الفصل الثامن: مائة فتى

أقبل اليوم الموعود؛ اليوم الذي سيشهد تصوير الحلقة الأولى من برنامج "النجوم الصاعدة" بمشاركة مائة فتى. كانت الحافلات الصغيرة السوداء ذات النوافذ المعتمة تتهادى الواحدة تلو الأخرى في الممر المؤدي إلى البهو الفسيح، لتضع رحالها وتنزِل أولئك المتدربين الثمينين. ورغم أن الوكالات الصغيرة لم تملك سوى مركبات متواضعة، إلا أن متدربيها حظوا على الأقل بمرافقة المديرين والمدربين.

أما جون، فلم يكن أمامه من خيار سوى استقلال الحافلة العامة؛ إذ كان مفلسًا لا يملك سعة من المال لدفع أجرة سيارة أجرى. كان يرتدي بالفعل زي العرض الخاص به؛ قميص أسود بسيط، وسترة جلدية، وبنطال جينز ممزق، وحذاء مطاطي. وغدا هذا الطاقم الأسود القاتم بمثابة لوحة قماشية فارغة برز وسطها قناع القطة الوردي الفاقع.

أخذ الناس يتهامسون وهم يرمقونه بنظراتهم.

أتراه هاويًا للأزياء التنكرية؟ أم عازف رصيف؟ أم لعله جزء من عرض مخصص للأطفال؟

تطلع الصغار إليه بفضول ودهشة، بل إن طفلة صغيرة دنت منه وجذبت طرف كمه.

"ماذا تبغين؟" سأله بنبرته الجافة.

التمعت عينا الصبية الصغيرة حينما نطقت القطة الوردية، وتشبثت بفخذيه مستسلمة، دون أن يبدو عليها أي نية لـتركه. وأبصر جون الهواتف المحمولة تُستل من الجيوب وتُوجه نحو هذا المشهد، فتنفس الصعداء وترك الطفلة على حالها، موقنًا أنها ستمل ويفتر عزمها في نهاية المطاف.

وفي هذه الأثناء، شرع المتدربون في الخُطى نحو داخل البهو. ولقد خُصصت لكل منهم غرف انتظار مستقلة، مما يعكس ثراء شبكة "أزور" ونفوذها العريض. ساد الغرف مزيج من الحماسة والتوتر الراجف، وأخذ المتدربون يتدربون على حركاتهم ترقبًا لحلول دورهم.

ولم يكن بالإمكان حجب المحاباة والتمييز حتى في هذا المكان؛ إذ حظيت الشركات الكبرى بغرف بالغة الاتساع، في حين كاد متدربو الشركات الصغيرة المغمورة لا يجدون متسعًا للحركة أو التدريب.

أما المتدربون المستقلون، والذين لم يتجاوز عددهم أربعة فتيان، فقد قُذف بهم في غرفة ضيقة تشبه الممر. وكان الثلاثة الآخرون يعتزمون أداء أغنية جماعية، فـراخوا يتدربون في تلك المساحة الضيقة. ودلف جون إلى الغرفة، مما جعل الثلاثة يتوقفون بغتة عن الحركة.

ركزوا أبصارهم على الفتى القابع خلف قناع القطة الوردي. وتملكتهم الدهشة، متسائلين في أنفسهم عما إذا كانت شبكة "أزور" تمارس معهم دعابة سمجة.

استفهم جيونغ، وهو فتى قصير القامة ذو حاجبين كثيفين، بنبرة مرتبكة: "عذرًا، مرحبًا؟" كان وسيم الملامح، بيد أنه يفتقر إلى تلك الهالة الخاصة بالآيدولز.

أومأ جون برأسه إيذانًا بالتحية، واستقر فوق أحد المقاعد.

وظل التوجس والارتباك يخيم على المتدربين الثلاثة في حضرته.

سأله شين، وهو شاب شاحب نحيل ذو عينين ضيقتين: "أأنت جون؟ المتدرب المستقل الآخر؟"

أومأ جون برأسه مجددًا، وآثر الصمت.

نقر هون بلسانه ضيقًا؛ فلم يرق له أسلوب هذا الأخ منذ البداية. ونبس جافًا: "حسنًا، نحن سنشرع في التدريب، فلا تزعجنا".

ثم التفت إلى رفيقيه متمتمًا: "فتى غريب الأطوار". فأومأ الاثنان برأسيهما موافقة.

وفي المقابل، أغمض جون عينيه واستسلم للنوم. فقد قضى ليلته ساهرًا يتدرب، إذ لم يستقر على أغنيته إلا بعد أن غادر مينجون شقته.

ولم يفتح عينيه إلا على أثر جلبة سادت أرجاء الغرفة؛ إذ عُرضت شاشة التلفاز الصغيرة المثبتة، وبدأت الدفعة الأولى من المتدربين في الولوج.

وانجاب الستار عن مشهد يخطف الألباب أمام أعين الفتيان؛ إذ بدا مسرح مسابقة "النجوم الصاعدة" لوحة باهرة من التطور والحداثة، ومزيجًا ساحرًا بين التقنيات المتطورة والبراعة الفنية الحرفية.

امتد المسرح الفسيح ليطغى على القاعة بأكملها، وازدان بشاشات "إل إي دي" شاهقة تشكل خلفية بصرية ساحرة متغيرة الألوان والرسوم، مما يغمر المتنافسين في عالم من الاحتمالات اللامتناهية.

وقد وُضعت مدرجات متعددة بعناية فائقة، لتخلق مستويات ديناميكية تتيح للفتيان استعراض مواهبهم. وتوسط المسرح ثريا بلورية ضخمة تدلت من السقف، تسبغ على المكان ألقًا ناعمًا أثيريًا. ورُتب مائة مقعد فوق منصات متفاوتة الارتفاع، بينما تربع المقاعد العشرة الأولى في المنتصف، حيث تسلطت عليها الأضواء بقوة أكبر. وكان جون على يقين بأن المتدربين سيتنافسون باستماتة لبلوغ المنتصف، طمعًا في مساحة بث أكبر تحت مجهر الكاميرات.

ولج ثلاثة متدربين يرتدون أزياء مدرسية حيوية. وراقبوا الأضواء وهي تتوهج الواحدة تلو الأخرى، ففغرت أفواههم وبدت ردود أفعالهم مبالغًا فيها بعض الشيء.

هتف فتى يحمل شارة اسم "زاكاري" بنبرة صاخبة: "واااه! هذا جنون محض!" بدا أنه من أصول مختلطة، وكان شعره الأشقر يبدو طبيعيًا.

وتمتم فتى خجول الملامح يُدعى بين بصوت خافت: "لا أصدق أننا أول من يشاهد هذا".

وتعرف جون على المتدرب الأخير؛ إنه الفتى اليافع عينه الذي نعته بالـ "وسيم" خلال المقابلات الأولية.

سارع الثلاثة على الفور نحو المقاعد العشرة الأولى، واستقروا فوق المقاعد ذات الأرقام خمسة وستة وسبعة على التوالي. وعلم جون أن حدسه كان في محله؛ إذ ستُشغل تلك المقاعد الوثيرة حتمًا قبل أن يحين دورهم. وكان يطمح بدوره في الجلوس فوق أحدها، ليس رغبة في لفت الأنظار سريعًا، بل لأنها بدت أكثر دعة وراحة؛ فقد كانت مبطنة، على النقيض من المقاعد البلاستيكية الصلبة الممتدة من الرقم أحد عشر إلى المائة.

وعادة ما يُرجأ عرض المتدربين المستقلين حتى الرمق الأخير، قبل الكشف عن الشركات الكبرى والمتدربين الأكثر وسامة.

وأخذ المتدربون يتوافدون فرادى وجماعات، وبدأ النعاس يداعب جفون جون وسط هذه المعمعة.

انفتح الباب المزدوج على مصراعيه، وخطا المتنافس التالي، ديهو، إلى داخل القاعة. وعلى النقيض من بقية المتدربين، كان هذا الفتى ينضح بثقة مفرطة، واستأثرت ملامحه الحادة وابتسامته الساحرة بالأنظار. كان يمشي بخطى واثقة مدروسة، مدركًا حجم الاهتمام الذي يحصده، ولا ريب أنه سيكون أحد المفضلين لدى الجماهير.

خطا نحو المقعد الأول دون أدنى تردد، وجلس عليه بثقة بالغة.

رمقه المتدربون القابعون في القاعة بنظرات تراوحت بين الإعجاب والحسد، وتمنوا لو نالوا شرف الجلوس فوق مقعد الصدارة.

ودلفت الموظفة المسؤولة قائلة: "المتدربون المستقلون، حان دوركم". وتسمرت في مكانها برهة وهي تبصر تلك القطة الوردية المألوفة، ولم تصدق أن يينا وييجين قد قبلتا متدربًا كهذا حقًا.

تقدم المتدربون الثلاثة الآخرون نحو الأمام، وتملكتهم الحماسة، رغبة في بث الرعب في نفوس البقية فور دخولهم. وفي المقابل، لزم جون المؤخرة، يترقب الولوج إلى القاعة.

وكان لقناعه ميزة واحدة على الأقل؛ إذ أعفاه من عناء التحكم في تعابير وجهه ما دام محجوبًا.

وتوهجت عبارة "المتدربون المستقلون" على شاشة الرصد الضخمة، فأطلق بقية المتدربين صيحات الإعجاب والدهشة.

"وااه، كم هم رائعون.. إخوتنا المستقلون".

"المتدربون المستقلون لا ينتمون إلى شركات، وقد كابدوا الأمرين لبلوغ هذه المرحلة".

"أوه، وسيمون للغاية، أليس كذلك؟ لكني أكثر وسامة".

وضجت القاعة بعبارات الثناء والتعليقات المتفاوتة. كان جون يعلم أن المتدربين المستقلين يحظون بشعبية طيبة بين المتنافسين، بيد أن نيل اهتمام عامة الناس يظل العقبة الأكثر كأداء.

وعقب الفتيان الثلاثة، دلف جون عبر الباب المزدوج وأجال بصره في الحشود. شاح بذهنه عن تعليقاتهم، وأخذ يبحث عن مقعد قريب يستقر فيه.

لكن صوتًا ارتفع مستفهمًا: "ما هذا بحق السماء؟ لِمَ يرتدي أحد المتدربين قناع قطة وردي؟"

2026/06/10 · 7 مشاهدة · 1021 كلمة
تالا🎀
نادي الروايات - 2026