1 - مات لكنه لم يمت بالكامل

الفصل الأول: مات لكنه لم يمت بالكامل

ظلام، ظلام لا نهاية له.

إحساس خافت بانعدام الوزن وإحساس الشد الذي يعيده الجسد، جعلا شين مينغ يشعر بإحساس مألوف وكأنه مرّ به في مكان ما.

مع استعادة الوعي تدريجيًا من الفوضى، بدأ يحاول التفكير، ولم يمضِ وقت طويل حتى أصبحت جميع الحواس واضحة، فاكتشف أنه يسقط باستمرار في الفراغ.

استفاق فجأة، مات مرة أخرى!

أُطلقت رصاصة على رأسه ففجّرته، مات بسرعة وحسم، وانتهى في الحال.

توالت في ذهنه مشاهد الذكريات خلال هذه السنوات الثلاث، مشهدًا بعد مشهد، إطارًا بعد إطار، كلها منقوشة بالحذر والاحتياط.

على الرغم من أنه عاش كل يوم في قلق وخوف، إلا أنه في النهاية هُزم أمام الواقع المرعب، وفقد حياته مرة أخرى.

يا تُرى كم مرة كانت هذه؟ لا يستطيع العد، لقد كان مرهقًا جدًا، ولم يعد يريد المقاومة.

لم يستطع إلا أن يتذكر كل ما مرّ به من قبل، وبدأ شعور هائل بالإرهاق ينتشر في جسده من الداخل إلى الخارج، وكل هذا يجب أن يبدأ من 3 سنوات مضت...

***

شين مينغ، ذكر، 26 سنة، موظف صغير مجتهد في شركة تكنولوجيا معلومات في مدينة من الدرجة الثالثة، وكانت خلفيته الحياتية مليئة بالتقلبات.

منذ أن بدأ يتذكر، كانت والدته قد رحلت بالفعل، ووفقًا لما قاله والده، فإن والدته بعد أن أنجبته بوقت قصير فقدت حياتها في حادث سيارة.

أما والده، فبعد حادثة والدته، أصبح أكثر انحلالًا، يجمع بين الدعارة والقمار والمخدرات، وكان أيضًا “شخصية معروفة” في البلدة الصغيرة التي ينحدرون منها.

قبل أن يُكمل شين مينغ المرحلة الابتدائية، لا يُعرف كم مرة ذهب مع جده إلى مركز الشرطة لإحضار والده.

ربما أيضًا بسبب انشغاله بشين مينغ، فعلى الرغم من أن والده استسلم تمامًا لنفسه، إلا أنه لم يتورط بعمق في تلك الأمور، ولم يُدخل نفسه فعليًا إلى السجن أبدًا.

لكن حياة الأسرة ذات العائل الواحد انتهت فجأة بعد دخوله المرحلة الإعدادية.

ربما حتى السامي لم يعد يحتمل رؤية والد شين يعيش كجسد فارغ يسير بلا روح.

في السنة الثانية من الإعدادية، بينما كان شين مينغ في المدرسة يتلقى الدروس، تم إبلاغه بأن والده توفي بعد فشل محاولة إنقاذه.

قال له الشرطي الذي جاء لإبلاغه إن “خالة” من صالون حلاقة أبلغت الشرطة في الصباح، فتم نقل والده إلى مستشفى المدينة لمحاولة إنقاذه، لكن تم اكتشاف الأمر متأخرًا جدًا ولم يعد بالإمكان إنقاذه.

هذه “الخالة” من صالون الحلاقة كان شين مينغ يعرفها أيضًا، فقد رآها عدة مرات من قبل، وكانت تسكن في الزقاق خلف الحي المجاور.

كان يفهم بعض الأمور بشكل تقريبي، ولم يرغب في التعمق فيها، فالتعاطف الوحيد الذي أظهره له والده هو أنه لم يعنفه جسديًا أو يسبه، أما غير ذلك فلا يوجد ما يُذكر.

يُقال إنه والده، لكن في الحقيقة عدد مرات لقائه به كان أقل من عدد مرات لقائه بمدير الانضباط في المدرسة، فقد عاش شين مينغ منذ صغره مع جده، حتى أنهى المرحلة الثانوية، ثم ذهب جده مع عمه الثاني إلى الولايات المتحدة.

بعد أن التحق بجامعة عادية جدًا، لم يكن أمام شين مينغ سوى أن يشتاق إلى جده كل شهر من خلال الحوالة البنكية.

كانت حياته الجامعية عادية بلا ما يُذكر، وبعد التخرج عمل في شركة عادية لمدة 4 سنوات.

حتى جاء يوم، وبعد انتهاء عمله، رأى في الطريق سيارة رياضية فاخرة لم يرَ مثلها إلا على الإنترنت، ثم ارتفع جسده في الهواء، وبعدها شاهد السيارة من مقدمتها إلى مؤخرتها بزاوية 180 درجة وهو في السماء.

في تلك اللحظة، شعر شين مينغ أن هذه الطريقة ليست سيئة أيضًا، فرغم أنه لا يملك أي ذكريات عن والدته، إلا أنه إذا غادر هذا العالم بنفس الطريقة، فربما يمكنه أن يلتقي بها مجددًا في عالم آخر.

ثم سقط في ظلام لا نهاية له.

***

لم يكن شين مينغ قد احتك بالموت من قبل، ولم يكن يعرف إلى أين يذهب وعي الإنسان بعد الموت، وعندما اكتشف أنه يبدو وكأنه يسقط باستمرار، اجتاح وعيه ذلك الخوف الذي لم تتح له فرصة الإحساس به بسبب موته السريع.

رغم أنه لا يعرف ما الذي حدث، إلا أنه كان يشعر بأنه لا يمكنه الاستمرار في السقوط، وكان يعتقد أنه إذا ترك وعيه يستمر في السقوط، فسيتلاشى في النهاية ويختفي، ولن يعود موجودًا في هذا العالم.

كان عليه أن يفعل شيئًا ما، فبدأ يكافح بكل قوته، وكان ذلك الشعور يشبه شخصًا لا يجيد السباحة يحرك يديه بشكل غريزي طلبًا للنجاة، لكنه لم يكن يشعر بجسده، ولم يكن هناك أي رد فعل لقوة أطرافه.

لم يكن هناك سوى الوعي الذي يرفض باستمرار، يرفض السقوط، ويرفض ما يفهمه على أنه “الموت الحقيقي”.

وأخيرًا، بعد مدة لا يعرف كم استمرت، رأى شين مينغ أمامه بصيصًا من الضوء، وكأن الغريق رأى قشة النجاة، فبدأ يحاول الاقتراب من الضوء باستمرار، وكأن ذلك هو السبيل للتخلص من الموت.

كان وعيه يحاول مرة تلو الأخرى الاندفاع نحو ذلك الضوء، لكن دون جدوى، فقد بدا ذلك الضوء وكأنه بعيد المنال، ثابت في مكانه لا يتحرك.

حتى عندما سقط جسده إلى نفس مستوى الضوء، شعر شين مينغ أنه على وشك الاستمرار في السقوط هكذا، وأنه سيفوّت الفرصة الأخيرة، وفجأة 'سووش'، تم امتصاصه بالكامل داخل ذلك الضوء.

***

فتح عينيه فجأة، وتبع ذلك مباشرة صوت تنفس ثقيل “هاه... هاه”، فاكتشف شين مينغ أنه عاد إلى الحياة.

ما وقع عليه نظره كان سماء ليلية لا تحتوي إلا على بضع نجوم متناثرة، والإحساس في مؤخرة رأسه وجسده أخبره أنه مستلقٍ على الأرض الآن، ثم عادت حاسة الشم مباشرة بعد ذلك، فاندفعت إلى أنفه رائحة دم كثيفة لدرجة تثير الغثيان.

'؟'

لقد أنهى عمله عند الساعة الخامسة فقط، لكن هذا الجو يبدو وكأنه منتصف الليل تقريبًا، هل بقي ملقى حتى هذا الوقت ولم يأتِ أحد لإنقاذه؟

رغم أن الشركة ليست في مركز المدينة، إلا أن المبنى يضم عشرات الشركات، وحوله ثلاثة مراكز تسوق، والناس يأتون ويذهبون باستمرار، هل أصبح الناس باردين إلى هذا الحد؟ على الأقل كان يمكنهم الاتصال بالإسعاف 120!

م.م: رقم 120 هو رقم الطوارئ الموحد لخدمات الإسعاف والمستعجلات الطبية في جميع أنحاء الصين🧐

في تلك اللحظة شعر شين مينغ أن هذا العالم لا يستحق.

وعندما حاول النهوض ليرى ما حوله، اكتشف أن ذراعيه لا تبدوان قادرتين على بذل القوة، وأن الجزء أسفل صدره يؤلمه بشدة، وكأن الإحساس بالألم في كامل جسده عاد في هذه اللحظة، مما جعله يصرخ.

نظر بطرف عينه إلى محيطه، ويبدو أنه على أرض طينية، ويبدو أنه قد صُدم وطُرح داخل حوض الزهور.

قبل أن يتمكن من مواصلة التفكير، ظهرت من فوق رأسه مباشرةً وجهٌ مغطى بالدماء، شعرٌ خفيف متسخ ومتلبد، حدقات سوداء بالكامل، وملامح تبدو غاضبة ومشوهة.

توقف تنفس شين مينغ، وحدّق بعينين واسعتين في ذلك الوجه القريب جدًا فوقه، ونسِي الألم للحظة.

'تبًا! ما هذا الشيء؟'

فجأة فتح ذلك الوجه فمه، وبدأت شظايا العظام ممزوجة باللحم والدم تتساقط بشكل متقطع على وجه شين مينغ، ولم يمهله الوقت حتى يتقيأ، إذ رأى يدين بعظام مفاصل ضخمة بشكل غير طبيعي ترفعان شيئًا يشبه عصًا خشبية غليظة وتهوي به نحو رأسه.

بووتشي...

عاد العالم إلى الظلام.

هل كان هذا في الواقع حلمًا؟

لم يكن شين مينغ قد استعاد وعيه بعد من المشهد المرعب قبل قليل، فاكتشف أنه عاد مرة أخرى إلى حالة السقوط في الظلام.

بعد أن هدّأ من اضطرابه قليلًا، بدأ يفكر. الخبر الجيد هو أنه على الأرجح لم يمت تمامًا، أما الخبر السيئ فهو أن ذلك لا يختلف كثيرًا عن الموت الكامل.

استمر في التفكير في وضعه الحالي، لكن بالنسبة لشاب يؤمن بالمادية، كان هذا الأمر غريبًا للغاية ولا يمكن فهمه إطلاقًا.

إلى أن اكتشف مرة أخرى ذلك البصيص من الضوء، وبدأ مجددًا بمحاولاته.

كما كان متوقعًا، عاد إلى الحياة، لكنه لم يعد بالكامل، ولم يمضِ وقت طويل حتى عاد مرة أخرى، وهذه المرة كانت أكثر رعبًا.

ما إن فتح عينيه حتى لم يعرف ما الذي كان يلتهمه، وما إن استعاد قليلًا من وعيه حتى شعر أن النصف السفلي من جسده قد اختفى، ولم يتمكن حتى من إلقاء نظرة قبل أن يعود مجددًا.

بعد تكرار ذلك عشرات المرات، فهم شين مينغ أخيرًا وضعه.

يبدو أنه في حالة يمكنه فيها أن يُبعث باستمرار، وتلك اللمعة الضوئية هي ممر البعث، وبالمقارنة مع تسميتها بعثًا، فالأدق أن تُسمى انتقالًا بين العوالم.

لأنه اكتشف أنه في كل مرة يُبعث فيها، يكون مصابًا بجروح خطيرة، بمستوى من الإصابات يكاد يجعل الإنقاذ الطبي مستحيلًا.

لذلك شعر أن صاحب الجسد الأصلي قد مات بالفعل، وهو الذي انتقل إلى هذا الجسد ليُبعث فيه، لكن البيئة في كل مرة يكون فيها خطيرة للغاية، كائنات غريبة لم يسمع بها ولم يرَ مثلها من قبل.

لولا أنه في بعض المرات رأى بشرًا أحياء بالصدفة، لكان يظن أنه انتقل إلى عالم مرعب يتغذى فيه كل شيء على البشر.

بعد أن أدرك أنه قادر على الولادة من جديد باستمرار، بدأ شين مينغ يزداد جرأة تدريجيًا، وأصبح لديه بعض الثقة ليجري محاولات، ليرى إن كان يمكنه البقاء في بيئة مرعبة ما، وفهم المزيد عن وضعه بعد البعث.

وقد كانت هذه المحاولات... لا يُعرف كم مرة تكررت.

وفيما بعد، شعر شين مينغ أنه أصبح مخدرًا تجاه الموت، حتى أنه قبل موته يمكنه أن يرسم تخطيطًا سريعًا لحالته البائسة، وربما ينشر كتابًا بعنوان 《عشرة آلاف طريقة للموت》.

كان يدور باستمرار في حلقة بين الظلام والبعث، ولا يعرف مرور الزمن، ومع تزايد عدد المرات، أصبح شين مينغ متأكدًا أن العالم الذي يُبعث فيه مختلف تمامًا عن الكوكب الأزرق.

لقد رأى بشرًا مختلفين، يتحدثون لغة لا يفهم منها شيئًا على الإطلاق، ومخلوقات متنوعة تشبه البشر، تستخدم أدوات وأسلحة لا يمكن رؤيتها عادة إلا في أفلام الخيال العلمي.

وكذلك، وحوشًا متنوعة بأشكال متعددة، ومن الجدير بالذكر أن هذه الوحوش كانت تزداد تشوهًا واحدة تلو الأخرى، مما كان يجدد باستمرار فهم شين مينغ لهذا العالم.

حتى في إحدى المرات، بعد أن عاد شين مينغ إلى الحياة، لم يكن هناك حوله أي وحوش مرعبة، ولم يكن هناك من يوجه إليه سلاحًا، بل لم يكن هناك شيء سوى بضع جثث أخرى مشابهة. أطلق زفرة طويلة، لقد نجا.

تفقد جسده، فاكتشف أن في صدره جرحًا بحجم فم وعاء كان يلتئم تدريجيًا، وكانت سرعة التئامه المرئية بالعين أكثر رعبًا من مظهر الجرح نفسه.

تفحص جثث الموتى من حوله، واستنتج أن هذه المجموعة من الناس قد تم انتزاع قلوبهم جميعًا.

ترنح شين مينغ وسار نحو الخارج، لم يكن يعرف أين هو، ولا ما هي هوية هذا الجسد، ولا حتى إلى أي اتجاه يسير، لكنه كان يعلم أنه أخيرًا لم يبدأ من جحيم، وعليه أن يبذل قصارى جهده ليعيش.

لاحقًا، أنقذته مجموعة من سكان البرية، وبقي معهم يتنقل في البراري لأكثر من نصف عام.

وبعد أن تعلم تدريجيًا بعضًا من لغتهم البدوية، بدأ يكشف شيئًا فشيئًا الغموض الذي يلف هذا العالم.

هذا كوكب يُسمى كوكب الخراب، والذين أنقذوه عادةً ما يسمون الأرض التي يجوبونها بالبرية، وهم مجموعة صغيرة من سكان البرية النباتيين، لا يزالون يحتفظون ببعض إنسانيتهم، ويعيشون في البراري على جمع النفايات والصيد.

وفي الوقت نفسه، كانوا يبتعدون قدر الإمكان عن نوع من الوحوش يُسمى بالمفترسين والصيادين، كما كانوا يتجنبون قبائل آكلي اللحوم وتجار العبيد في البراري.

إنه عالم غريب متنوع بشكل مدهش، ففي الجنوب توجد قبائل تتبع بالساميين، وفي الشمال توجد دول أسسها العبيد، وهناك أنواع متعددة من الكائنات الشبيهة بالبشر تُسمى أشباه البشر، كما توجد روبوتات تجري في عروقها دماء زرقاء ولا تختلف في مظهرها عن البشر.

هناك أتباع يمنحهم السامي القوة، وهناك مفترسون تأثروا بما يُسمى “القمر الثاني”، وهناك مستيقظون يمتلكون قدرات مختلفة بشكل مطلق، وكذلك جنود جينيون تم تعديل جيناتهم.

يا له من عالم مشوّه مركّب على نحو عجيب!

بعد أن بدأ شين مينغ يفهم هذا العالم شيئًا فشيئًا، شعر أن البقاء في هذه البرية التي لا توجد فيها قيود ولا ضمانات أمر صعب للغاية.

لحسن الحظ أنه التقى بمجموعة صغيرة من الرحالة النباتيين، فوفقًا لما يُقال، فإن قبائل آكلي اللحوم، عندما تخزن الطعام، تفضل أكثر ما تفضله عبيد اللحم واللحم البشري المجفف، وكلما فكر في هذا الأمر، شعر شين مينغ أنه لا يزال محظوظًا.

لاحقًا، رافق شين مينغ هذه المجموعة الصغيرة في الترحال عبر البراري لمدة ثلاث سنوات، وتعلم تدريجيًا كيف ينجو في البرية، وكوّن بعض الأصدقاء الجدد، وتعلم لغة البراري في الجنوب.

حتى اللحظة السابقة، كانت حالة البقاء الحذرة التي عاشها قد انهارت تمامًا بعد أن اكتشفهم تجار العبيد، ولم يعد بالإمكان الاستمرار.

مجموعة من تجار العبيد المجهزين بالكامل بمعدات طاقة متقدمة، كانوا قوة لا يمكن لمجموعة من الناجين الذين لا يملكون سوى بضع بنادق آلية أن تقاومها مهما حاولت.

وهو يرى بعينيه من أنقذوا حياته، وأصدقاءه، وكل من يعرفهم من كبار وصغار يُسقطون أرضًا واحدًا تلو الآخر، ويُحبسون في الأقفاص، لم يعد شين مينغ يريد الصمت.

ثلاث سنوات من طريق النجاة جعلته حذرًا ومتيقظًا، لكن في هذه اللحظة، اشتعلت حمية الشباب في داخله بالكامل.

اندفع شين مينغ فجأة متحررًا من قبضة تاجر العبيد الذي كان يمسك به، ورفع يده ليخطف السلاح الموجه إلى مؤخرة رأسه.

ثم لم يُسمع سوى “بانغ”، وفي ظل تعبير ازدراء على وجه تاجر العبيد، سقط شين مينغ أرضًا بشكل مستقيم.

***

ماهو رايكم بترجمة فصل هل لذيكم ملاحظات.

2026/04/07 · 16 مشاهدة · 2025 كلمة
جين
نادي الروايات - 2026