"قلب الصفحات كان كمن ينزع الستار عن أسرارٍ دفينة، أسرارٍ تهمس بعظمة عالمهم الغريب... عالم العناكب."
عمرهم؟ لا يُقاس بالسنين التي يعرفها البشر. يمكنهم أن يعيشوا لألف عام... أو ربما أكثر، إلا إذا انكسرت شروط بقائهم الغامضة. هذه الشروط التي لا يعرفها إلا القلة، وكأنها كُتبت في الظلال لا النور.
القوانين؟ في عالمهم، لا مكان للفوضى. الملكة؟ رغم قوتها وهيبتها، إلا أنها لا تصنع القوانين. بل الملك، بحنكته وسلطته، هو من يخط مصير المملكة بيده، كأنها لعبة شطرنج بقطعٍ من أرواح.
الغذاء؟ هنا يكمن سر قوتهم... وسبب هيبتهم التي تخيف حتى الشياطين. أكل أجسادهم لبعضهم يمنحهم قوة لا مثيل لها، وكأنهم يلتهمون القوة ذاتها. أما أجساد الإنس والجن؟ فهي تُعد كنزًا نفيسًا، قوة خام لا تُضاهى، تزيد من قدراتهم بشكل مرعب.
قدراتهم العقلية؟ ليسوا بحاجة إلى الحديث أو النظر في العيون ليعرفوا ما تخفيه النفوس. بمقدورهم قراءة الأفكار بسهولة، ليس كل الأفكار، بل تلك التي تتفجر بمشاعر الحب أو الكره. إذا أحبك أحدهم، أو كرهك، فإن أفكاره تصبح كتابًا مفتوحًا أمامهم، لا مجال للهرب من نظراتهم الحادة كالإبر.
"كانت الكلمات محفورة في أعماق الصفحات، كأنها بوابة لواقع لم يعشه بعد.
أثناء ذلك كان ياتو، جالسًا أمام الكتب التي تهمس بالخفاء، قلب الصفحات بحذر، وكأنها تحمل سرًا يتنفس بين السطور. عينيه مسمرتان على النصوص، يقرأها وكأنها ليست مجرد معلومات، بل نبوءة مستترة عن المستقبل."
المكتوب أمامه بدا وكأنه يتحدث عن شعب مختلف تمامًا:
العمر؟ ثلاث آلاف سنة، كأنهم كائنات خارج حدود الزمن.
الغذاء؟ النبات يشكل قوتهم الرئيسي، أما الهواء، فلا شيء يُضاهي نقاءه. إنهم يتنفسون هواء طبيعة النوراغامي النقي، الذي يخلو تمامًا من أي ملوثات، وكأنه هدية مقدسة من عالمهم. لكن مأساة وجودهم تكمن في ارتباطهم بهذا العالم؛ إذ لو غادروا أراضي النوراغامي، ينقص عمرهم سريعًا، وكأنهم يذبلون بلا جذور.
مكانة المرأة؟ المرأة هنا ليست كأي مكان آخر. تُحترم وتُقدس كأنها حجر الأساس لهذا العالم، وما من قوة تتعدى على مكانتها.
القوانين؟ لا مجال للخطأ هنا. السب؟ النفاق؟ الأفكار السوداء؟ وحتى الأفعال الدنيئة؟ جميعها يعاقب عليها الحاكم بقسوة، وكأن هذا الشعب خُلق ليبقى نقيًا للأبد.
النور الداخلي؟ هناك شيء فريد في قلوبهم. كلما ازدادت أفعالهم خيرًا، امتلأت قلوبهم بنور أبيض. وإن بلغوا الإخلاص الكامل، قلوبهم تتلألأ باللون الذهبي، لكن قلة هم من يصلون إلى هذه المرحلة النادرة، وكأنها أسطورة بحد ذاتها.
قرأ ياتو هذه الكلمات ولم يشعر أنها مجرد تفاصيل عادية. لا، بل كانت تعويذة غامضة، تقطر بالمستقبل أكثر مما تقطر بالماضي. شعر وكأن هذه المعلومات ليست له وحده، بل هي جزء من قصة قادمة ستبدأ قريبًا، قصة ستغير كل شيء.
"ياتو رفع نظره عن الصفحة الأخيرة، وأخذ نفسًا عميقًا. همس لنفسه بصوت بالكاد يُسمع:
‘هذه ليست مجرد كلمات... إنها رسائل لي... رسائل لا أفهمها بعد.’”
"كانت الصفحات التالية لكليهما تشير إلى شكل المملكة التي سيصنعونها. تدرب ياتو وكانت هيستوريا معه بكل خطوة، حتى أتقن استعمال القوة، وسيمراميس كذلك. توقفت هيستوريا فجأة، تقول له بسعادة:
‘جاهز، سيدي؟’
هز برأسه علامة الموافقة وهو يبتسم.
قالت له بحماس: ‘الآن اجلس بحيث تكون ركبتيك على الأرض وأصابع يديك أمامك تلامس الأرض. ثم مد الأرض من قوتك. هل فعلت؟’
نظر لها بابتسامة وقال: ‘أجل.’
قالت له بفرح: ‘أغمض عينيك وفكر بشكلها فقط. امدها بقوتك، ومهما حدث، لا تفلت يديك عن أرضها.’
أغلق ياتو عينيه، وبدأ يتخيل المملكة. شيئًا فشيئًا، بدأ العالم يتشكل في ذهنه كأنه ينظر إلى حلم يتنفس الحياة.
البئر العميق:
كان أول ما تخيله هو بئر عميق يفصل المملكة عن العالم الخارجي والعالم السفلي. بدا البئر بلا قاع، تضيئه خيوط ضوء أزرق تتوهج من داخله، وكأنها تحمل سرًا دفينًا. في أسفل البئر، كان التنين العظيم مستلقيًا، أجنحته العريضة تطوي العالم السفلي بأكمله، وعيناه تتوهجان كجمرة تحتفظ بلهيب لا ينطفئ.
القصر الكريستالي:
وسط المملكة، ارتفع قصر عظيم مصنوع من الكريستال النقي، يشع بريقه كأنه شمس صغيرة تتوسط الأرض. جدرانه تعكس ضوء الشمس والقمر، مما يضفي على السماء فوقه ألوانًا متلألئة. أمام القصر، نافورة كبيرة تنبثق منها مياه متوهجة، يُقال إنها تمنح القوة والصفاء لكل من يشرب منها.
الأبواب التسعة:
على أطراف المملكة، وقفت تسعة أبواب عظيمة، مغلقة بإحكام، كل باب منها يروي قصة مختلفة:
أحدها كان ذهبيًا، تزينه نقوش لنجوم وسُحب، تتوهج بخفوت كأنها تخبئ سرًا سماويًا.
الآخر كان مغطى بجليد أزرق لا يذوب، ينبعث منه نسيم بارد يبعث الحياة والرعب معًا.
باب ثالث كان يغطيه اللهب الذي يشتعل دون أن يحرق، يتراقص كأنه يحمي مملكة خفية من الغزاة.
أما بقية الأبواب، فكانت كل واحدة منها تحمل طاقة غامضة تجعل الناظر يشعر بالرهبة.
الطبيعة المحيطة:
الغابات كانت تمتد بلا نهاية، أشجارها شاهقة، أوراقها شفافة كالألماس تعكس ألوان الطيف. الأنهار التي تخترق الغابات كانت تتوهج بضوء فضي، تشق طريقها بين التلال التي تزينها أزهار نادرة تتوهج في الليل.
السماء والمناخ:
السماء فوق المملكة دائمًا مضيئة، وكأنها قماش أزرق مرصع بالنجوم حتى في وضح النهار. قوس قزح يظهر باستمرار، متناغمًا مع الجمال المحيط.
مع كل لحظة تمر، كان ياتو يشعر بقوته تتغلغل في الأرض، تمنحها الحياة. رأى المملكة تتشكل أمامه، كأنها تولد من بين يديه. فجأة، همست هيستوريا بنبرة إعجاب:
‘رائع... أراها تتشكل. مملكتك يا سيدي.’
فتح ياتو عينيه ببطء، فرأى أمامه عالمًا جديدًا. عالمًا نقيًا ومهيبًا، مملكة تخطف الأنفاس، وكأنها خُلقت لتصبح أسطورة لا تضاهى."**
————————
"لم يكن لدى سيمراميس أحد يوجهه مثل ياتو. وقف وحيدًا على الأرض، ينظر إلى المساحات الفارغة حوله. بين يديه، كان الكتاب مفتوحًا، يرسم صورة باهتة لمملكته المستقبلية. أغلق الكتاب وأغمض عينيه، وبدأت قوته تنتشر كالرماد، كأنها
عاصفة من الظلال تجتاح المكان. ببطء، بدأت المملكة تتشكل من حوله، لكنها لم تكن مكانًا للسلام أو النور."
الأرض الميتة:
أرض المملكة كانت سوداء كأنها رماد حريق قديم، صلبة ومتشققة، ينبعث منها دخان رمادي يتصاعد نحو السماء بلا توقف. تحت الأرض، كانت تظهر جذور سوداء ملتوية تتحرك كأنها تبحث عن شيء تبتلعه.
السماء المظلمة:
السماء فوق المملكة كانت مغطاة بسحب داكنة لا يظهر منها نور شمس ولا قمر. البرق الأحمر كان يشق السحب بين الحين والآخر، يضيء المكان للحظات قبل أن يعود كل شيء إلى عتمته.
القلعة السوداء:
في منتصف المملكة، ارتفعت قلعة ضخمة مصنوعة من حجر أسود لامع كالمرايا، تعكس كل شيء حولها بصورة مشوهة. الأبراج كانت مرتفعة كأنها تخترق السماء، والنوافذ مغلقة بألواح معدنية سوداء، وكأنها تحجب العالم الداخلي عن الخارج. على بوابة القلعة، كان هناك رأس تنين منحوت يخرج منه دخان أسود كثيف، ينذر أي شخص يقترب بالخطر.
الغابات الملعونة:
على أطراف المملكة، غابة كثيفة من الأشجار الميتة، جذوعها ملتوية كالأيدي، وأغصانها عارية تمامًا. بدلاً من الأوراق، كانت خيوط سوداء تتدلى منها، تتحرك بلا رياح، وكأنها حية. كان في الغابة أصوات همسات غامضة، وكأن الأرواح المفقودة تسكنها، تبحث عن مخرج ولا تجده.
البحيرة المسمومة:
في جانب آخر من المملكة، كانت هناك بحيرة واسعة، مياهها سوداء كالحبر، تنبعث منها رائحة كبريت خانقة. السطح كان يعكس انعكاسات غريبة، كأنها وجوه مختبئة في الأعماق، تراقب بصمت.
الأبواب الخفية:
لم تكن هناك أبواب واضحة مثل مملكة ياتو. بدلاً من ذلك، ظهرت فتحات في الأرض، دوائر سوداء تتوهج بضوء أحمر ضعيف، وكأنها مداخل إلى عوالم أخرى مليئة بالرعب. كل فتحة كانت تُصدر صوتًا مختلفًا، كصراخ أو بكاء، وكأنها تحذر من الاقتراب.
"وقف سيمراميس في منتصف هذه المملكة المظلمة، ينظر حوله. كان وجهه بلا تعبير، لكنه شعر أن هذه الأرض تعكس جوهره. همس بصوت منخفض:
‘هذه مملكتي... أرض الظلال، حيث لا يجرؤ أحد على الاقتراب.’
بدا أن المملكة تتنفس معه، وكأنها كيان حي نشأ من قوته. مع كل خطوة يخطوها، كانت الأرض تهتز، والظلال تتراقص من حوله، تنتظر أوامره لتبدأ من عهد جديد
---
"كانت إحدى البوابات التسع التي ظهرت في مملكة ياتو تتميز بشيء مختلف تمامًا. باب مظلم ذو نقوش معقدة تشبه خيوط العناكب، تتشابك وتتحرك ببطء وكأنها على قيد الحياة. كان هذا الباب مغلقًا بإحكام، لكنه يحمل خلفه سرًا خطيرًا: إنه البوابة الوحيدة التي تربط مملكة العناكب بمملكة النوراغامي.
رغم أن البوابة مغلقة الآن، إلا أنها تحمل في طياتها احتمالًا غامضًا ومخيفًا. إذا فُتحت يومًا ما، فستتصل المملكتان ببعضهما، وستظهر كل واحدة أمام الأخرى كمرآة تعكس قوتين مختلفتين. وإذا توحدت هاتان القوتان، ستتشكل إمبراطورية عظيمة، بحاكم واحد، قادرة على تغيير مصير العوالم جميعها.
لكن هذا لم يكن الوقت المناسب... أو ربما لن يحدث أبدًا. سيمراميس، الذي كان يشاهد تشكيل مملكته بعينيه الباردتين، لم يكن ليفكر في الوحدة. أما ياتو، فقد كان يشعر بشيء غريب تجاه تلك البوابة، وكأنها تناديه، تدعوه لاستكشاف ما وراءها.
همس ياتو لنفسه وهو يراقب الباب الغريب:
‘هذه البوابة... لا أستطيع تجاهلها. لكن الوقت لم يحن بعد.’
وفي الطرف الآخر، في مملكة العناكب، كانت سيمراميس ينظر إلى نفس البوابة، والتي كانت تبدو من موقعه كنافذة تطل على مملكة النوراغامي. عيناه تلمعان بخطرٍ خفي، لكن ابتسامته لم تكن تحمل أي إجابة واضحة.
‘الوحدة؟’ فكر سيمراميس بصمت. ‘ربما... لكن ليس الآن. الآن هو وقت بناء القوة، وليس التحالف.’
عند ياتو ....
ياتو (بدهشة، وعيناه تلمعان وكأنه يوشك على البكاء):
"لقد فعلتها!"
(ينظر إلى هيستوريا، يشير نحو المملكة بحماسة طفولية لا تخفى).
"هيستوريا، انظري! هذه المملكة... ذلك القصر، الغابات، البئر، كل شيء! لقد أصبحت حقيقة!"
هيستوريا (تتبسم بخفة، ثم تنحني له احترامًا وهي تمسك بشيء في يدها):
"مولاي، تبقى شيء واحد فقط ليكتمل الحلم."
(يرفع ياتو نظره نحوها، ليرى التاج بين يديها. تتوقف عيناه على التاج وكأنه قطعة من عالم آخر. تاج مذهل، يشع بهاءً ومهابة).
كان التاج كتحفة نُحِتت من نور النجوم. صنع من ذهب نقي يلمع كأشعة الشمس عند الشروق، تتداخل في تصميمه نقوش دقيقة تشبه أغصان الزيتون، ترمز للسلام والقوة. تتخلله أحجار زرقاء متلألئة كبحيرات سماوية تعكس الضوء بخفة ساحرة، وفي مركزه حجر زبرجد كبير، كأنه قلب ينبض بالحياة. كانت حوافه مرصعة باللؤلؤ الأبيض، تضفي عليه رونقًا ملكيًا وكأنه قُدِّر ليزين رأس أعظم ملوك التاريخ.
هيستوريا (بنبرة مطمئنة، لكن عينيها تتألق بالدموع):
"ستحكم العالم بيديك، مولاي."
(أخذ ياتو لحظة للتأمل في كلماتها، ثم حنى رأسه قليلاً وهي تضع له التاج على رأسه برفق، وعيناها مليئة بالدموع التي تعكس فرحة وسلامًا عميقين. وكأن هذا التاج لم يكن مجرد رمز للحكم، بل للرحلة الطويلة التي قطعها للوصول إلى هنا).
(ثم انحنت له، وكأن المملكة نفسها كانت تنحني بين يدي ملكها الجديد، معبرة عن احترامها وتقديرها).
لكن في تلك اللحظة، وبسبب سعادته الغامرة، وبعفوية لا تشبهه، احتضنها ياتو بقوة.
ياتو (صوته يحمل عمق الامتنان):
"الشكر لكِ، هيستوريا."
(وقفت هيستوريا متجمدة للحظة، محتارة بين مشاعرها. كانت خجلة من تقبّل اللمسة الملكية، لا تعرف إن كان يجب أن تضع يديها على ظهره كما يفعل الأحبة أم أن ذلك يعدّ تصرفًا غير لائق لأنه الملك الآن. لكن ياتو لم يُظهر أي تردد، فقط احتضنها بقوة، وعيناه مليئة بالسعادة التي تنبض بالراحة والطمأنينة)
ياتو (بخجل، وكأن الكلمات تتردد على لسانه):
"أنا..." (يتوقف للحظة، ثم يعاود المحاولة، لكن خجله يمنعه من إكمال الجملة).
ثم يتنهد ويبتسم بخفة، ويقول بحياء:
"أنا..." (ثم يتوقف مرة أخرى، وكأن فرحه يغمره ولا يدعه يكمل).
هيستوريا (بابتسامة رقيقة):
"أنت ماذا، سيدي؟"
ياتو (يبتسم بخجل، ويهز رأسه بلطف):
"لا شيء... انسِ ذلك. نسيت ماذا كنت أريد قوله. فرحي الآن يجعلني لا أستطيع التعبير
تلك الاثناء كان سيمرامس
(ينظر حوله بنظرة المنتصر، وفمه يخط ابتسامة خفيفة وهو يردد لنفسه):
"أخيرًا... الآن حان وقت خطوتي التالية، حتى تكتمل السعادة."
(يأخذ نفسًا عميقًا ويبدأ في تحريك يديه في طقوس معقدة، كأنما يبدأ في أداء سحر قديم. الجو من حوله يتغير، وتنقض ظلال داكنة على الأرض)
(أخذ يتلو كلمات غير مفهومة، يداه تتحركان في الهواء بشكل سريع ومهارة، بينما أفق السماء يتحول إلى ظلال داكنة متراصة حوله. الصوت يزداد قوة مع كل خطوة من خطواته في السحر).
سيمراميس (وهو يرفع يديه عاليًا، والعينان تتألقان بشدة):
"لتظهر القوة التي تحت الأرض... جنود من أعماق الظلام!"
(وفي اللحظة التي ينتهي فيها من التعاويذ، تبدأ الأرض بالاهتزاز، وتتفجر الظلال حوله، مئات الجنود يخرجون من الأعماق، يتشكلون أمامه في صفوف، عيونهم فارغة لكنهم مستعدون لأوامره، وجميعهم يقفون في صمت مطلق، في تناغم غريب)
ركب سيمرامس فوق التنين، حلق عالياً في السماء، مبتسمًا ابتسامة الشرير القاهر. كانت مملكته تحت قدميه، وكل شيء تحت سيطرته. أمر التنين بالتسارع قائلاً: "لنذهب إلى ياتو بسرعة."
من بعيد، رأى ياتو التنين يقترب بسرعة، وفجأة انفجر تنين النوراغامي، هائجًا، يلتف حول ياتو، حاول تهدئته بحركات هادئة. ولكنه فوجئ بتصرف أخيه الذي قفز من رأس التنين، قبل أن يهبط، ليحتضن ياتو بحماس قائلاً: "مبارك، مبارك! كنت متأكدًا أنك ستفعلها يا ياتو!"
ابتسم ياتو قائلاً: "لكن انتظر لأبعد التنين، دعني أحتضنك بشكل لائق." فابتعد التنين بتأنٍ.
ياتو، وقد ملأت الابتسامة وجهه، نظر إلى أخيه قائلاً: "وأنت فعلتها؟"
أجاب سيمرامس: "فعلتها! نحن في مرحلة جديدة من بناء المملكة. بنيت مملكة الظلام خاصتي
لكن عندما سمع ياتو كلمة "مملكة الظلام"، شعر القلق يعتصر قلب هيستوريا. مجرد التفكير في عودتها جعل جسدها يرتجف، وملامحها تتجمد.
لاحظ ياتو ذلك، فأسرع ليحول ملامح وجهها إلى ابتسامة، وأشار لها لتبارك لهما. لكن هيستوريا قالت: "الآن، تبقى شيء واحد."
تفاجأ الاثنان معًا، وقالا في نفس اللحظة: "ماذا الآن؟"
هيستوريا : "لا تقلقا، سأتولى هذا الأمر بنفسي."
ابتسم ياتو وقال: "إذا كان الأمر صعبًا، أخبريني، سأهتم بذلك."
فجأة أمسك سيمرامس يدها وقال: "لا تقلقي، سيدتي الجميلة. آمري، سأنفذ ما تريدين."
أبعدت يدها، وعيناها مليئة بالخجل، وقالت: "شكرًا لك على لطفك، سيد سيمرامس."
ثم قالوا معًا: "تبقى الثمار، الفواكه، واللحوم."
لكن هيستوريا هزت رأسها وقالت: "اهدأوا، ستطيرون من الحماس."
ضحكوا جميعًا، بينما نظر سيمرامس إلى هيستوريا وقال: "شكرًا لأنك اعتنيت بأخي."
"أريد أن آخُذك إلى مملكتي لتري أين التربة المناسبة للطعام." قال سيمرامس.
نظرت هيستوريا إليه بخيبة وقالت: "آسفة، سيدي، لا أستطيع تحمل العيش في مملكتك ولو للحظة."
فزع ياتو وقال: "ولماذا؟"
أجابت هيستوريا بهدوء: "النوراغامي يموتون عندما يتنفسون هواء العناكب لفترة طويلة؛ لأنه سام."
رد سيمرامس سريعًا: "لا تقلقي، سأصنع لك عازلًا خاصًا."
لكن ياتو اعترض قائلاً: "أنا من سيصنع ذلك، إنها تخصني."
توهجت عيون سيمرامس بحماس: "تخصك؟"
توتر ياتو، وأجاب بسرعة: "أعني من قوتي... هي حارستي، أنا مَلكِها."
ضحك سيمرامس وقال: "مَلكِها؟ أم مُلكِها؟"
فأصاب ياتو الخجل وقال: "احترم نفسك! أنا لم أقصد ذلك!" وعيناه مليئة بالخجل.
نظرت هيستوريا إليهما وقالت بخجل: "أهدئا من تصرفاتكما."
رمقه سيمرامس لياتو بحماس " خجلت منك لقولك تخصني "
قال ياتو وهو يقرصه: "آسف، سينيورتا. سأصنع لك العازل بمفردي."
هيستوريا: "لي الشرف، مولاي."
هيستوريا: "بكل بساطة، سأعلمك. رغم أنك الملك، يجب أن تتعلم بنفسك، لكن بما أنها حالة اضطرارية لأجل سيمرامس فقط، سأساعدك."
سيمرامس (بابتسامة ساخرة): "أم أنك معجبة بي، يا فتاة؟ أم أن هذا كله مجرد استعجال لجلب العائلة؟"
هيستوريا (بحدة): "لأجل العائلة، سيدي."
قاطعهم ياتو بحماسة: "علميني بسرعة!"
أخذت هيستوريا زمام الأمور وعلمته ذلك ليلف جسدها بالعازل
ياتو (باندفاع): "هل نذهب الآن؟"
سيمرامس (بابتسامة مرحة): "لنذهب الآن."
انطلقوا الثلاثة في طريقهم إلى مملكة العناكب، وكانت هيستوريا تراقب كل شيء من حولها، كل تفصيلٍ دقيق، وعينيها تتسابقان بين الخوف والدهشة.
قال ياتو لـ سيمرامس: "مملكتك تروي عنك أنك أكبر شرير رأته عيناي."
ابتسم سيمرامس بابتسامة خبيثة، ثم محاها قائلاً: "هذا فقط الشكل."
فهم ياتو الرسالة: "الشكل فقط، لكن داخل سيمرامس قلب طيب."
أما هيستوريا، فقد تساءلت في نفسها عما إذا كان الشكل يخفي وراءه شرًا أعمق، أو أنه مجرد مظهر خداع
——————————
كانت هيستوريا تمشي بحذر بين الأشجار، تنقل قدميها بين الجذور المتشابكة وكأنها تختبر الأرض من تحتها. كل خطوة كانت تحمل معها رهبة، وكأنها على وشك الوقوع في الهاوية. كانت تراقب الأرض بعينين متركزتين، لكنها فجأة شعر بشيء غريب، كأن قدميها على وشك أن تنزلقا.
ثم، في لحظة مفاجئة، شعرت بشيء قوي يشدها من الوراء. سيمرامس كان قد أمسك بها بسرعة، يده تلف خصرها بشدة، وكأنها لم تكن أكثر من شعرة في يد قوية. جذبها إليه بقوة، وقلبه ينبض في صدره باضطراب.
سيمرامس (بقلق خفيف): "هل أنتِ بخير؟"
بينما كانت هيستوريا تنظر إليه، شعرت بشيء غريب يعصف في صدرها. الخوف الذي كان يملأ قلبها فجأة تلاشى، وترك مكانه شعور دافئ ومطمئن. قوتها العظمى، التي شعرت بها عندما لامس جسده جسدها، جعلتها تدرك كيف أن وجوده يمكن أن يكون مطمئن ليس خطر. كانت تهتز داخليًا، لكن قلبها بدأ يخف توتره شيئًا فشيئًا.
نظرت إليه بصمت، وعينيها كانت تعكس دهشتها من سرعة رد فعله، ومن القوة التي شعرت بها في لمسته
هيستوريا (بهدوء): "أنا بخير."
ابتعدت عنه بسرعة، وكأنها تريد أن تستعيد مساحتها الشخصية. كان قلبها لا يزال ينبض بسرعة، لكن صوتها كان هادئًا، محاولًا إخفاء التوتر الذي يملأ صدرها.
سيمرامس (بجدية): "توخي الحذر في المرة القادمة."
نظر إليها بعينيه الحادتين، ثم استدار ليكمل المسير. كانت خطوته ثقيلة، وكأن الأرض تحت قدميه تتحرك بمرأى عينيه.
بينما كانوا يسيرون في عمق الغابة، بدأت الأجواء تتغير فجأة. الرياح أصبحت عاتية، والأشجار تتمايل بشكل غير طبيعي. كان شيء ما غير مرئي يهددهم.
هيستوريا (بصوت متوتر): "هل تشعرون بذلك؟"
قبل أن يتمكنوا من الإجابة، بدأ الأرض تحتهم تهتز بشكل قوي، وكأن الغابة نفسها كانت تنقض عليهم. تفتحت فجأة فتحات عميقة في الأرض، وصدع الهواء من حولهم كما لو أن قوة خارقة تسيطر على المكان.
سيمرامس (بدهشة ظاهرة على وجهه): "هذا ليس طبيعيًا!"
لكن في داخله كان هناك شيء غريب، وكأن رد فعله كان متأخرًا قليلًا. بينما تزايدت الاهتزازات والمخلوقات العملاقة التي خرجت من بين الأشجار، كانت هناك لمحة من الهدوء الغريب في عينيه، وكأن كل شيء كان يحدث كما كان متوقعًا له.
ياتو (يصرخ بقلق): "ماذا يحدث هنا؟!"
سيمرامس (بسرعة، مع لمحة من الغموض في صوته): "ابتعدوا عن بعضكم! لا تتركوا أحدكم هدفًا سهلًا!"
لكن، بينما كان الجميع يحاول الهروب، بدأت الشكوك تتسلل إلى قلب هيستوريا. نظرت إلى سيمرامس بسرعة، وكأن هناك شيئًا في تصرفاته يوحي بأنه قد يكون هو من دبر هذا. ؟ هل هو على علم بما سيحدث هنا؟
هيستوريا (همس في نفسها): "هل هذا كله مجرد فخ؟"
في اللحظة التي كانت فيها هيستوريا تسرع في الاتجاه المعاكس، شعرت بشيء غير مريح. كانت مملكة سيمرامس غريبة، معروفة بأنها مليئة بالأسرار. ومع تزايد الفوضى من حولهم، شككت في أن هذه الكارثة قد تكون جزءًا من خطة مدبرة.
سيمرامس (بصوت حاد، ينظر إلى الجميع): "ابتعدوا! لا تتركوا أحدًا خلفك!"
بينما حاول ياتو وهيستوريا الهروب، تباعدوا عن بعضهم دون أن يلاحظوا تمامًا أن كل شيء كان يتنقل كما لو أن هناك يدًا خفية تحركهم. كانت الأشجار تتقاطع بشكل غير طبيعي، المخلوقات تظهر من العدم، والأرض تنهار كما لو أن القوة التي تسيطر على المكان هي التي جعلتهم يتفرقون، وكأن كل هذا كان جزءًا من خطة واحدة.
هيستوريا (تفكر بقلق، بينما تبتعد): "هل كانت هذه مجرد لعبة؟"
بينما كانت المخلوقات تقترب منهم، بدأ الثلاثة في التشكيك حول ما إذا كان انفصالهم أمرًا مفروضًا عليهم من قبل قوة غامضة، أو إذا كان هناك شيء أكثر خطورة ينتظرهم في مملكة سيمرامس
...هدأ الوضع فجأة، وتفرّق كل منهم في جهات مختلفة من المملكة. اختفى كل ما كان يهددهم، كما لو أن شيئًا لم يكن موجودًا في الأصل. كانت الغابة قد استوعبت الهدوء، لكن ذلك لم يُبدِ ارتياحًا في قلوبهم.
ياتو (ينظر حوله، يغمض عينيه ثم يقول): "لماذا كانت مملكة سيمرامس هائجة؟ هل لأنه أحد النوارغامي دخل عليها؟"
نظرت هيستوريا إلى الأرض، كان فكرها ينعطف في دائرة، تحاول أن تحلل كل شيء. كانت تُدرك أن الأمر كان أكثر من مجرد حادث عابر، لكنها لم تكن متأكدة بعد من حقيقة ما كان يحدث.
هيستوريا (تفكر في صمت، ثم تهمس لنفسها): "أهو فعل سيمرامس؟"
قبل أن تكمل تفكيرها، شعرت فجأة بعيون تراقبها من الظلال. كان الأمر غير مريح، كان هناك شيء يطاردها في الفراغ. جفلت قليلاً، وعينيها تجوبان المكان، لكن سرعان ما بدأ قلبها ينبض بسرعة أكبر. كان شيئًا خطيرًا، شيء غير مرئي يقترب منها، وكان لا بد من الرد الآن.
فجأة، لم يعد لديها خيار. كان عليها أن تستخدم قوتها الآن.
هيستوريا (بصوت ضعيف، لكنها تقرر): "الحياة أو الموت..."
في تلك اللحظة، اندفعت القوة من داخلها. كانت قوة لم تكن قد استخدمتها من قبل، قوة لاتأتي الا منها ، شعرها تحول إلى أسود لامع وطويل، وعينيها تحولت إلى الأحمر القاني، وداخلها تألقت علامة غريبة، كأنها الشيطان نفسه. كانت القوة تتدفق منها كما لو كانت تمتلك سيطرة مطلقة على الحياة والموت.
تقدمت خطوة واحدة للأمام، وكان كل من يتجرأ على الاقتراب منها يُسقط على الفور. هيستوريا كانت لا تملك أي تسامح. لا يمكن لأحد أن يقترب من قوتها بهذا الشكل.
ومع ذلك، كان هذا كله جزءًا من خطة سيمرامس. هو من جعلها تستخدم هذه القوة. كان يريد أن يرى القوة التي كانت تخفيها داخل جسدها الجميل. كان يعلم أنها كانت تخفي شيئًا ما. ولهذا السبب، خلق تلك الظاهرة كما لو أن الفوضى كانت ردة فعل طبيعية، كما لو أن الطبيعة قد هاجت خوفًا من أن أحد النوارغامي قد دخل إلى المملكة
كان يراقبها عن بُعد، وتابع ما يحدث بتساؤل في عينيه، يشعر أن اللحظة التي كان ينتظرها قد حانت