"بحقك... أنا متعب! متى ستموت؟"

​تمتم "كايل" وهو يراوغ الوحش ببراعة، قبل أن يباغته بطعنة من الخلف. توقف أمامه لبرهة وقال بإشمئزاز:

"أنت مقرف.. أتعلم؟ وأنا أكره الأشياء المقرفة!"

​[الوقت المتبقي لمعاقبة اللاعب: 15:53 دقيقة]

​"أوه، سحقاً... علي الإسراع في قتلك. أنا آسف!"

​تضاعفت سرعة حركاته عما كانت عليه؛ صار يهاجم الوحش ويستدير بمرونة خاطفة، بينما كان الوحش يضرب الهواء بكل ما أوتي من قوة يائسة.

​ضربة من الخلف..

ضربة من الأعلى..

ضربة ثالثة استقرت في صدر الوحش..

​"مت! لقد أزعجتني حقاً!"

​هتف "كايل" بينما تناثرت دماء الوحش لتغطي وجهه وثيابه. سقطت الجثة أمامه، فتنفس الصعداء ونظر حوله، ليفاجأ بجمع من الناس يحدقون به بهلع، ويهمسون بكلمات تقشعر لها الأبدان:

​"إنه قاتل.."

"لقد قتل طفلة!"

​صرخ أحدهم بصوت جهوري:

"لقد قتل طفلة! يجب أن يُعاقب!"

​تجمدت ملامح "كايل" وصدمة عارمة تشل حواسه، وتمتم بذهول:

"ماذا تهذون؟ إنها.. إنها وحش!"

​ارتجف صوته وهو يصرخ فيهم:

"أيها الحمقى، لقد كانت وحشًا! لقد أنقذتكم من مسخ، انظروا!..."

​التفت ليشير إلى الجثة خلفه، لكن الكلمات انحشرت في حنجرته. عندما لم يجد وحشًا مقززًا، بل جثة طفلة صغيرة هامدة. اتسعت عيناه على وسعهما، وبدأ يتراجع للخلف بخطوات مهزوزة:

​"ما.. ماذا؟ مستحيل! أنا متأكد أنها كانت وحشًا كريه المنظر.. متأكد!"

​انقض عليه رجلان يرتديان زي الحراس، وأحكما قبضتهما على ذراعيه من الخلف. قيدا معصميه بقسوة خلف ظهره، بينما كان يتخبط بين أيديهما محاولًا الإفلات بضعف:

​"اتركاني! قلتُ لكما إنها وحش.. صدقاني! لقد كادت تقتلني!"

​أجابه أحدهما بنبرة تقطر سخرية وهو يشده من قميصه:

"احتفظ بترهاتك هذه للقائد، لنرى إن كان سيصدق مجنونًا مثلك.. يا قاتل الأطفال!"

​بدأ الحراس بجره بعيدًا، لتعود همسات الناس وتتردد كفحيح الأفاعي من حوله:

​"إنه مجنون.. انظروا إليه، يقول إنها وحش!"

"أيعقل أنه هو؟ سفاح الأطفال المطلوب للعدالة؟"

"ربما.. ملامحه لا توحي بخير أبدًا!"

انفض الجمع تدريجيًا، وعاد كلٌّ إلى شأنه والهمسات لا تزال تتردد في الأرجاء..

​طرق.. طرق..

​صدى ضربات منتظمة على باب خشبي ثقيل.

كان يقف هناك شاب في منتصف العشرين، يرتدي درعاً فضيًا لامعاً يعكس الضوء ببريق مهيب، وكأنه حارس من حماة الإمبراطورية المختارين.

​جاء الرد من خلف الباب بصوتٍ رخيم وأجش:

"تفضل.."

​دلف الشاب بخطوات واثقة، وانحنى باحترام قائلًا:

"سيدي، لدي تقرير هام لك.."

​"ما هو؟"

​سأل الرجل القابع خلف مكتبه بنبرة جافة. كان شعره مبعثرًا ينسدل بحرية حول كتفيه العاريتين، وجسده العضلي المشدود يشي بسنوات من التدريب القاسي. أمسك بمفك براغي دقيق، وبدأ يحركه بمهارة بين تروس ذراعه الآلية التي تلمع تحت الضوء الخافت.

​انحنى الشاب قليلًا وقال:

"سيدي، قبض على فتى يُشتبه بأنه قاتل الأطفال المطلوب."

​أصدر الرجل همهمة منخفضة، ولم يكلف نفسه عناء رفع عينيه عن ذراعه المعدنية، بل استمر في عمله ببرود:

"همم.. وأخيرًا ظهر قاتل الأطفال؟"

"أين هو الآن؟"

​أجابه الشاب بلهجة حازمة:

"لقد أودعناه إحدى زنازين "أكوا"، وتم تقييده بإحكام لضمان عدم فراره."

​"...جيد."

​قالها الرجل وهو ينهض ببطء، ألقى بمفك البراغي جانبًا فوق المكتب، ثم تناول قميصه وسترته وارتداهما بحركات واثقة.

تجاوز الشاب الواقف باحترام، واتجه نحو الباب بخطوات رصينة وهو يقول:

"إذن، دعنا نذهب لنرى "قاتل الأطفال" هذا بنفسنا."

"حسناً يا سيدي."

​أجاب الشاب وهو يتبعه بآلية ودون تردد..

​...

...

​"أخرجوني أيها الحثالة! أخبرتكم أنني لست القاتل!"

​هدر "كايل" بصرخة يائسة مزقت سكون المكان. فتح الباب الحديدي بغتة، ودلف رجل كانت ملامحه تحتقن بغضبٍ مكبوت. اقترب من "كايل" ببطء وخطوات ثقيلة حتى صار وجهاً لوجه أمام جسده الموثق بإحكام، وقال بنبرة ملؤها الازدراء:

​"توقف عن العويل كالنساء، أيها المعتوه!"

​وبمجرد أن أنهى كلماته، وجه لكمة قوية ومباغتة إلى معدة "كايل" جعلته ينحني ألمًا رغم قيوده. استدار الرجل ليغادر الغرفة وهو يلقي بكلماته الأخيرة ببرود:

"انتظر قدوم "السيد".. وحينها، حاول ألا تصرخ كثيرًا."

​خرج الرجل وأوصد الباب بعنف، تاركًا "كايل" وحيدًا في عتمة الزنزانة، مقيدًا وهو واقف، بينما غطوا فمه بكمامة حديدية كتلك التي توضع للكلاب المسعورة، ليتحول صراخه إلى أنين مكتوم.

بعد بضع دقائق…

دخل رجل بذراعٍ حديدية، وهو يدخن سيجارة بين شفتيه. ألقاها على الأرض وهو يقترب من كايل خطوة بخطوة…

رفع كايل رأسه ليرى من الذي أتى إليه، وتمتم وعيناه متسعتان:

"هذا…؟"

ثم أكمل في نفسه:

«هذا… الشخص آخر من كنت أظن أنه سيظهر الآن. على ما أتذكر، كان أول ظهورٍ له في نهاية اللعبة، حيث يكون عائقًا بعد خيانته الإمبراطورية… ماذا يريد الآن؟ وماذا يفعل هنا؟… مهلًا، هل هذا يعني أنه…؟»

"آخر ما توقعته أن يكون فتى مراهق قاتلَ أطفال."

قال الرجل وهو يفحص كايل بنظرته:

"أنا لست قاتل أطفال… كم مرة علي قول ذلك؟

أخرجني من هنا."

استدار الرجل إلى الخلف قليلًا، ومرر يده في شعره الرمادي المبعثر، يرجعه إلى الخلف.

ثم، بحركة مفاجئة، لكم كايل في معدته، فأطلق كايل أنينًا مرتفعًا.

تكلم الرجل وهو يقترب منه، ناظرًا في عينيه عن قربٍ شديد:

"أنا من يُعطي الأوامر هنا، يا فتى."

"أيها الحثالة…"

تمتم كايل بعد أن خف ألم اللكمة الثانية التي توجه إلى معدته.

"تظن أنني قاتل، يا حثالة؟ قلتُ لست القاتل! لقد كانت مجرد مسخ… لماذا لا تصدقون؟ هل حقًا لا ترون ذلك، أم أنكم تلعبون لعبةً قذرةً عليّ؟.."

كان يلهث بعد كل ما قاله، وهو يصرخ، ثم تابع بصوتٍ هادئٍ مرتجف… مخنوق:

"بعد كل ما عشته لمدة سنةٍ وبضعة أشهر في أرض الجحيم… وبعد أن خرجتُ منها ظنًا مني أنني سأبقى بجانب أمي سيليا، على الأقل… وألا أخسرها هي الأخرى… يحدث هذا؟ آتي إلى هنا؟ هل برأيك هذا عادل؟"

ثم صرخ مرةً أخرى بغضب:

"أن أعيش هكذا؟ هيا، أجبني! لماذا أنت صامت هكذا؟ هيا! هل أكل الكلب لسا—"

قبل أن يكمل كلامه، تلقى لكمة على وجهه أفقدته وعيه.

"أكره من تكون أصواتهم مرتفعة."

أمسك بشعر كايل ورفعه قليلًا، محدقًا في وجهه… ثم تركه يسقط غائبًا عن الوعي، وغادر الغرفة.

وقف خارج الغرفة، وأشعل سيجارة، وبدأ بالتدخين…

ثم أتى الفتى الذي كان عنده في المكتب قبل ساعات.

"سيدي، هل أنت بخير؟"

لوح بيده بكسل:

"نعم… بخير، بخير."

«ما هذا الفتى…؟ هل هو حقًا القاتل الذي نبحث عنه، أم شيء آخر؟… شوقه ذاك الذي تكلم عنه، ونظرة عيناه اليائسة والمتعبة… هل يعقل أن ما قاله حقيقة؟ هل نجا من أرض الجحيم؟ هل يعقل لفتى مثله أن يبقى على قيد الحياة؟»

ثم سأل فجأة الفتى بجانبه:

"أونور، هل تعتقد أن هناك من سينجو من أرض الجحيم؟"

"ماذا؟"

"لماذا هذا السؤال فجأة، سيدي؟"

سأل الفتى ردًا على سؤال الرجل.

"أونور… لا ترد على السؤال بسؤال آخر."

قال الرجل بنبرة هادئة، لكنها مهيبة.

"إيييك… حسنًا، آسف سيدي."

قال الفتى بتوتر.

"في الواقع، سيد كايزر… لا أظن ذلك."

"لا تظن أن أحدًا سيعيش عند دخولها؟… كما توقعت."

قال وهو يبتسم ابتسامة خفيفة، ثم أخذ نفخة أخيرة من سيجارته ورماها على الأرض.

"دعنا نذهب، أونور. أريد رؤية جثة الفتاة."

"حسنًا، سيدي."

2026/04/08 · 17 مشاهدة · 1042 كلمة
نادي الروايات - 2026