لم يكن أحد يصدق أن الكتاب على الطاولة يمكن أن يحمل إجابةً لهذا الخراب. كان غلافه المترب يحمل رموزًا غير مفهومة، ونظرات أفراد العائلة تلتقي به أحيانًا كأنهم يتساءلون بصمت: هل هو حقيقي؟
لكن ياتو لم يعد يملك رفاهية الشك. مع صوت المدافع في البعيد وعيون أسرته الجائعة، اتخذ قراره. وبينما كان الليل ينشر رداءه الثقيل على القرية، تسلل خارج المنزل، تاركًا خلفه فراشًا باردًا ونافذة مفتوحة.
كان الطريق إلى كتلة النوراغامي شاقًا. الأرض القاحلة تنبض برائحة الموت، وأكوام العظام والجثث القديمة كانت تُحدق به بصمت مرعب. لكن ياتو واصل السير، حتى رأى التنين. كان التنين ضخمًا، بعيون تتوهج بنيران حكمة أزلية، لكنه لم يهاجم. وقف ياتو بوجل، جسده يرتجف من فكرة الاقتراب. وعندما فعل، عندما لامس جلده المتوهج، انحنى التنين وتنحى عن الطريق. كانت الكتلة أمامه، القوة التي يمكن أن تنقذ عائلته... أو تحمله إلى عالم لا عودة منه.
وفي الوقت ذاته، استيقظ سيمرامس على اختفاء أخيه. عيناه امتلأتا بالغضب والخوف. كيف جرؤ ياتو على الذهاب وحده؟ لم ينتظر. حمل نفسه وهرع خلفه، لكنه لم يعرف الطريق الصحيح. ساقته أقدامه المتعثرة إلى الوجهة الخاطئة: كتلة العناكيب.
على الطريق، كان الظلام مختلفًا. الهواء أثقل، والأصوات حوله كأنها تأتي من عمق روحه. رأى التنين أخيرًا، لكن هذا لم يكن تنينًا كالآخر. كان أكثر وحشية، بعيون تتوهج بقسوة. ومع ذلك، لم يهاجمه. انحنى له أيضًا، وكأن الشر قد وجد من يستحقه.
القوة تسللت إلى جسدي الأخوين، لكن الفرق بينهما كان واضحًا. ياتو رأى في القوة وسيلةً للخير، لإنهاء الحرب وبناء مملكة يحمي بها عائلته. أما سيمرامس، فقد أغرته القوة لدرجة أنه نسي لماذا جاء من الأساس.
لكن السؤال الحقيقي لم يكن عن نواياهما. كان عن القوة نفسها: هل سيستطيع جسدان ضعيفان احتواء هذه الطاقات العظمى؟ أم أن الكتلتين ستقلبان حياتهما رأسًا على عقب، وتبدأان صراعًا أخطر مما تخيلاه؟"**
**"لم تكن القوة مجرد هبةٍ تُمنح بسهولة. لقد وجدت طريقها إلى جسد ياتو بيسر، كأنها شعرت بصدق نيته وقلبه الذي امتلأ باليقين. لكن سيمرامس... كان الأمر مختلفًا. القوة لم تكن مطواعة معه. كأنها تُقاومه، تُريد اختبار أعماقه المظلمة قبل أن تخضع له.
وقف سيمرامس أمام كتلة العناكيب، جسده يهتز تحت وطأة جاذبيتها. عيناه تلمعان بشيء غريب، لمعة لم تكن نورًا، بل شرارة من التفكير السيء بدأت تتسلل إلى عقله. القوة لم تكن مجرد طاقة، بل كيانٌ يُطوع قلوب من يُريدونها. همست له الكتلة بصوت لم يسمعه أحد غيره: 'هل أنت مستعد لأن تملكني؟ قلبك ليس جاهزًا بعد.'
لكن سيمرامس لم يتراجع. طغت عليه الرغبة في القوة والعظمة، فترك الكتلة تخترق كيانه شيئًا فشيئًا. لم يدرك أنه لم يعد يتحكم بها، بل هي من تتحكم به.
أما ياتو، فقد بدأ رحلته لبناء المملكة التي كان يحلم بها. اختار لها اسم 'نوراغامي'، مملكة سفلية تُشع بالسلام، بعيدًا عن الخراب الذي أحاط بهم. كان هدفه واضحًا: أن يصنع عالماً جديداً يُحضر إليه عائلته ليعيشوا في أمان.
لكن الطرقات التي سلكها قادته إلى وجهٍ لم يتوقع رؤيته. سيمرامس. التقى الأخوان وسط العوالم السفلية، كلٌ منهما يحمل قوةً تفوق الخيال. لكن ياتو لاحظ شيئًا غريبًا في أخيه. نظراته لم تكن تلك التي اعتادها. كانت نظرات جامدة، حادة، تخفي وراءها شيئًا مظلمًا.
'هل أنت بخير؟' سأل ياتو بحذر.
ابتسم سيمرامس ابتسامةً خفيفة، كأنها قناع يخفي حقيقة أعمق. 'نعم، بخير. جئت أبحث عنك، لكن... لا أدري كيف وجدت نفسي هنا. وكيف حصلت على تلك القوة.'
ابتسم ياتو بحماسة، غير مدركٍ لما يجري خلف عيني أخيه. 'إذن أنت المختار لتلك القوة! كنت لا تؤمن بذلك، كيف حدث هذا؟ لكن لا يهم! سأخبرك بما سأفعله. سأبني مملكة للخير. هل تريد بنائها معي؟'
لكن رد سيمرامس كان كالصفعة على وجه ياتو. 'لا. افعلها بنفسك. سأبني مملكتي الخاصة. ستكون هناك مملكتان، في مواجهة بعضهما، وبينهما بوابة تفصلنا.'
تعجب ياتو من رد أخيه. اقترب منه، محاولًا فهم دوافعه. 'لماذا؟ أريد بناء مملكتي لأجلب عائلتنا لنعيش معًا. لماذا تختار العيش بعيدًا عنا؟'
لكن سيمرامس لم يجب على سؤاله. بدلاً من ذلك، قال كلمات غامضة، كأنها تخفي أكثر مما تكشف. 'نعم... سأجلب عائلتنا أيضًا. لكن... حين أنتهي من بناء مملكتي، وتنتهي أنت من بناء مملكتك.'
كانت عيناه تلمعان بوهجٍ غريب، لكن ياتو لم يُلاحظ ذلك. اغتر بحبه لأخيه، ولم يرَ الشر الذي بدأ يتسلل إلى قلبه."**
صمت ياتو للحظة، متأملًا كلمات أخيه التي تحمل وعدًا غريبًا، لكنه لم يشكّك ولو للحظة في نواياه. اقترب بخطوات واثقة وربت على كتف سيمرامس بلطف، قائلاً:
"أنا أثق بك، سيمرامس. أعلم أنك ستبني مملكة عظيمة، كما سأفعل أنا. وعندما يحين الوقت، سنقف معًا، كما كنا دائمًا."
لكن في داخل سيمرامس، كان صوت آخر يتردد:
"مملكة واحدة فقط تستحق العظمة... ولن تكون مملكتك، ياتو."
عاد ياتو إلى خيمته، مستغرقًا في خطط بناء مملكته، غير مدرك أن أخاه كان يحيك خططًا أخرى في الظل
بدأ ياتو بتأسيس مملكته بحماس، يقوده الأمل لإنقاذ عائلته وإثبات قوته. وبينما كان يتأمل في أرضه الواسعة، شعر بصوت لطيف، كأن نسيمًا خفيفًا يهمس في أذنيه. التفت بتوجس، ليجد أمامه فتاة لم يرَ مثلها من قبل. ذات شعر ذهبي يتلألأ كالشمس، وعينين ذهبيتين تضجان بالحياة، وبشرة ناصعة لم تكن تشبه بشرة البشر. بدت وكأنها تجسد كمالًا سماويًا، أقرب إلى الملاك من الإنسان.
اقتربت منه بخطوات واثقة، ثم انحنت بخفة قائلة بابتسامة خاطفة:
"كنت أعلم أن الملك سيأتي لبناء مملكته."
شعر ياتو بتوتر غريب وقلبه ينبض بشدة، لكنه لم يستطع فهم كلماتها. سألها بتعجب:
"من أنتِ؟ وماذا تقولين؟ وما هذه اللغة التي تتحدثين بها؟"
ضحكت بخفة، نظرتها تحمل مزيجًا من الحكمة والهدوء، ثم أجابت:
"ألم تقرأ ما بداخل الكتاب؟ أم أغرتك مقولة الكتلتين ونسيت أن تكمل القراءة؟"
تجمد ياتو للحظة، محاولًا تذكر ما فات. ثم أجاب بخجل:
"نسيت... أغرتني القوة لإنقاذ عائلتي
تبسمت الفتاة بحكمة وقالت:
"ها أنت تفهم ما أقول. ألم تلاحظ ذلك؟"
تفاجأ ياتو، ثم قال بذهول:
"الآن أفهمك... لكن كيف؟"
لمعت عيناها الذهبيتان برفق، وقالت:
"أنا ابنة هذه القوة. القوة التي خرجت منها. أنا من إحدى الأساطير، خالدة. وهذه لغة النوراغامي، كُتبت في كتاب الأساطير. لا تقلق، ستتقن الحديث بها قريبًا. القوة التي دخلت عقلك ستعلمك هذه اللغة وكأنك نشأت عليها."
شعر بالخجل، ليس فقط لعدم قراءته كل شيء، بل لأنه كان منبهرًا بحكمتها وجمالها. حاول التماسك وقال:
"إذاً، ما اسمك؟ ولماذا، إذا كنتِ خُلقتِ من هذه القوة، لم تصنعي مملكتك وتحكميها؟"
نظرت إليه بعيون مشرقة وقالت بسعادة:
"لأني كنت أنتظرك. هذه القوة اختارتك أنت، وليس لي الحق في الاستحواذ عليها. أنا هنا فقط لحمايتك والاعتناء بك، مولاي."
تبسم ياتو وشعر بالدفء لأول مرة منذ زمن طويل. وجودها بجانبه أعطاه إحساسًا بالأمان والثقة.
ابتسمت الفتاة مرة أخرى، وقالت:
"أتريد أن أخبرك كيف تصنع مملكتك دون أن تُتعب يديك في البناء؟"
نظر إليها بعينين متسائلتين وقال:
"هل هذا ممكن؟"
أجابته بحزم:
"أنت الملك، وكيف لا تقدر؟ سنصنعها من قوتك. امد الأرض بقوتك، وتخيل مملكتك كما ترغب، وستظهر كما أمرت."
جلس ياتو وسط الأرض القاحلة، يخبئ خلف ملامح الصمود تعبه وإرهاقه، لكن عينيه أفصحتا عن ثقل الرحلة على كاهله.
هيستوريا (بصوت هادئ لكن حازم):
"مولاي، يبدو أنك تحمل نفسك فوق طاقتها. لما لا تستريح قليلًا؟ الرحلة شاقة وأنت لست آلة."
التفت إليها بنظرة مشتعلة، تحمل نار القهر الذي يأبى أن يخبو، وقال بصوت مليء بالإصرار:
"لا أريد. الراحة ترف لا أستحقه الآن. عليّ أن أتعلم كيف سأبني المملكة... بقوتي."
ابتسمت هيستوريا بخفة، وكأنها أدركت عناده، لكنها قالت بجملتها التي صدمته:
"القوة ليست مجرد عضلات أو تحمل. لن تتقن بناء مملكتك إلا إذا أتقنت استعمال قوتك أولاً. القوة الحقيقية تكمن في السيطرة عليها."
توقف للحظة، وأطلق تنهيدة طويلة، وكأن كلماتها أصابت وترًا حساسًا داخله. جلس على الأرض، ينظر إلى الفراغ أمامه، ثم رفع رأسه إلى السماء الصافية التي بدت وكأنها تسخر من أفكاره المشوشة.
"كم من الوقت سأحتاج حتى أتقن ذلك؟ عائلتي... هل سيبقون بخير إذا تركتهم؟ لكن إن أحضرتهم الآن، فلا شيء هنا يصلح للعيش. سيصبحون عبئًا. عقلي في حيرة. ماذا أفعل؟"
قطع حبل أفكاره صوتها الهادئ، وهي تجلس بجانبه وتربت على كتفه برقة:
"لا تشغل بالك بكل هذا الآن، يا مولاي. أنا هنا بجانبك. انظر إليَّ، وأخبرني ما يجول بخاطرك. أنا هنا لأساعدك، مهما كان ما يثقل روحك."
كان لصوتها وابتسامتها تأثير أشبه بضوء القمر على بحر هائج. شعر لوهلة وكأنها تمد له يد النجاة.
نظر إليها، بنبرة فضول مخلوطة بالتحدي:
"إن كنتِ هنا لتساعديني حقًا، فلماذا لا تخبريني باسمك؟"
ضحكت بخفة، محاولةً كسر الحدة في حديثه:
"وأنت لم تخبرني كيف وصلت إلى هنا. كيف بقيت حيًا رغم كل ما واجهته؟"
ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة، لكنه كان يحمل في عينيه مزيجًا من الجد والمرح:
"يبدو أنك تخفين اسمك لسبب ما. هل تخشين أن أقع في حبك حين أعرفه؟"
نظرت إليه نظرة جمعت بين الخجل والدهشة، ثم ردت بنبرة واثقة:
"لا، ليس الأمر كذلك."
اقترب منها قليلًا، وكأن عينيه تحاولان كشف أسرارها:
"إذن لماذا تخفينه؟ هل تنتظرين مني أن أحزر؟ أم أنك تريدينني أن أشغل عقلي بكِ؟"
هزت رأسها بخفة وقالت بابتسامة صغيرة:
"لن تفكر. لن يخطر ببالك حتى."
فاجأها بنبرة واثقة وهو يقول:
"هيستوريا."
صمتت، وقد تجمدت في مكانها. حدقت به بعينين مليئتين بالدهشة، ثم قالت بصوت بالكاد خرج من شفتيها:
"كيف... كيف عرفت ذلك؟"
رد بابتسامة عميقة، ونظرة اخترقت دفاعاتها:
"نظرت إليكِ... رأيت الحكمة في عينيكِ، ورأيت الجمال في كل تفاصيلك. لم أجد اسمًا يناسبك أكثر من هيستوريا."
توردت وجنتاها، وشعرت أن كلماتها تخونها. حاولت التماسك، وقالت محاولة تغيير الموضوع:
"إذا كنت تعرف اسمي، فدورك الآن. أخبرني، كيف أتيت إلى هنا؟ وكيف بقيت حيًا وسط كل تلك المخاطر؟"
نظر إلى الأفق، وأخذ نفسًا عميقًا، ثم قال بصوت هادئ لكنه يحمل في طياته قصة طويلة:
"سأخبركِ... لكن ليس الآن. لكل سؤال وقته، يا هيستوريا."
عقد سيمراميس حاجبيه وهو يسير بخطوات ثابتة في الأرض القاحلة، التي بدت وكأنها تمتد بلا نهاية، لكن عينيه كانتا تركزان على البوابة التي تفصله عن أخيه. بنظرات حادة وعقل مفكر، كان عقله يدور حول قرار واحد فقط. في داخله، أدرك أن القوة التي يملكها يجب أن تُصقل، بينما أخوه يهدر طاقته في التفكير بنفسه فقط.
حول جسده، التف التنين الذي بدا كدرع حي يحميه من أي خطر. دون أن يضيع وقتًا، قرر أنه سيعود لاسترجاع الكتاب الأسطوري. لقد عرف أن الوقت قد حان ليصبح أقوى، وأن الكتاب هو المفتاح لكل ذلك.
في تلك اللحظة، عند ياتو وهيستوريا:
جلس ياتو مع هيستوريا تحت ظلال الأشجار، بينما كانت السماء صافية والهواء يحمل نسمات خفيفة. نظر إليها بعينين تحملان مزيجًا من الفضول والجدية وقال:
"سأحدثكِ عما جرى لي، لكن الآن أريد قراءة معلومات الكتاب. أشعر أن الوقت قد حان لفهم المزيد."
تفاجأ ياتو حين مدت هيستوريا يدها له بالكتاب. لكنه لم يكن كما يتذكره. كان يشع نورًا ذهبيًا باهرًا، وكأنه كائن حي ينبض بالطاقة. توقف للحظة يتأمله قبل أن يرفع عينيه إليها بدهشة واضحة.
"كيف جلبته لي؟ ولماذا يبدو مختلفًا؟ هذا ليس الكتاب الذي أعرفه."
ابتسمت هيستوريا بهدوء، لكن في عينيها بريق غامض أشبه بسر عظيم. قالت بصوت عميق:
"مولاي، هذا ليس مجرد كتاب. إنه الكتاب الذي يُقرر من يستحق الملك. النسخة التي كنت تملكها في الديار ليست سوى انعكاس لهذا الكتاب الحقيقي. أما الآن... فأنت تمتلك الأصل."
اتسعت عينا ياتو، وشعر وكأن العالم توقف للحظة. سألها بصوت يملؤه الصدمة:
"انعكاس؟! كيف ذلك؟ ما الذي تعنينه؟"
رفعت هيستوريا يدها نحو الكتاب وقالت:
"الكتاب الذي بين يديك الآن صُنع من السحر القديم. إنه ليس مجرد مصدر للمعلومات، بل هو قلب القوة ذاتها. أما الكتاب الآخر، الذي تظن أنه الأصل، فقد كان يُراقبك. إنه نسخة صنعتها القوى القديمة لتختبر مدى استعدادك. لكنك الآن اجتزت الاختبار، وهذا هو الأصل."
وقف ياتو للحظة، مذهولًا، لكن رغم ذلك بدأ الإعجاب يتسلل إلى ملامحه. تمتم بصوت منخفض:
"إذا كان هذا هو الكتاب الأصلي... فهل يعني أنني الآن المسؤول عن هذه القوة؟"
ابتسمت هيستوريا بخفة، وقالت بصوت هادئ لكنه يحمل التحذير:
"هذا الكتاب ليس فقط لك، مولاي. إنه مربوط بأخيك أيضًا. لكن فقط واحد منكما يمكنه فهمه بالكامل، وهذا سيُقرر مصيركما."
تغيرت ملامح ياتو بين الدهشة والتحدي، وقال بنبرة تحمل الغضب:
"أخي؟ هل لديه كتاب مثلي؟ وهل لديه... حارسة مثلك؟"
ابتسمت هيستوريا ابتسامة غامضة وقالت:
"أخوك لا يحتاج حارسة، يا مولاي. لأنه اختار مسارًا مختلفًا تمامًا. مسارًا لا يعتمد على حماية أو إرشاد. لكنه لن يُنافسك الآن فقط على الكتاب... بل على القوة التي يمنحها."
نظر ياتو إلى هيستوريا بتمعن، عيناه تحملان مزيجًا من الغموض والتحدي. قال بصوت منخفض لكنه محمل بالقلق:
"ماذا تقصدين بذلك؟ ماذا يعني أن أخي سينافسني بالقوة... والكتاب أيضًا؟"
صمت للحظة، ثم أضاف بصوت أكثر حدة:
"أنا هنا لأجل عائلتي، ليس لأجل أن أنافس أخي. هدفي واضح، ولا أريد أن أنحرف عنه."
هيستوريا نظرت إليه بنظرة هادئة، مفعمة بالحكمة، لكن خلف تلك الملامح الهادئة كانت تخفي معرفة أعمق مما قد يتوقعه. تقدمت نحوه بخطوات ثابتة وقالت بنبرة حازمة:
"مولاي، القوة لا تفرق بين الأهداف. إنها تختار من يستحقها، سواء أراد ذلك أم لا. وأحيانًا، المنافسة ليست خيارًا، بل هي القدر."
ثم أضافت بابتسامة خفيفة تخفي الكثير:
"أظن أني سأتركك الآن وحدك مع الكتاب. اقرأه جيدًا، وبعدها فكر بما قلته لتكتشف الإجابة. الكتاب سيكشف لك أكثر مما تتوقع."
راقبها ياتو وهي تغادر، ثم عاد بنظره إلى الكتاب بين يديه. عينيه مليئتان بالشك والحيرة. قلبه كان يضطرب، لكن شيئًا ما دفعه لفتح الكتاب، وكأن قوة خفية تأمره بذلك
فتح ياتو الصفحة الأولى ببطء، وعينيه تملؤهما الشكوك. لكن ما إن استقرت عيناه على الصورة حتى شعر وكأن قوة غامضة تجذبه نحوها. التنينان المتعارضان، والنور والظلام المتشابكان، والرجلان الواقفان وجهاً لوجه... كل شيء بدا وكأنه ينبض بالحياة.
ثم حدث ما لم يكن يتوقعه. الصورة بدأت تتحرك أمام عينيه، وكأنها تستدرجه إلى عالم آخر. فجأة، شعر وكأنه يُسحب من واقعه. أحس بأن الأرض تحت قدميه اختفت، وكل شيء حوله أصبح مجرد ظلال تتلاشى.
في الرؤية:
وجد ياتو نفسه واقفًا في ساحة واسعة مظلمة، والهواء من حوله ثقيل. أمامه، وقف أخوه، عينيه تلمعان بشيء غير مألوف. خلف أخيه، التنين المظلم يلتف حوله وكأنه جزء من جسده. وبالمقابل، شعر ياتو بطاقة النور تحيط به، وظهر التنين المضيء خلفه، يعكس قوته وإيمانه.
كلاهما كانا يقفان مثل الصورة تمامًا، عيونهما تتقابل بنظرات تحمل تحديًا وصراعًا صامتًا. لم يكن هناك كلمات، فقط صمت مرعب يسبق العاصفة.
وفجأة، تنين الظلام أطلق زئيرًا هائلًا، تبعه زئير التنين المضيء. شعر ياتو بالدماء تتسارع في عروقه، وعيناه لا تفارقان عيني أخيه.
عودة للواقع:
استيقظ ياتو من الرؤية وهو يلهث، وكأن قلبه يركض بأقصى سرعته. أعاد النظر إلى الصورة في الكتاب، لكنها بدت الآن ساكنة كما كانت في البداية. وضع يده على جبينه، محاولًا استيعاب ما حدث.
تمتم لنفسه بصوت خافت:
"هل كانت تلك رؤية؟ هل سأواجه أخي فعلًا؟ لماذا؟ أنا هنا لأحمي عائلتي، لا لأقاتلها..."
رفع الكتاب بين يديه ونظر إليه بعينين مشحونتين بالأسئلة. قال وكأنه يطلب إجابة من الكتاب نفسه:
"أهذا هو قدري؟ أن أكون في مواجهة أخي؟ لماذا أنا؟"
لكن الكتاب لم يرد. بقي صامتًا، وكأن ما أظهره كان كافيًا لإثارة الأسئلة في قلب ياتو.