2 - "بين النور والظلال: إرث الحاكم المنتظر"

جلس ياتو على الأرض، عينيه معلقتان على الكتاب الذي لم يُجب عن أسئلته الملحة. الكلمات المكتوبة بدت وكأنها تخفي عنه الحقائق بدلاً من أن تكشفها.

خطوات هادئة قطعت صمته، فرفع رأسه ليجد هيستوريا تتقدم نحوه بثبات. بصوت هادئ ومريح، قالت:

"مولاي، جلبت لك الماء. اشرب قليلاً."

تناول الكأس منها وشرب، ملاحظًا الدهشة في عينيها، لكنه لم يعلق. وقفت للحظة قبل أن تقول بابتسامة مطمئنة:

"سأخذك إلى المنزل."

رفع حاجبيه بتعجب وسألها:

"أي منزل تتحدثين عنه؟"

ابتسمت بثقة وردّت:

"هذه القوة صُنعت منذ خمسة عشر ألف سنة. ومنذ ذلك الوقت، تم إعداد منزل لاستقبالك. لكنني لم أخبرك فور قدومك، لأنني أردتُك أن تقضي بعض الوقت على هذه الأرض لتفكر مليًا فيما ستفعله."

لم يقل شيئًا، لكنه وقف ونظر إليها نظرة مختصرة، إشارة لأن تأخذه إلى ذلك المنزل.

عند وصوله، انبهر بما رأى.

المنزل كان أشبه بتحفة سحرية؛ رائحة الطبيعة تملأ الأرجاء، الهواء الطلق يتسلل من كل جانب، والجدران تنبض بالهدوء والسكينة. جلس أمام مائدة طعام أعدّتها هيستوريا خصيصًا له. الأطباق كانت مليئة باللحم الشهي، شكلها يثير الجوع حتى في أكثر القلوب جمودًا.

بدأ يأكل بهدوء، محاولًا تهدئة نفسه. بينما كان يمضغ الطعام، التفت إليها، ليجدها تنظر إليه بنظرة مليئة بالحنان والسعادة. قالت له برقة:

"أعتذر عن كل ما أزعجك، مولاي. تناول طعامك، ثم حاول أن تأخذ قسطًا من الراحة."

تركته ليأخذ وقته، بينما تحركت هي بهدوء للخارج. ياتو، بعد انتهائه من الطعام، استلقى على الأريكة، يتأمل المكان الساحر من حوله. رائحة الطبيعة والهدوء التام ساعداه على الاسترخاء، وسرعان ما غلبه النوم.

أما هيستوريا، فلم تكن لتجلس مكتوفة الأيدي.

بخطوات واثقة، وقفت في الخارج وشكلت جنديين من القوة. هيئتهما الشفافة جعلتهما أقرب للأشباح منهما إلى الجنود. نظرت إليهما بحزم وقالت:

"اذهبا إلى أرض عائلة الملك ياتو. احرسوهم من الخراب، وقدموا لهم الطعام والدواء. لكن احذروا من ملك العناكب... قد يحاول استغلال وجودهم ليقتلهم. إن حدث ذلك، تواصلوا معي روحياً فورًا. أعلم أنكم لن تصمدوا أمامه، لكنني أثق بكم."

تجرأ أحد الجنديين وسأل بصوت خافت:

"لكن، لماذا قد يفعل ذلك؟ أليست هذه عائلته أيضًا؟"

نظرت إليه بحدة، وقالت بشك ظاهر:

"لا أعلم. لكن لا يمكن الوثوق به... في قلبه قوة العناكب، وهذا وحده كافٍ ليجعلني أرتاب."

اختفى الجنديان على الفور، وكأنهما لم يكونا هناك، بينما وقفت هيستوريا بمفردها، تتأمل السماء بقلق.

حلم ياتو وصدمته الكبرى

فتح ياتو الكتاب بيدين مرتجفتين بعد الحلم الذي طارد نومه كظل ثقيل. في الظلام العميق للرؤية، كانت الكلمات تنبض كأنها تُنزف من جرح غائر:

"لا تفكر بالموت، فكر فيما ستقدمه لجيلك القادم بعد موتك."

استيقظ ياتو بصدمة، أنفاسه متسارعة وشحوب وجهه لا يخفى. جلس معتدلًا وهو يحدق في الظلام، عقله يغلي بتساؤلات مريرة. امتدت يده إلى الكتاب بجواره وكأن الإجابات مختبئة بين صفحاته.

فتح الصفحة الثانية بعناية، عيناه تتابعان بذهول تفاصيل الكتلتين المرسومتين بلون قاتم على الورق القديم. فوق كل كتلة كُتب:

"لا يستطيع شخص واحد حمل هذه الكتلتين. لكل كتلة شخص منشود."

نظر أسفل كل كتلة حيث ظهرت الأسماء:

تحت كتلة النوراغامي، كُتب اسمه: ياتو نورا.

تحت كتلة العناكب، كُتب: سيمرامس سان.

لكنه توقف فجأة عند الكتلة الثالثة، الغامضة والمجهولة تمامًا، بلا اسم أو رمز. شعر بشيء يتغلغل في صدره كالخوف الخفي. تحت تلك الكتلة كتب بعبارات غريبة:

"سيحكمها من استطاع حمل الكتلتين."

ولكن ما أرعبه أكثر هو غياب أي ذكر لاسمه أو لأي دليل على وجود هذا "الحاكم". قلب الصفحة الثالثة ببطء، وعيناه متسعتان بذعر. هناك، بخط أحمر يشبه الدم، كانت الكلمات تتراقص أمامه:

"خُلقت الكتلتان عدوتان. الحاكم هو من يقربهما... أو يفرقهما ليصبحا أعداءً إلى الأبد."

وقف ياتو فجأة، قلبه يخفق بشدة كأن الكلمات تسري في عروقه بدل الدم. عقلُه يرفض أن يستوعب، وعيناه لا تصدقان. ما الذي يعنيه كل هذا؟ هل هو الحاكم المنتظر أم أن دوره ينتهي هنا؟ ولماذا يتجاهله الكتاب في أكثر اللحظات حسمًا؟

شعر أن الغموض يزداد كثافة حوله، والشكوك تنخر في يقينه. تمتم بذهول:

"هل أنا... قادر حقًا على جمع الكتلتين؟ أم أنني مجرد أداة في لعبة أعمق من إدراكي؟"

كانت الإجابات أبعد ما تكون عن متناوله، لكنه أدرك أن كل خطوة قادمة ستقرر مصير العالمين، وربما أكثر.

وقع الكتاب من بين يديه وهو ينظر إليه بصدمة، وكأن الحقيقة أمامه كانت أكبر مما يحتمل. ارتجفت يداه ولم يدرك كيف ينفذ الوقت من حوله. صوت الكتاب المرتطم بالأرض جذب هيستوريا، التي عادت بخطوات سريعة، قلقة على سيدها.

وجدته جالسًا على الأرض، يحمل رأسه بين يديه ويهمس وكأنه يحاول أن يقنع نفسه:

"لماذا كل هذا؟ أنا فقط أردت مساعدة عائلتي... ليس أن أقع في هذا الجحيم."

اقتربت منه هيستوريا بهدوء، عيناها تنطقان بالثبات والعزم. أمسكت بوجهه بكلتا يديها، لترفعه نحوها وتجبره على النظر إليها مباشرة. بجدية لم يعتدها منها، قالت بصوت حازم:

"انظر إلي جيدًا، مولاي. أنت المختار لهذه القوة. ستحكمها، وستضمن أن من بعدك يحكمها كما يجب. إذا كنت تعتقد أن الموت هو النهاية، فأنت مخطئ. يجب أن تفكر في المستقبل، في جيلك القادم. إذا كان الصراع مع أخيك يثقل كاهلك، فابدأ بصنع إرثك... تزوج، وجلب ابنًا يكمل الطريق بعدك."

تردد صدى كلماتها في ذهنه، وذكّره بالحلم الغريب الذي رآه:

"لا تفكر بالموت، فكر فيما ستقدمه لجيلك القادم بعد موتك."

رفع نظره إليها بحيرة وكأنه يبحث عن إجابة، ثم قال بتردد:

"وماذا عن عائلتي؟ كيف أتركهم وحدهم في هذا العالم الذي يمزقهم؟"

ابتسمت هيستوريا بثقة ووضعت يدها على كتفه، قائلة بهدوء:

"لا تقلق، مولاي. لقد بعثت جنديين روحيين ليعتنوا بهم. لن يمسهم أذى طالما أنا هنا."

نظراتها الثابتة وموقفها الداعم أعادت إليه بعض الطمأنينة، لكنه كان يعلم أن الطريق أمامه لم يصبح أقل وعورة، بل ازداد غموضًا وتعقيدًا

توقف للحظة، تتسارع أنفاسه وكأن كل كلمة قالتها هيستوريا كانت تضغط على قلبه، تعيد تشكيل مشاعره المتناثرة. رفع رأسه نحوها، وعيناه تحملان مزيجًا من الدموع والشكر. صوته كان ضعيفًا لكنه مليء بالعاطفة:

"هيستوريا... لا أريد هذا. لا أريد القتال مع أخي... أنا أثق به. كيف لي أن أواجهه وكأنه عدو؟"

اقتربت منه بخطوات هادئة، عيناها تنظران إليه بثبات يحمل الحكمة والقوة. وضعت يدها على كتفه مجددًا وقالت بهدوء:

"أحيانًا، مولاي، ما نريده وما يجب علينا فعله لا يكونان نفس الشيء. لكنني أؤمن بأنك ستجد طريقة لتوحيد الكتلتين دون أن تفقد أخاك أو نفسك."

تلك الكلمات كانت كافية لتحرك داخله شعورًا عميقًا بالامتنان. لم يتمالك نفسه أكثر، فاندفع ليحتضنها بشدة، وكأن هذا الحضن كان الطريقة الوحيدة ليشكرها على كل ما فعلته من أجله. دموعه سالت بهدوء على كتفيها، وصوته كان متهدجًا:

"شكرًا، هيستوريا... شكرًا لكونك هنا. أنا لست قويًا كما تعتقدين. لا أريد أن أقاتل، ولا أريد أن أفقد أي شيء. أخي... هو جزء مني."

شعرت بحرارة دموعه على كتفها، لكنها لم تبتعد. بل وضعت يديها برفق على ظهره، تهدئه وكأنها أم تحتضن طفلها الخائف. همست بخفوت:

"مولاي، القوة ليست فقط في القتال. القوة الحقيقية تكمن في إيجاد طريقة للحفاظ على من تحبهم، مهما كان الثمن. سنجد هذا الطريق معًا."

تلك الكلمات أطفأت بعضًا من نيران الحيرة في داخله، لكنه كان يعلم أن هناك طريقًا طويلًا أمامه، طريقًا مليئًا بالاختبارات التي لم يكن جاهزًا لها... بعد

ركب سيمرامس ظهر وحش العناكب الذي بدا وكأنه يعرف وجهته مسبقًا. بينما كان يسير فوق الأرض السوداء، أحس بشيء غريب يربطه بهذا المكان وبالحيوان الذي يقوده. كانت الحراشف السوداء تنعكس بشكل مظلم في عينيه، وكأنها تظهر له وجهًا مختلفًا عن وجهه المعتاد.

حينما هبطت العنكبوت أخيرًا، وجد نفسه في قلب أرض غريبة، كل شيء حوله كان يغرق في سواد قاتم ورماد يملأ الهواء. وسط هذا الظلام، ظهر هيكل خشبي قديم، كأنه صُنع منذ قرون، وعليه كتاب باللون الأسود الحالك. كان الكتاب ينبض كما لو أنه حي، وتحيط به رموز غير مفهومة.

اقترب سيمرامس ببطء، والخوف والرهبة يتصارعان في داخله. رفع يده ليشير إلى الكتاب، لكنه تراجع للحظة عندما شعر بقوة العنكبوت خلفه تدفعه برفق. كانت عيناها تشعان بثقة، وكأنها تقول له: "لا تخف، أنت سيد هذا المكان."

أخذ خطوة للأمام، ويداه ترتجفان قليلاً. وضع يده على غلاف الكتاب الأسود، فشعر بنبض حي وكأن الكتاب ينبض بالحياة. فجأة، انفتح الكتاب من تلقاء نفسه، وخرج منه ضوء قوي ملأ المكان، وكأن صفحات الكتاب كانت تنتظر هذه اللحظة منذ زمن بعيد.

تراجع سيمرامس خطوة إلى الوراء، لكنه اصطدم بالعنكبوت خلفه. أدرك أنها لن تسمح له بالتراجع. نظر إلى الكتاب المفتوح، وكانت الكلمات على الصفحة الأولى تظهر بخطوط حمراء زاهية، كتبت بلغة بدت وكأنها محفورة في عقله رغم أنه لم يتعلمها من قبل.

همس بصدمة:

"هذا ليس الكتاب نفسه الذي كان في المنزل. هذا... هذا مختلف تمامًا. بحق الجحيم، ما الذي يحدث هنا؟"

بدأ الكتاب يضيء بشكل أقوى، وكأن قوة هائلة تنتظر أن تُطلق. كان الشعور الذي اجتاح سيمرامس يتخطى الوصف، مزيجًا من الفضول، الخوف، والانجذاب العميق. لكنه لم يعرف أن هذه اللحظة كانت البداية لتغيير كل شيء في حياته

أمسك سيمراميس الكتاب بيدين ترتجفان تحت وطأة الشعور الغريب الذي يغمره. قلب الصفحة الأولى والثانية، ليصل إلى الصفحة الثالثة حيث الكلمات التي قرأها ياتو سابقًا. لكنها الآن بدت وكأنها تتحدث إليه مباشرة، تهمس بأفكاره، وتزرع فيه شيئًا لم يعرفه من قبل.

"خُلقت الكتلتان عدوتان، الحاكم هو من يقربهما أو يفرقهما ليصبحا أعداء إلى الأبد."

رفع عينيه عن الكتاب، ناظراً إلى الأفق البعيد وكأن شيئًا قد استيقظ بداخله. عينيه امتلأتا ببريق قاتم، وكأنهما تعكسان صراعًا داخليًا أُشعل للتو. شد قبضته حول الكتاب، وشعر بتيار من القوة يتدفق في عروقه، ليس من الحروف، بل من جوهر الكتاب نفسه.

تمتم بصوت منخفض، لكنه حمل في نبرته ما يكفي لتهتز به أركان المكان:

"سأراك يا أخي... قريبًا."

كانت كلماته كالوعد، أو التهديد، لا يعلم. لكنه أحس بشيء يتحرك في داخله. وكأن الكتاب لم يمنحه كلمات فقط، بل جرعة من القوة الغامضة، قوة ليست كلمات على الورق، بل إرادة تسري في أعماقه.

نظر إلى التنين خلفه، الذي زأر وكأنه يوافقه، ثم عاد بعينيه إلى الكتاب، متسائلًا عمّا يخبئه له القدر بعد هذه اللحظة

وقف سيمرامس فوق التنين الأسود، نظر إلى الأفق بنظرة صارمة وقال:

"سنذهب إليه الآن، أيها التنين."

كان صوته أمرًا لا يقبل النقاش، ونظرته تعكس يقينًا لا يتزعزع.

على الجانب الآخر، كان ياتو جالسًا في حديقة المنزل، عينيه غارقتان في التفكير العميق. شعر وكأن شيئًا كبيرًا يقترب، فنظر إلى السماء. هناك، رأى التنين الأسود يجول حول الأرض القاحلة، يهبط ببطء نحو الأرض، ومعه... أخاه.

عيناه اتسعتا من الصدمة عندما رآه، وكأن الزمن توقف للحظة. عندما تقابلا، وقعت أعينهما على بعضهما البعض، ولم يستطع أي منهما كتمان دهشته. في آنٍ واحد، قال الاثنان:

"كم تغيرت."

ثم انفجرا بالضحك على تزامن كلماتهما، وكأن اللحظة تلك أعادت لهما ذكريات الطفولة.

تقدم سيمرامس بخطوات هادئة ووضع يده على كتف ياتو، ينظر إليه بعينين مشعتين بالسعادة:

"لو كنت أعلم أنك ستصبح بهذا الشكل، كملكٍ عظيم، لكنت قلت لك اذهب من زمن بعيد."

نظر إليه ياتو، مصدومًا، لكنه شعر بسعادة مفرحة تخفي وراءها الكثير، وقال ممازحًا:

"وأنت تبدو وكأنك عزرائيل قادم ليقبض روحي، ما هذه الهيبة، يا رجل؟!"

لكن في أعماقه، كان ياتو يفكر:

"هذا أخي... لم يتغير. هل يمكن أن أجعل القوتين متصالحتين؟ لا عدوتين؟ لا أعتقد أنه ينوي قتلي أصلاً."

بينما هو غارق في أفكاره، قال سيمرامس فجأة وكأنه قرأ ما يدور في قلب أخيه:

"الأخ لا يقتل حياته... وأنت جزء منها."

صدم ياتو، ثم تساءل بدهشة:

"هل قرأت ما في قلبي أم ماذا؟!"

ضحك ساخرًا ليخفف التوتر، ثم قال:

"ولمَ قلت هذا؟ هل رأيت شيئًا دفعك لتقول ذلك؟"

نظر سيمرامس إلى ياتو بنظرة عميقة، نظرة فراغ وكأن لا شيء في قلبه سوى الهدوء الغريب. أخرج كتابه وقال:

"القوة أعطتني هذا."

ثم جلس بجانب أخيه.

نظر ياتو إلى الكتاب وقال متعجبًا:

"لكن... إنه لا يشبه الكتاب الذي في منزلنا!"

ابتسم سيمرامس وأجاب:

"أعلم ذلك. إنه أمر حيرني أيضًا، لكن يبدو أن هذا الكتاب صنع من سحر الكتلة نفسها. يبدو أنه هو الأصل، والكتاب في المنزل مجرد نسخة معكوسة تترقب قدومنا."

ياتو، الذي كان يعلم بهذا في أعماقه، لم يُظهر الصدمة، لكنه قال:

"هذا مذهل... أنا أيضًا أحمل كتابًا."

ابتسم سيمرامس، وكأن هذا ما كان ينتظره تمامًا.

أخرج ياتو كتابه، ونظر إلى أخيه قائلًا:

"انظر، يشبه ذلك الموجود في منزلنا، لكنه يشع نورًا."

ابتسم سيمرامس، مشيرًا إلى كتابه الذي يشع بالظلام:

"وكتابي يشع بالظلام. ألسنا كمالاً لبعضنا البعض؟"

ضحكا معًا. ياتو، وعيناه تلمعان بتساؤلات جديدة، قال مبتسمًا:

"إذن... لن نقاتل بعضنا البعض، صحيح؟"

نظر له سيمرامس نظرة رضا وهدوء، وأجاب بثقة:

"صحيح، يا أخي."

شعر ياتو براحة كبيرة تجاه أخيه سيمرامس، وكأن حديثهما أزال كل شكوكه. لكن قبل أن يتعمقا في حوارهما، قاطعتهما خطوات مسرعة تقترب. دخلت هيستوريا إلى الساحة بعينين قلقتيْن وصوت هادئ لكنه عاجل:

"السيد سيمرامس!"

رفع سيمرامس نظره نحوها، ثم ابتسم بسخرية مرحة وقال:

"ومن تكونين أنت؟ حبيبة أخي؟! يبدو أنك لم تضيّع وقتك يا ياتو، بضعة أيام فقط وجلبت حبيبة!"

ضحك بخفة بينما قرصه ياتو على فخذه بتوتر وقال معتذرًا:

"سيمرامس! كفاك مزاحًا... هيستوريا، لا تقلقي، هذا أخي، لن يؤذيك."

نظر سيمرامس إليها بابتسامة واسعة وقال:

"ولما أؤذيكِ يا جميلة؟ لا أؤذي الفتيات، هذا ليس طبعي."

لكن هيستوريا، التي لم تخفِ دهاءها، ردّت بنظرة ماكرة ونبرة حادة:

"هذه طبع العناكب، أليس كذلك؟"

ثم استدركت:

"اعذروني لأنني قاطعتكم. أستأذن سيد ياتو."

خرجت ببطء وثقة تامّة، تاركة سيمرامس ينظر خلفها باندهاش وقال:

"من هذه بحق الآلهة؟!"

ابتسم ياتو قليلاً وقال:

"إنها هيستوريا، حارسة قوتي. لقد خُلقت من أجل أن تكون درعي وحمايتي."

ياتو الذي بدا وكأن الفكرة أثارت فضوله، سأل مبتسمًا:

"وأنت؟ هل لديك حارسة أيضاً؟"

صمت للحظة وكأن الفكرة أربكته، ثم تبسّم بخفة وقال:

"لا... ولِمَ أحتاج واحدة؟ أنا القوة بحد ذاتها."

ضحك ياتو ساخراً وقال:

"ثقتك بنفسك عمياء يا أخي!"

في تلك الأثناء، كانت هيستوريا تقف خلف الجدران، تستمع إلى حديثهما بصمت. عيناها تضيقان بشك، وقلبها يضطرب. فكرت مع نفسها:

"لماذا أتى سيمرامس إلى أخيه؟ لماذا يعامله بكل هذا اللطف؟ هل سيطر على قوته ليُبقي علاقته مع ياتو حميمية؟ أم أن القوة نفسها تدفعه للتصرف هكذا ليكسب ثقته؟"

توقفت لحظة، وهي تفكر أكثر بعمق:

"أم أن الأمر أبعد من ذلك؟ ربما سيمرامس هو من يتصرف بهذه الطريقة ليكسب ثقة ياتو بنفسه. احتمال واقعي... قلبه مليء بالشر. قد يكون تغلب على قوته، لكنه لم يتغلب على سوادها. قلبه بات أسود كالليل، بينما قلب ياتو أبيض كالثلج. المشكلة أن ياتو سيثق بأخيه، لكنه لن يثق بي إذا حذرته منه. يا لها من مصيبة... لماذا الأعداء دائمًا إخوة؟"

ثم أغمضت عينيها ورفعت رأسها نحو السماء، وكأنها تطلب إجابة من المجهول

توقف سيمرامس فجأة أثناء حديثهما، ونظر إلى ياتو بتفكير عميق قائلاً:

"هل لديك خطة؟ كيف سنجلب عائلتنا إلى هنا؟"

أجاب ياتو بهدوء:

"هيستوريا أخبرتني أنها تحرسهم من بعيد مع جنديين روحيين."

تبسّم سيمرامس بثقة وقال:

"إذاً، سأجلبهم بنفسي حين ننهي أمر المملكتين."

نظر له ياتو بعينين مليئتين بالطمأنينة والرضا، وقال:

"لك ذلك، أخي."

ثم وقف واقترب منه، واحتضنه براحة وصدق. همس له:

"لا تجعل قلبك قاسيًا يا سيمرامس... أنا انتظرك."

ابتسم سيمرامس دون أن ينبس بكلمة، وكأن عناق أخيه كان كافيًا لتهدئة قلبه، ثم استدار ومضى مبتعدًا.

بينما كان عائدًا إلى منطقته، بدأت الأفكار تتزاحم في رأسه. كان صمت الليل يتيح له الغوص في أعماق تفكيره. همس لنفسه:

"لماذا لا أصنع جيشًا من قوتي؟ سأفعل ذلك... ولكن بعد أن أنهي قراءة الكتاب وأبني المملكة."

أدار عينيه نحو التنين الذي كان يحلق به في السماء. ابتسم بسخرية وقال:

"وأنتِ، أليس لديكِ قصة؟ ما سرّك؟"

لكن التنين، كعادته، لم يُجب. بقي صامتًا، يحلق برصانة، وكأن صمته يحمل معاني أكبر من أي إجابة.

استمرّ التحليق، وسيمرامس مستغرق في أفكاره، حتى بدأت الأرض التي ينتمي إليها تظهر أمامهما. الطائرات السوداء المكسوة بالرماد، والطبيعة التي تكسوها الظلال، كل ذلك بدا مألوفًا. شعر بنبض في قلبه، وكأن هذه الأرض تستجيب لوجوده.

همس لنفسه بابتسامة خفيفة:

"هذه ليست النهاية، بل البداية."

ريثما حل الليل نام ياتو براحة لم ينلها منذ فترة ولكن

في إحدى زوايا الحديقة الهادئة بالقرب من المنزل، تجلس هيستوريا بجانب نافورة صغيرة، تمشط شعرها الذهبي الطويل بتأنٍ وكأنها تتأمل الطبيعة. يسمع خطوات تقترب، فتلتفت لترى سيمرامس يقترب منها بابتسامة هادئة.

سيمرامس (بنبرة ودودة):

"أراكِ دائمًا منشغلة بالتفكير، هيستوريا. هل تسكنكِ الحكمة أم أنكِ فقط تُخططين لكل شيء حولك؟"

هيستوريا (تنظر إليه بحدة خفية، ثم تبتسم):

"ربما كلاهما. الحكمة تُعلِّمنا كيف نُخطط، والتخطيط يجعلنا نبقى خطوة أمام الآخرين، أليس كذلك؟"

سيمرامس (يجلس على مقعد قريب، ويداه متشابكتان أمامه):

"صحيح... يبدو أن ياتو اختار حارسة تفهم اللعبة جيدًا. أخبريني، كيف يمكن لشخص أن يتحكم بهذه القوة ولا يدعها تتحكم به؟"

هيستوريا (بابتسامة ساخرة):

"بالثقة، وبالنية النقية. القوة تُطوع للأهداف، لا تُستخدم للأهواء. لكن هذا درس يعلمه الجميع، وليس الجميع يتعلمه."

(تلتفت لتنظر في عينيه مباشرة)

"وأنت، سيد سيمرامس؟ ما الذي دفعك لتصبح سيد العناكب؟ أهو شغف بالقوة أم شيء آخر؟"

سيمرامس (يُبدي قناعته الواثقة، لكن نبرة صوته تخفي اضطرابًا طفيفًا):

"القوة وسيلة، وليست غاية. قد يكون السبب بسيطًا... أردت حماية نفسي وعائلتي، مثل ياتو تمامًا. الفرق أننا اخترنا طريقتين مختلفتين."

هيستوريا (تميل رأسها قليلاً، وابتسامة صغيرة ترتسم على شفتيها):

"طريقتان مختلفتان، ولكن... النية هي التي تحدد الطريق. القوة وحدها لا تكشف عن النوايا."

(ثم تضيف بنبرة مريبة)

"أخبرني، سيد سيمرامس، هل النوايا لديك طاهرة كقوتك التي تملؤها العناكب؟"

سيمرامس (يضحك بخفة):

"أنتِ ذكية جدًا، ربما أذكى مما توقعته. لكن أخبريني... هل هذا الذكاء يجعلكِ تشكين بكل شيء؟"

هيستوريا (تقف، وتنظر إليه بجدية وهي تتجه نحوه):

"أنا لا أشك بكل شيء، فقط بالأشياء التي تبدو... مثالية أكثر من اللازم. وثقتك بأخيك مثالية جدًا لدرجة تجعلني أفكر... هل تكفي الثقة وحدها بينكما، أم أن هناك شيئًا آخر يُبقي الأمور متماسكة؟"

سيمرامس (يلتقط هذه الجملة كأنه استشعر خطرها):

"الثقة ليست ضعفًا يا هيستوريا، وأخي يعرف ذلك جيدًا. أنا هنا لأدعمه، لا لأخذ مكانه. مهما بدا لكِ الأمر، نحن أخوة أولاً وأخيرًا."

(ثم يبتسم ويضيف)

"وأنتِ؟ هل ثقتكِ بياتو تزعجكِ أحيانًا؟"

هيستوريا (تدير ظهرها له وتنظر إلى النافورة):

"ثقتي بياتو لا تهتز، لكنني تعلمت أن أراقب الجميع. حتى أولئك الذين يقولون إنهم يدعمونه."

(تلتفت لتنظر في عينيه بحزم)

"لا أخطئ في التقدير، سيمرامس. وأرجو ألا تُجبرني على ذلك."

سيمرامس (ينهض بهدوء، وعيناه تتراقص بين الغموض والاحترام):

"أحترم حذركِ، هيستوريا. لكنه غير ضروري. ياتو أخي، وسأفعل المستحيل لحمايته، مثلك تمامًا."

(يتراجع خطوتين، ثم يضيف بابتسامة باهتة)

"لكن ذكاؤكِ يجعلني أتمنى أن تكوني إلى جانبي، لا في مواجهتي."

هيستوريا (تتجاهل كلماته الأخيرة):

"ذكائي ليس قوة، سيمرامس. هو مجرد عين ثالثة تراقب ما لا يراه الآخرون."

(ثم تضيف بنبرة قوية)

"لا تخطئ في تقدير العين الثالثة."

في الصباح التالي، استيقظ ياتو على صوت هيستوريا تناديه بهدوء: "استيقظ، مولاي، أريدك أن تتحلى بالشجاعة. اليوم ستكمل الكتاب، لم تقرأ سوى ثلاث صفحات." جلس ياتو على سريره، ينظر إليها بحيرة، فالأمر بدا له غير مألوف.

"الطعام قبل كل شيء!" قالها بابتسامة خفيفة وهو يحاول أن يغير الحديث.

أعطته ماءً، ثم قبلت جبينه قائلة: "صباح الخير، مولاي."

لم يكن معتادًا على هذا التصرف منها، فقد كانت هذه هي المرة الأولى التي تلامس فيها وجهه بهذا القدر من الرقة. ومع صدمته ورقتها، سكب بعض الماء على ثيابه عن غير قصد. انهمرت ضحكاتها، وقالت ضاحكة: "آسفة، يبدو لم أمسكك إياها جيدًا."

نظر إليها ياتو، محاولًا إخفاء خجله المتزايد، وقال بصوت منخفض: "في المرة القادمة، امسكيها جيدًا. انظري ماذا حدث."

ضحكت هيستوريا في قلبها قبل أن ترد عليه: "يرمي اللوم عليّ، وهو من الخجل فعل ذلك."

عندما انتهى ياتو من تناول طعامه، استعد لفتح الكتاب. فتح الصفحة الرابعة ليجد رسمة لرجل شكله يرعب إمبراطورية بأكملها، ربما حتى هو نفسه كان يشعر ببعض الرهبة تجاهه، رغم أنه مجرد رسم على الورقة. فوق الرسم كان هناك نص محفور كالحفر على الورقة: "أسطورة الجللار".

توقف ياتو لثوانٍ، يفكر في ما إذا كانت هذه أسطورة لكتلة جديدة أم شيء آخر. ثم نظر إلى النص الذي كان تحت الرسمة وقرأ: "أسطورة الجللار، سلاح الملك المختوم الذي لم يظهر بعد."

استمر في القراءة، فوجد أن الجللار يملك جميع القوى التي تملكها الكتلة، وهو قادر على استعمالها بكفاءة عالية. لكن ما جعله يشتبه في شيء غير عادي كان ما كتبه الكتاب عن هذا السلاح: "إذا استطاع الملك هزيمته، قد يبدو الجللار ضعيفًا، لكن إذا هُزم الملك على يده، فإنه لن يستطيع مقاومته أحد، سوى ما هو مجهول في هذا الكتاب."

وكان ما هو مجهول يبدو واضحًا: الكتلة الثالثة. شعر ياتو بثقل في عقله، وأخذ يفكر بعمق: "إذا كان هذا سلاحي، فأين هو؟"

وفجأة، ظهر نص جديد في الكتاب، كتب عليه: "سلاح لياتو فقط، لم يملكه أحد غيره." ثم أضاف: "وإني لمن أحب إنسانًا، ولمن لا أطيق الجللار لا يقهر."

شعر وكأن الجللار نفسه كان يقول هذه الكلمات أمامه. وفجأة، اختفت الجملتان من الكتاب، تاركتين فقط رمادًا ذهبيًا يلمع برفق في المكان

في تلك الآثناء، كان سيمرامس أيضًا يتصفح صفحة في الكتاب، حيث كانت الصورة كلها سوداء، وفوقها صورة لامرأة تُظهر وكأنها تقتل من يراها، مما جعله يشعر بشيء غريب، وكأنه قد يُقتل أيضًا، رغم أنها مجرد رسمة. كانت فتاة ذات شعر أسود وعينين سوداوتين متزخرفتين بعلامة ملكية مشابهة لتلك التي في عينيه.

فوق الرسمة كان هناك نص محفور يقول: "أسطورة آشتار". وكتب تحتها: "العداوة الجللارية وآشتار."

أثار إعجابه هذا التوافق بين جللار وآشتار، فتأمل الكتاب وهو يتساءل: "من هو جللار، ومن هي آشتار؟" ثم قرأ النص التالي، ليكتشف المزيد: "سلاح الملك الفتاك، لها القدرة على رؤية حاضرك، ماضيك ومستقبلك. لديها القدرة على التلاعب بموتك أيضًا. لا تقلق، ستموت عند رؤيتها، لكن الحاكم هو الذي تنحني له فقط. إن هزمته، فهو الأضعف. هذا الشرط لا يمكن أن يحققه العناكب. هو الوحيد القادر على التحكم بها، كأنها لعبة في يديه."

اندهش سيمرامس مما قرأ، وتساءل في نفسه: "لكن أين هي بحق الجحيم؟ إذا كانت سلاحي، فلماذا ليست موجودة بعد؟"

لم يكن سيمرامس يعلم أن الكتاب الذي بين يديه مليء فقط بمعلومات العناكب الواسعة، بينما أول ثلاث صفحات فقط منه تتشارك مع كتاب النوراغامي. كان الكتاب يحتوي على تفاصيل معقدة وعميقة عن العناكب، أسرار لا تنتهي حولها، ما جعل فضوله يزداد حول الكتاب الآخر.

وفي الوقت نفسه، كان ياتو في نفس الوضع تقريبًا. كتابه مليء بمعلومات النوراغامي الواسعة، مع تفاصيل غير محدودة حول هذا العالم الغامض. لكن أول ثلاث صفحات منه تتشارك مع كتاب العناكب، مما جعله يشعر بالفضول أيضًا حول ما يحتويه الكتاب الآخر

2025/02/18 · 28 مشاهدة · 3436 كلمة
Hazar Qa
نادي الروايات - 2026