إمبراطورية أوريفال – الشمال

ركض…

كانت فتاةٌ صغيرة تركض في العدم، تركض حتى يكاد الهواء يمزّق صدرها.

ملابسها مضرّجة بالدماء، ودموعها تنهمر بصمتٍ مرتجف.

كان الجليد يزحف خلفها، لا كطقسٍ عابر، بل ككائنٍ حيٍّ يريد ابتلاعها…

يريد إسكاتها…

لأنها رأت ما لا يجب أن يُرى.

"هاه… هاه…"

إنه يلحق بي… سيقتلني كما فعل بها…

لا… لا أريد ذلك… أريد أن أعيش… أن أنتقم لها…

انبعث صوتٌ من خلفها، عميقٌ وبارد:

"إلى أين تهربين يا صغيرة؟ أنا أراكِ… أرى داخلكِ.

فلا تهربي، واخرجي لهذا الوالد اللطيف."

ثم أردف بضحكةٍ منخفضة:

"لن تهربي."

وفجأة شعرت بالأرض تخونها…

تسقط… تسقط في هاويةٍ بلا قاع،

وهو ينظر إليها من الأعلى، يضحك.

ضحكةٌ شريرة يتردد صداها في أعماق الفراغ.

استيقظتُ فجأة.

أنفاسي متقطعة، وصدرِي يعلو ويهبط بعنف…

نظرتُ حولي..

الجليد كان يغطي أرجاء الغرفة.

همستُ بصوتٍ مبحوح:

"الكابوس… مرةً أخرى."

وقفتُ على قدمي، لكن موجةً حادةً من الألم اجتاحت صدري، عند موضع قلبي تحديدًا.

استنشقتُ الهواء بصعوبة، وأنفاسي تتصاعد بخارًا أبيض كما في ليالي الشتاء القارسة.

هدأت الموجة تدريجيًا، لكن أثرها بقي، وجعٌ خافت لا يختفي.

تقدّمتُ نحو المرآة.

كان وجهي شاحبًا…

وعيناي مثقلتين بأرقٍ لا يرحم.

قُطع شرودي بصوت فتح الباب.

التفتُّ ببطء.

كانت رئيسة الخدم، كما عهدتها— هادئة، ثابتة، لا يفاجئها شيء.

جالت نظرتها في الغرفة المتجمدة.

سألتها ببرود:

"إلى ماذا تنظرين؟"

ثم أضفتُ همسًا:

"ليس وكأن هذا جديد… صحيح يا سيلي؟"

أجابت بهدوئها المعتاد:

"أعتذر يا آنسة أوريس… لكنه ليس جديدًا فعلًا."

ابتسمتُ ابتسامةً خفيفة لصراحتها.

"ماذا تريدين الآن؟"

قالت دون تغيير في نبرتها:

"اللورد نيفرونايت ينتظركِ في مكتبه."

"ماذا يريد؟… لم يخبركِ، أليس كذلك؟"

"نعم، آنستي."

"حسنًا… سآتي."

عدتُ أتأمل انعكاسي في المرآة.

ذلك الوجه الذي يراه الآخرون جميلًا… أراه أنا مقرفًا.

مهما أحبّه الآخرون، لن أستطيع تقبّله.

هاتان العينان الزرقاوان— بلون الجليد ذاته الذي يطاردني.

وذلك الشعر الذي يتخلله خيطٌ من زرقة السماء…

أكرهه.

ولستُ الوحيدة هكذا.

نيفِرونايت…أغلبهم يحملون هذه السمات.

حتى… ذلك الرجل.

كنتُ أقف الآن أمام باب مكتبه.

الخشب الداكن بدا كأنه يبتلع الضوء من حوله.

رفعتُ يدي لأطرق الباب—

لكن صوته سبقني.

"تفضّلي… أوريس."

تجمّدت أصابعي في الهواء لثانية،

ثم أنزلتها ببطء وفتحت الباب.

دخلتُ وأغلقته بهدوء خلفي.

صوت الإغلاق بدا أعلى مما ينبغي.

تقدّمتُ خطواتٍ قليلة، ثم توقفت أمام مكتبه.

كان جالسًا خلفه، كما لو أنه لم يتحرّك منذ دهور.

نظراته ثابتة… باردة… تقيسني دون أن ترفّ.

قلتُ بنبرةٍ متحفظة:

"قيل لي إنكَ استدعيتني، لورد نيفرونايت."

"أمم… أجل، أجل."

قالها بتكلفٍ واضح، وكأن الكلمات لا تعنيه حقًا.

كان يقلب بعض الأوراق بين أصابعه ببطءٍ متعمّد، ثم مدّ إحداها نحوي.

"اقرئي هذا… يا عزيزتي أوريس."

توقفتُ عند كلمة "عزيزتي".

لم تكن نبرته تحمل دفئًا.

بل شيئًا أقرب إلى السخرية… أو الامتلاك.

مددتُ يدي وأخذتُ الورقة دون أن ألمسه.

أصابعه كانت باردة— أو لعلّ ذلك مجرد وهمٍ آخر من أوهامي.

أنزلتُ نظري إلى السطور،

لكنني شعرتُ بثقله يراقب كل حركة منّي…

ينتظر.

اتسعت عيناي.

توقفت الكلمات أمامي، لكنها لم تتوقف عن الطعن.

كان أمرًا…

أمرًا قذرًا.

أمرًا يريدني أنا أن أنفّذه.

شعرتُ بأن أطراف أصابعي تبرد، وكأن الجليد انتقل من الغرفة إلى داخلي.

تصلّبَت قبضتي حول الورقة حتى تجعّد طرفها بين يدي.

لماذا أنا؟

ولماذا هذا بالذات؟

قطع شرودي صوته، هادئًا… مقيتًا في هدوئه:

"انتبهي من الرجال… خصوصًا هو."

رفعتُ نظري إليه ببطء.

"هو؟"

ابتسم ابتسامة خفيفة، لا تصل إلى عينيه.

"أنتِ ذكية يا أوريس. لا تجعليني أشرح ما تعرفينه مسبقًا."

كان يتحدث وكأنه يحذرني…

لكن شيئًا في نبرته أوحى بأنه لا يحذرني منه—

بل يدفعني نحوه.

انحنيتُ بخفّةٍ ثم خرجتُ…

وما إن تجاوزتُ العتبة حتى اجتاحني ذلك الشعور الخانق البارد، ذاته الذي داهمني سابقًا في غرفتي…

"… ما قصة ذلك الفتى مع الزعماء؟"

هل يُعقل أنّه…؟

"بو… بماذا تفكّر هذه الجميلة؟"

قطعت أفكاري كلماتُ الشخص الواقف إلى جانبي. تجاهلتُه، وتجاهلتُ موجة الألم في صدري، ثم أكملتُ سيري نحو الخارج.

"لا تتجاهليني، تبا لكِ! دائمًا تفعلين ذلك… أعرف أنكِ تسمعينني. هيا، أجيبي يا أوريس."

' الأشخاص هنا مزعجون جدًا… '

واصلتُ سيري دون أن ألتفت إلى الخلف، ودون أن منح ذلك المعتوه شرف الإجابة… مجرد روح أخرى وستتلاشى… كما حدث مع الآخرين.

"لا، لا، لا… لي، لي! هو لي! ذلك الفتى لي… الفتى ذاك لي."

كانت تسير بقفزاتٍ صغيرة وهي تغنّي، وذيلها يتأرجح خلفها كالمعتاد، بينما يتمايل شعرها الأسود حول كتفيها.

دفعت بابًا كبيرًا ودخلت، ثم قالت بنبرة متذمّرة:

"متى سنبدأ اللعب؟ أنا أشعر بالملل."

جاءها صوتٌ من الظلام بنبرة باردة:

"تمهّلي يا سافيرا… لكلّ شيءٍ وقته الجميل."

انفصل ظلّ رجلٍ من أحد زوايا القاعة المظلمة. كان شعره الأسود الطويل يغطي معظم وجهه…

ثم تحرّك ظلّ آخر، ضخم الجثة بشكلٍ غير طبيعي. كان شعره المبعثر يحجب عينيه، وقال بصوته المتهدّج:

"وأنا أيضًا لا أطيق الانتظار… لأكل لحمهم."

ضحكت سافيرا بحماس:

"هاهاها… زاراغا متحمّس جدًا لفعل ذلك."

تكلّم الآخر، صاحب الشعر الطويل، بصوتٍ أجش:

"احتفظا بحماسكما لوقتٍ لاحق… السيد طلب منّا أمرًا، ولن نخالفه."

"أوه، عزيزي سيرفان، لماذا أنت هكذا؟ دعنا نستمتع بتقطيعهم."

قالت سافيرا بانزعاجٍ ساخر، لكن دون ابتسامة… ردّ عليها صاحب الشعر الطويل، سيرفان:

"ماذا تقصدين: لماذا أنا هكذا؟ نحن سنذهب لأن الزعيم طلب ذلك، ولن نقتل ما لم يطلب."

قالت سافيرا باستخفاف:

"ما أقصده أنك شخصٌ مزعج يعكّر المتعة. نحن شياطين نستمتع بفعل ما نريد… يا كلب الزعيم. إن كنت هكذا فأنا أفضل العمل–"

بحركةٍ مفاجئة، تحطّمت الأرض برأس الشيطانة سافيرا عندما أمسكها سيرفان وضربها بقوة.

"أمسكي لسانكِ، عزيزتي سافيرا، فأنا لا أتسامح مع الإهانة كما تعلمين."

كانت أظافره الطويلة تخدش وجهها… ابتلعت ريقها بتوترٍ وخوف من غضبه المفاجئ. رغم ذلك قالت بكلماتٍ خرجت بالكاد، وهي تحاول ربط جأشها:

"حسنًا، حسنًا يا سيرفان… كنت أمزح. أبعد يدك عني."

رفع رأسها قليلًا، ثم رماه وابتعد عنهم، واختفى كأنه لم يكن موجودًا.

جلست سافيرا، ووجهها ملطخ بالدماء.

"ذلك الداعر اللعين… سأقتله."

قالت ذلك، ثم فجأة بدأت بالبكاء بهستيرية كطفلٍ مدلّل:

"سأقتله، سأقتله! لعين… لعين! كيف يجرؤ أن يلمسني؟ داعر!"

'ما الذي عليَّ إيجاده هنا بالتحديد؟'

فكّر الفتى وهو يسير، ووجهه نصف مغطّى بالعباءة، وعيناه تترقبان المكان بحذر، وكأنه يخاف أن يراه أحد فيتعرّف عليه… مرّ من زقاقٍ مظلم، فَلَمَح فتاةً صغيرةً عن طريق الصدفة. لفتت انتباهه للحظات، ثم تجاهلها وغادر.

'هل كانت تنظر إليّ…؟ ربما لا.'

"لكنني متأكد أنني شعرت بأنها تراقبني."

ضحك بمرارةٍ ساخرة.

"بربك يا كايل، توقّف عن توهّم الأشياء… ما أنت فيه الآن أسوأ."

اختفت الابتسامة، وحلّ محلها عبوسٌ متعب.

"من عليَّ أن أجد تحديدًا…؟ "

"تسك، تبا للنظام اللعين."

قال كلماته الأخيرة بغضب.

وفجأة جاءه صوتٌ طفولي من خلفه ينادي:

"أبي… أبي."

التفت نحو الصوت، فإذا بها الفتاة التي رآها قبل لحظات. كانت قد تبعته، وتمد يدها نحوه. نظر إليها بحاجبٍ مرفوع وقال ببرود:

"أنا لست والدكِ. ابتعدي من هنا."

تقدّمت نحوه وهي تقول:

"بلى… أنت بابا "

قالت الطفلة ذلك، ثم فجأة تغيّر صوتها وشكلها، لتتحول إلى مخلوقٍ بشع يصرخ في وجه كايل:

"كراااارررر!"

ابتعد للخلف برشاقة، ثم أخرج خنجره. رغم التوتر الظاهر على ملامحه.

"هي أنتِ… يا مقرفة. لا أملك وقتًا لمقاتلتك…"

قبل أن ينهي كلامه، ظهرت شاشة النظام أمامه، مكتوب عليها:

مهمة جديدة

المهمة: القضاء على "الكورن" في أقل من نصف ساعة

المكافأة: دليل مستقبلي

"هاه؟… الوغد يعرف كيف يغريني."

أخذ وضعيةً دفاعية، ثم أضاف:

"حسنًا… سأفعل ما يريد."

لا تنسوا الانضمام لسيرفر الديسكورد

موجود في خانة الدعم

2026/03/16 · 7 مشاهدة · 1146 كلمة
نادي الروايات - 2026