كان الأمر جليًا منذ بث الموسم الأول من برنامج "النجوم الصاعدة"؛ إذ لم يكن للمتدربين المستقلين القلائل سوى عروض متواضعة على خشبة المسرح، فحظوا بمساحة بث ضئيلة لا تكاد تُذكر. وفي المقابل، كان متدربو الشركات الكبرى يرفلون في أزياء فاخرة ويؤدون أغنيات أُنتِجت باحترافية عالية، مما شرع لهم أبواب قلوب الجماهير منذ الوهلة الأولى.
تمتم جون قائلاً: "فلنحسم هذا الأمر". وفتح هاتفه يقلب في الأغنيات الحديثة لعله يجد ضالته.
"متاهة الزمن" لفرقة كرونو. طبقتها بالغة الارتفاع.
"العناق الفردوسي" لفرقة إيثيريال. منخفضة أكثر من اللازم.
"الفالس السماوي" لفرقة أسترال. إيقاعها مفرط في البطء.
"أوهام الشفق" لفرقة لونا. صاخبة وتتطلب الكثير من الرقص، وهو لا يجيد الرقص بتاتًا.
أطلق زفرة ضيق وتوسد ظهر أريكته القديمة. لِمَ أضحت أغاني الآيدولز بهذه التعقيد والغرابة هذه الأيام؟ يبدو أن الجميع باتوا يجنحون نحو مفاهيم شاذة جراء تشبع السوق واحتدام المنافسة.
استقر رأيه على نسيان الأمر والنوم، مرجئًا هذا القرار المصيري إلى اللحظات الأخيرة، غير أن هدوءه تبدد بغتة إثر رنين جرس الباب. تملكه السخط ونهض عن الأريكة، وعزمه معقود على تقريع هذا الطارق الذي تجرأ على إقضاض مضجعه.
"ما الذي دهاكـ—"
"اعتنِ بحفيدي، لدي شأن طارئ أقضيه"، هكذا نبست العجوز القاطنة في الطابق السفلي وهي تدفع بالصغير إلى داخل الشقة دون تمهيد، وأردفت: "سأعود في المساء".
وفي لمح البصر، توارت عن ناظريه مخرجة صهوتها.
حاول مناداتها قائلاً: "يا خالة! ليس بمقدوري رعاية هذا الصغير مجانًا!"
لكنها كانت قد اختفت تمامًا. وعجب جون في نفسه كيف لامرأة واهنة المفاصل أن تتحرك بمثل هذه الخفة والسرعة.
ولم يجد بدًا من إغلاق الباب وقبول هذا الأمر الواقع. تفرس في عيني الصغير الضيقتين وعقد حاجبيه؛ إنه الفتى عينه الذي سكب القهوة الساخنة على وجهه سلفًا! ولم يبرأ وجهه من أثرها حتى الآن، لأن جرعة الشفاء اللعينة الخاصة بـفو لم تُشحن بعد.
قال الصغير بنبرة جافة: "أنت دميم". مما أذكى جذوة البغضاء في نفس جون تجاهه.
"انظر إلى نفسك أولاً أيها الصغير، وانتظر حتى تكبر".
أدار الصغير عينيه بملل واستقر فوق الأريكة متمتمًا: "أعطني هاتفك، أريد مشاهدة شيء ما".
رفع جون حاجبيه دهشة؛ فهذا الصغير يملك جرأة لا يستهان بها.
"ما اسمك أيها الفتى؟"
أجابه باقتضاب: "مينجون. والآن، ناولني الهاتف".
هز جون رأسه رفضًا ونبس: "مستحيل يا مينجون. اجلس هناك هادئًا حتى تعود جدتك".
اشتد فك مينجون ضيقًا، ولم يلبث أن انفجر في بكاء عاوٍ. سارع جون يسد أذنيه بكفيه، بيد أن محاولته ذهبت أدراج الرياح؛ إذ رجعت أصداء ذلك العويل النحيب في أرجاء الغرفة الضيقة.
"كف عن البكاء أيها الصغير! ما الذي تبتغيه بحق الجحيم؟"
أشار مينجون بـإصبعه نحو الهاتف وقال: "بمقدوري البكاء لساعات إن أردت".
وهَمَّ مينجون بفتح فمه ليعاود الصراخ، لكن صبر جون كان قد استنفد تمامًا؛ فقذف إليه بالهاتف مستسلمًا.
ونبس باحتقار: "طفل مزعج".
تمتم مينجون بـاشمئزاز: "يا للقرف! ما هذا؟ هاتفك عتيق بالي، حتى جدتي تملك هاتفًا أحدث من هذا".
أدار جون عينيه بضجر وتمتم: "لا يهم، الزم الصمت فحسب".
راقب جون مينجون وهو يفتح الهاتف ويلج إلى إحدى منصات بث المقاطع المرئية. أخذ الصغير يتصفح قنوات البث حتى استقر عند فتاة يافعة تغني أغنيات تتمحور حول.. الديناصورات؟
استفهم جون: "أهذا ما يروق للصغار هذه الأيام؟"
أومأ مينجون برأسه إيجابًا، وارتسمت على ثغره بسمة رقيقة باح بها: "كل رفاقي في المدرسة يعشقون مشاهدة هذه الفتاة. إن أردت أن تكون مواكبًا للعصر، فعليك أن تعرف مَن هي القطة الصغيرة مياو مياو!" وكانت هذه المرة الأولى التي يبتسم فيها لـجون.
وبعيدًا عن كونه أشبه بشيطان صغير، فقد بدا مينجون وادعًا ولطيفًا للغاية حينما ابتسم.
كانت الفتاة اليافعة ترتدي زيًا أصفر فاقعًا، وتشدو بلحن عذب بسيط؛ كلماته تحاكي عقول الأطفال، ورقصاته يسهل محاكاتها، ولعله السبب الكامن وراء هذه الشهرة العريضة. تطلع جون إلى عدد المشاهدين، فجحدت عيناه حينما أبصر رقمًا مهولاً يناهز المليونين.
أطلق جون سبة خافتة من أثر الصدمة.
رمقه مينجون بنظرة حادة ونبس متوعدًا: "سأخبر جدتي بما قلت".
نقر جون بلسانه وضيق عينيه متمتمًا: "ناولني هذا"، وسحب الهاتف من يد الصغير وأخذ يمعن النظر في الفتاة.
أطلق جون همهمة دافئة، وقد لمعت في مخيلته بغتة فكرة عبقرية.
ابتسم مينجون بخبث حينما رأى جون مستغرقًا في المشاهدة، ونبس: "إنها بارعة، أليس كذلك؟ بمقدوري إطلاعك على أشهر أغانيها، فأنا أحفظها عن ظهر قلب، وأجيد أداء رقصاتها كلها أيضًا".
شاح جون بنظره عن الهاتف وركّز بصره على مينجون قائلاً: "حسنًا، علمني إياها".
أومأ الصغير موافقًا واسترد الهاتف مجددًا وأردف: "هذه أغنيتي المفضلة؛ هيب هوب الحروف".
وتجاذب الاثنان أطراف الحديث حول تلك القناة الشهيرة، وداخل جون شعور بأن هذا الصغير ليس بالسوء الذي ظنه أول الأمر. ومرت اللحظات خاطفة كـبرق خاطف، ولم يستوعبا انقضاء الوقت حتى كانت جدة مينجون تطرق الباب لتأخذه.
قالت الجدة: "مين! هيا بنا إلى المنزل". نهض مينجون على مضض وخطا نحو جدته، ولم يكن يبتغي إظهار ضيقه من الفراق لـجون، فأخرج لسانه مداعبًا قبل أن ينغلق الباب بعنف.
سخر جون في نفسه وهز رأسه بقلة حيلة.
هذا الصغير حقًا..
[تهانينا! لقد أنجزت المهمة: اكسب صديقًا جديدًا. يُرجى اختيار الجانب الذي تود تحسينه.]