4 - "ألغاز الماضي وأسرار القوة: بين الحقيقة والقدر

تلك الاثناء ...

ارتطم ياتو بالأرض بقوة، وشعر بصدمة عميقة تطرق عقله، كما لو أن قوة غامضة بداخله قد استيقظت فجأة. بدأ يرى رؤيا مقلقة:

رأى هيستوريا في مواجهة كائنات غريبة، جنود بلا وجوه أو ملامح واضحة، يهجمون عليها بشراسة. كانت تقاتل ببسالة، لكنهم يتساقطون على الأرض دون أن يبدوا أي تأثر، وكأنهم مجرد أوهام قاتلة.

فتح ياتو عينيه فجأة، وكأن القوة بداخله ترشده إلى طريقها. نهض من مكانه بسرعة، متوجهًا نحوها دون تردد.

حين وصل إليها، رأى شيئًا لم يتوقعه... كانت هيستوريا تقف وسط الفوضى، لكن هناك شيئًا غريبًا يحيط بها. عيناها الذهبيتان تتوهجان بنور غريب، وقوة غير مألوفة تخرج منها، تقتل كل شيء حولها بنظرة واحدة فقط.

توقف ياتو أمامها، جسده يحجبها عن الجنود الوهميين الذين يتقدمون بلا توقف. لم يشعر بالخوف أو الصدمة من تغير شكلها أو قوتها. بل نظر إليها بهدوء وقال بصوت مفعم بالثقة:

"اهدئي... سأحميكِ، حتى لو كان ذلك بدمائي."

في تلك اللحظة، عادت هيستوريا إلى طبيعتها. اختفى البريق القاتل من عينيها، وعاد شعرها الذهبي ينسدل بهدوء. سقطت على الأرض، الصدمة تسيطر عليها، فيما عمّ السكون المكان.

لم يرفع ياتو سيفه، ولم يقاتل أحدًا... فقط كلماته ووجوده كانا كافيين لتهدئة كل شيء.

وفجأة، جاء صوت سيمرامس من الظلال، يقول بهدوء:

"لا تقلقا، لقد سيطرتُ على الوضع. أعذراني... الغابة هائجة، وجنودي ظنوا أنكما دخلاء. أعتذر عن هذا الالتباس."

لكن ياتو تجاهل سيمرامس تمامًا. جثا بجانب هيستوريا، يتفحصها بيديه بعناية وقلق:

"هل أصابكِ شيء؟ هل أنتِ بخير؟"

نظرت هيستوريا إليه بصمت، غارقة في أفكارها، لكن كلمات ياتو قطعَت حبل تفكيرها عندما قال بنبرة مفعمة بالمشاعر:

"خفتُ عليكِ... شعرت بقوتي تدفعني لأجدكِ. جئتُ إلى هنا فورًا. أنا آسف... آسف لأنني تركتكِ وحدكِ."

رفعت هيستوريا رأسها نحوه وقالت بخفوت:

"سيدي، أنا حارستك... أنا من يجب أن تعتذر. كان عليّ أن أكون أقوى."

لكن قبل أن تنهي كلماتها، قاطعهم صوت سيمرامس الذي قال ساخرًا:

"ما هذه الدراما الزائدة؟ توقفوا، لم يحدث شيء يستدعي كل هذا القلق."

رفع ياتو عينيه إليه بغضب، وقال بنبرة حادة:

"ألا تعلم أن المرأة مقدسة لدى النوراغامي؟"

ضحك سيمرامس بخفة ورد:

"أعتذر! لنسترح قليلاً... يبدو أننا جميعًا بحاجة للراحة."وسط الحقول الشاسعة التي انقسمت بين التربة الصالحة وغير الصالحة، وقف الجميع وقد أنهوا مهامهم، والهدوء يخيّم على المكان.

هيستوريا (بحزم):

"لا داعي للراحة، لنكمل اكتشافنا."

ياتو (بتنهيدة خفيفة):

"حسنًا، لنسرع بذلك ونعود إلى المملكة."

سيمراميس (بصوت هادئ ولكن يحمل طيفًا من السخرية):

"هل النوراغامي عنيدون إلى هذا الحد؟ الراحة جزء من كل شيء... لكن، كما تشاءون."

ثم همس لنفسه بصوت لا يكاد يُسمع:

"كنت أظن كل النساء ناقصات عقل، لكنها تفوقت على الرجال."

هيستوريا (تبتسم بخفة وكأنها سمعت همسه):

"شكرًا لك، سيدي."

بدؤا عملهم، حيث فحصوا الأرض بعناية وميّزوا التربة الصالحة للزراعة عن غيرها. وبعد ساعات من الجهد المتواصل، وقفت هيستوريا بتعبيرٍ جاد وقالت لسيمراميس:

"انتهى دورنا، سيدي. سنعود إلى المملكة الآن."

ياتو (يقول بخيبة واضحة، وينظر نحو الأفق):

"كنت أتمنى أن أرى قصر أخي قبل أن نغادر..."

سيمراميس (يبتسم ويضع يده على كتف ياتو):

"عندما ننتهي من كل شيء، ستزور قصري أولًا، ثم يمكنك العودة متى شئت."

—————

ركبوا التنين وعادوا في صمت إلى المملكة، لكن عقل ياتو لم يكن صامتًا. كانت أفكاره مشغولة بشيء غريب لاحظه أثناء القتال. نظر إلى هيستوريا بتمعن شديد، يستعيد اللحظة التي تغير فيها لون شعرها إلى الأسود الداكن، وعيناها أصبحتا مثل رموز الشيطان.

ما الذي يحدث معها؟ ولماذا؟ هل يمكن أن تكون أكثر مما تبدو عليه؟

بينما كان غارقًا في أفكاره، قطعت هيستوريا ذلك الصمت بابتسامة ناعمة:

"مالي أراك تنظر إليّ منذ أول الطريق؟"

ياتو (يُفاجَأ ويتلعثم للحظة قبل أن يرد):

"أنا... كنت فقط أفكر... في أنكِ غريبة بعض الشيء."

هيستوريا (تبتسم أكثر):

"غريبة؟ هذا أفضل من أن تكون مملة، أليس كذلك؟"

لكن ياتو لم يضحك معها. كان يعلم أن هناك سرًا خلف هذه الابتسامة، وأن اكتشافه لن يكون أمرًا سهلًا

، قطع ياتو الصمت فجأة بتساؤل، وهو ينظر مباشرة إلى هيستوريا:

"هيستوريا؟"

هيستوريا (تجيب بنبرة هادئة):

"آمر، سيدي."

ياتو (بصوت جاد):

"لا أريد أن أستمر في التفكير بمفردي، سأسألك مباشرة. لماذا بات شعرك أسود أثناء القتال؟"

نظرت هيستوريا إلى الأفق، وكأنها تبحث عن الكلمات المناسبة، ثم أجابت بنبرة باردة:

"قوتي، سيدي، هي الحياة والموت... ما رأيته لم يكن سوى استخدامي للموت، لا أكثر."

تلك الكلمات أثارت تساؤلات لا حصر لها داخل عقل ياتو. ومع ذلك، لم يكن لديه وقت كافٍ للتفكير، لأنها أضافت بصوت هادئ، ولكن يحمل غموضًا:

"يبدو أنك لم تصل إلى الصفحة التي تتحدث عني، سيدي."

ياتو (يبتسم بخفة، محاولًا تخفيف حدة الموقف):

"اعذريني، ولكن صدقيني، كل ذلك كان مفاجئًا بالنسبة لي... أشعر وكأن الأمور تتسارع بشكل لا أستطيع تحمله."

لكن هيستوريا لم تجب مباشرة، وكأنها تعمدت تركه يغرق في أفكاره. وبعد لحظة من الصمت، أعاد ياتو سؤاله، ولكن هذه المرة كان صوته أكثر جدية: "لما أردتِ أن نعود فورًا إلى المملكة؟ ولم تريدي أن نأخذ قسطًا من الراحة؟ أنا لم أرفض لكِ طلبًا لأنني أعلم أنكِ أكثر دراية مني."

شعرت هيستوريا بالتردد للحظة، وكأن قلبها يتأرجح بين الصراحة والكتمان. لكنها في النهاية اختارت الحديث بصوت هادئ، يحمل قلقًا خفيًا:

"لا أثق بسيمراميس."

تبدل تعبير وجه ياتو على الفور، مزيج من الغضب الطفيف والتوتر. أدرك أن هيستوريا، بفطنتها الفائقة، ربما لاحظت شيئًا لم ينتبه له. وبصوت منخفض ولكنه حاد، سألها:

"لماذا لا تثقين به؟ هل ما زلتِ تؤمنين أن العناكب هم أعداء النوراغامي؟"

هزت رأسها نفيًا، وقالت بهدوء:

"ليس الأمر كذلك... لكن ما يفعله سيمراميس يبدو مريبًا."

ازدادت تساؤلات ياتو، لكنه حاول كبح فضوله، فقال:

"وما الذي تعنينه تحديدًا؟"

هيستوريا (بسرعة، محاولة تغيير الموضوع):

"دعنا نتحدث عن ذلك لاحقًا... لكن رجاءً، كن حذرًا. حتى لو كنت تثق به."

نظر ياتو إليها نظرة عميقة، يدرك أن كلماتها لم تكن بلا معنى. كان يعلم أن هيستوريا نادرًا ما تُصدر أحكامًا دون سبب. ومنذ تلك اللحظة، قرر أن يبقى متيقظًا، لأن العالم من حوله بدا وكأنه يخفي أسرارًا أكثر مما توقع

بعد أن عادوا إلى المملكة على ظهر التنين، نزل ياتو وهيستوريا. وقفت هيستوريا للحظة، تنظر إليه وتقول بنبرة هادئة:

"الآن نستطيع أن ننال قسطًا من الراحة."

غادرت إلى غرفتها، بينما اختار ياتو أن يتجول في أنحاء المملكة. لكن كلاهما لم يجد السلام الذي كان يبحث عنه؛ أفكارهما ظلت مشتعلة، تدور في دوامة من التساؤلات والشكوك.

هيستوريا، بعد محاولات يائسة لتهدئة نفسها، نهضت فجأة وقررت الذهاب إلى ياتو. وفي الوقت ذاته، قرر ياتو الذهاب إليها، وكأن شيئًا ما كان يدفعهما للتلاقي.

وفي أحد الممرات الطويلة، وبينما كان كل منهما يمشي بخطوات سريعة، اصطدم كلاهما بالآخر.

هيستوريا (بدهشة وتوتر):

"لِمَ أتيت؟"

ياتو (بنبرة مماثلة، وفي نفس الوقت):

"لِمَ أتيتِ؟"

تبادلا النظرات لثوانٍ، قبل أن تبتسم هيستوريا بخفة وتقول:

"لدي سؤال."

ابتسم هو الآخر وقال:

"وأنا كذلك لدي سؤال."

ضحكت بهدوء، ثم قادته إلى نافورة المملكة. جلست على طرفها تنظر إلى المياه المتدفقة، بينما جلس ياتو بجانبها وقال:

"ابدئي أنتِ أولًا."

هيستوريا (بهدوء وثقة):

"حسنًا، سيدي. ألا تعتقد أنه من الغريب أنه أرادني أن أكتشف التربة له، رغم أنه قادر على فعل ذلك بنفسه؟"

ياتو (يرد بجدية):

"ولو أنه قادر على اكتشافها بنفسه، لما طلب منكِ ذلك. ربما هناك سبب آخر."

هيستوريا (تنظر إليه بتمعن، ثم تقول):

"سيدي، إنه ملك المملكة. قوته ومعرفته يجب أن تكون شاملة. هو ليس بحاجة لي للقيام بشيء كهذا. ولكن لنفترض أنك على حق، وأنه لا يعلم فعلاً. إذاً، لماذا عندما ثارت المملكة علينا وأبعدتنا، لم يفعل شيئًا لتهدئتها؟ لماذا سمح بذلك؟"

كلماتها أثارت الشكوك في عقل ياتو. نظر إليها بصمت، ثم قال بنبرة تحمل بعض الاضطراب:

"أأنتِ تعتقدين أنه... هو من دبر ذلك؟ لا يعقل. أخي لن يقتلني."

صمت قليلًا، بينما ذكريات الصفحة الأولى من الكتاب تتسلل إلى عقله رغماً عنه. حاول التخلص منها، لكن هيستوريا قاطعته:

"لم أقل إنه سيقتلك."

ياتو (بصوت متردد):

"ربما... ربما هو فقط لا يعلم كيف يسيطر على الأمور. هو لا يزال جديدًا على كل شيء، مثلي تمامًا."

لكنه فجأة رفع صوته قليلًا، بنبرة غاضبة:

"هل تحاولين أن تقللي من ثقتي به؟"

هيستوريا (تنظر إليه بدهشة، ثم تستغرب):

"سيدي، هل كلامي هو ما ذكرك بالصفحة الأولى؟"

ثم أضافت بنبرة صادقة:

"أنت تعلم أنني محقة فيما أفكر به، لكنك تتجاهل ذلك بسبب حبك له."

نظر إليها بصمت طويل، وكأنه يحاول استيعاب كلماتها. وأخيرًا، قال:

"إذاً، أخبريني... ما هي شكوكك الحقيقية نحوه؟"

هيستوريا (بصوت متردد):

"لا أعلم، ربما هو سوء فهم. لكنني عشت خمسة عشر ألف سنة وأنا أؤمن أن العناكب هم أعداؤنا. لذا، لا أستطيع الاطمئنان بسهولة عندما يصبح أحدهم ملكًا."

أنزلت نظرها نحو ماء النافورة، وهي ترى انعكاس وجهها وشعرها اللامع. كانت عيناها تحملان صمتًا حزينًا، قبل أن تقول:

"أنا آسفة، سيدي... لا أعلم."

لكن الحقيقة كانت مختلفة. في أعماقها، كانت تعلم كل شيء، لكن كلماتها توقفت عند حدود شفتيها. لم تكن تريد أن تجرح ياتو، أو تدفعه إلى مواجهة واقع قد لا يستطيع تقبله.

أما هو، فقد أدرك ما تخفيه. لكنه، مثلها، اختار أن يتجاهل الحقيقة مؤقتًا. نهض من مكانه وقال بنبرة هادئة، لكنها تحمل ثقلًا:

"عندما تعرفين الإجابة، تعالي وأخبريني. سأنتظرك."

تركها عند النافورة، تغرق في أفكارها، بينما هو عاد إلى مكان استراحته، محاولًا أن يجد لنفسه لحظة من السلام الذي أصبح بعيد المنال

بعد ساعة من استراحة ياتو، جاءت هيستوريا إلى غرفته. وقفت أمام الباب، تدقه بهدوء.

ياتو (من الداخل):

"ادخلي، سيدتي. ماذا تريدين؟"

دخلت بهدوء ونظرت إليه، ثم قالت:

"لنذهب لوضع الثمار وجلب الطعام."

لكن ياتو لم يرد. كانت عيناه متسمّرتين على الكتاب الذي أمامه. تقدمت هيستوريا ببطء، توقفت خلفه وهي تراقب ما يقرأ. رأت الصفحة المفتوحة التي تحوي معلومات عنها، فجلست أمامه بهدوء، ناظرة إلى وجهه الممتلئ بالتركيز.

هيستوريا (بنبرة هادئة، وكأنها تختبره):

"ماذا علمت عني الآن؟"

رفع ياتو نظره من الكتاب نحوها. كان في عينيه مزيج من الدهشة والإعجاب، قبل أن يقول:

"لم أتوقع أنك بهذه العظمة، سيدتي."

ابتسمت هيستوريا بخفة، ونظرت إليه بعينيها الهادئتين وقالت:

"لست بعظمتك، سيدي. أقرأت كل المعلومات عني؟"

ياتو (بصوت عميق، مليء بالتقدير):

"قرأت كل شيء يخصكِ، هيستوريا. يبدو أنك عانيتي كثيرًا... ليس فقط من الأحداث، ولكن من الذكريات. عانيتِ من الماضي قبل أن تعاني من أي شيء آخر."

صمتت هيستوريا للحظة، لكن عينيها كانت تحملان الإجابة التي لم تستطع نطقها. كانت الحقيقة واضحة في نظرتها: "نعم."

كانت الصفحة التي قرأها ياتو مليئة بالمعلومات الصادمة عن هيستوريا. كلمات ثقيلة نُقشت في الكتاب كشفت عن أسرارها العميقة.

اكتشف أنها تحمل لعنة الذكريات؛ لا تنسى أبدًا أي لحظة مرت بها، مهما كانت مؤلمة أو سعيدة. كل وجع، كل تضحية، كل دمعة، وكل ابتسامة محفورة في ذاكرتها إلى الأبد.

علم أيضًا أنها تمتلك قدرة استثنائية: تستطيع إحياء ستة أشخاص فقط في نفس الوقت، لكنها في المقابل تملك قدرة غير محدودة على إماتة الآخرين. ومع كل مرة تُحيي فيها ستة أشخاص، تفقد مؤقتًا قوة الإحياء وتصبح أسيرة قوة الموت فقط، إلى أن تعود لها قوة الحياة مجددًا.

ولكن ما أثار رعبه وفضوله أكثر هو ما كُتب عن مصيرها:

"هيستوريا تبقى حتى آخر شخص في المملكة، لا تموت إلا إذا قُتلت أو إذا انتهت قوتها."

جلس ياتو في صمت، وعيناه مثبتتان على هذه الكلمات. تساؤل ثقيل تسلل إلى عقله، لا يستطيع الهروب منه:

"إذا كان كل هذا صحيحًا... فماذا عانت هيستوريا في خمسة عشر ألف سنة؟"

ياتو (بنبرة مترددة، يكسر الصمت):

"هل هذا... صحيح؟ أنكِ لا تنسين أبدًا؟ أنكِ تحملين كل لحظة... كل ألم؟"

هيستوريا (تخفض عينيها نحو الأرض، صوتها هادئ لكنه مشحون بالمشاعر):

"نعم، سيدي. لا شيء يمحى. كل وجه، كل كلمة، كل صرخة، كلها هنا." (تضع يدها على رأسها بخفة).

ياتو (بنبرة مشفقة، لكنه يحاول إخفاء ذلك):

"وكيف تحملتِ ذلك؟ خمسة عشر ألف سنة، هيستوريا. ما الذي أبقاكِ واقفة حتى الآن؟"

هيستوريا (تبتسم بمرارة، تنظر إلى انعكاسهما في النافذة):

"لم يكن لدي خيار آخر. الحياة أحيانًا لا تسألنا عما إذا كنا نرغب بالاستمرار. إنها تضعنا في طريق طويل... وتتركنا لنقرر كيف نُكمل."

صمت ياتو، لكنه شعر بضغط الكلمات. كانت هيستوريا أكثر من مجرد شريكة له في هذا العالم، كانت لغزًا يحمل بداخله ألمًا لا يوصف.

ياتو (بصوت خافت، لكنه يحمل عزمًا):

"إذا كنتِ تحملين كل هذا العبء وحدكِ... فأنا هنا الآن. لن تحمليه وحدكِ بعد الآن."صمتت هيستوريا لحظة، عيونها مليئة بالحزن، ثم قالت بصوت خافت، كأنها تحاول استرجاع الذكريات المفقودة:

"الفتاة التي تحولت إلى تنين... لم تتذكر شيئًا. أصبحت هجينة الآن، لا تفهم سوى أنها الحارسة. لكنها تتذكر... تتذكر كيف حوّلوها إلى تنين، كيف كانت الطقوس الشيطانية التي اجتاحت جسدها وروحها. كان الأمر... مؤلمًا للغاية."

نظر إليها بصدمة، كلماتها كانت كالصاعقة. قلب بين الصفحات في الكتاب القديم الذي كان بين يديه، حتى توقف عند صفحة كُتب عليها عنوان ضخم: "إنشاء حراس القوة".

بدأ يقرأ بصوت متردد:

"أولًا: يجب أن يكون المنشئ ساحرًا لعين.

الطريقة:

جلب فتاة تبلغ من العمر خمس سنوات.

شرط أساسي: أن تكون أمها ساحرة أيضًا."

استمر في القراءة، وكانت الكلمات أكثر رعبًا مع كل سطر يمر به:

"- بعد الإعداد، تبدأ الطقوس الشيطانية. يتم تشكلها لتنين بضربها باللعنات و التعويذات ، ويتم مسح ذاكرتها تمامًا، لتصبح هجينة. لا يفهم جسدها سوى الطاعة، ولا تعرف روحها سوى خدمة الملك وحمايته.

الفتيات في سن صغيرة يتم اختيارهن لهذا التحول القاسي، لأنهن في تلك المرحلة لا يعارضن، وعقولهن البريئة لا تدرك فظاعة ما يحدث."

أغلق الكتاب ببطء، وشعر بضغط غير مريح في صدره. نظر إليها، وكان في عينيه تساؤل رهيب.

"هل هذا... هل هذا ما حدث لتلك الفتاة؟"

أومأت برأسها ببطء، وأجابته بصوت منخفض، وكأنها تروي قصة بعيدة:

"نعم... لقد جُرّدت من كل شيء. تحولت إلى تنين، ودمجت روحها مع كائن يفوقها قوة. والآن، هي لا تعرف سوى الطاعة... والطاعة فقط."

وقفت هيستوريا بصمت، ثم قالت بنبرة حزينة:

"اعذرني، يجب أن أذهب."

استوقفها وقال بسرعة:

"من الساحر؟ وماذا حدث للساحرة؟ ومن أين أتى الساحر أصلًا؟"

استدارت إليه، ونظراتها مليئة بالغموض، قبل أن تجيبه بصوت خافت:

"الساحر هو نفسه من صنع كتلة الوراغامي."

تفاجأ من كلمتها، وقال وهو يحدق بها بدهشة:

"إذا كان بتلك القوة، فلماذا مات؟ وكيف؟"

أجابت هيستوريا بصوت منخفض:

"قتلته ساحرة العناكب."

كان عقله لا يستطيع استيعاب ما سمع. تفاجأ، وارتبك في محاولة فهم ما يحدث. كيف يمكن أن يموت هذا الساحر القوي؟ وكيف كانت هذه الساحرة قادرة على قتله؟

ثم أوقفت تفكيره عندما قالت بصوت ثابت، وكأنها تروي قصة قديمة:

"الساحر والساحرة... هم من الجن. هم من العالم السفلي الآخر، حيث يسكن أقوى الجن والعفاريت. عالم بعيد جدًا عن عالمنا."

نظراته ازدادت حيرة، وكأن الفكرة كانت ثقيلة جدًا على عقله. كيف يمكن لهذا السحر أن يكون مرتبطًا بعالم الجن والعفاريت؟ ومن هؤلاء الذين يملكون هذه القوى المظلمة؟

نظرت له ثم أخذت نفسًا عميقًا لتجيب عن كل هذا، ولكن ليس بالكلام. وقفت تنظر في عينيه، وعيناها لمعت بعينيه تعكسان بلاحمرار. قالت له بنبرة قوة:

"هات يديك، ولنعد بروحك للماضي سيدي."

أمسكت يده وقالت له:

"لا تفلت يدي، ستشاهد ما حدث."

"الماضي"

جلست الساحرة بهدوء، تحمل بين يديها طفلة لم تتجاوز عامها الأول، في عالم سفلي مظلم، يعج بالجن والسحرة. وفي لحظة، ظهر أمامها رجل بلحية طويلة بيضاء وعين حمراء والأخرى سوداء، يقترب منها ببطء، وكأنما يخرج من ظلال الماضي.

قال بصوت عميق:

"يا آنسة، تنبأ لنا عفريت."

نظرت الساحرة في عينيه، وقلبها ينبض بقوة، ثم قالت بثقة:

"هل هي بشارة أم نذير شؤم؟"

أجابها بلمحة غامضة:

"الاثنان معًا."

تبسمت ابتسامة خفيفة، ثم وقفت وقالت بصوت هادئ:

"خذني إليه."

اقتربت من العفريت، وقفت أمامه بتحدٍ، وعيناها تتوهج بالذكاء، وقالت بصوت مليء بالمكر:

"أخبرني، ماذا تحت لسانك؟"

ضحك العفريت ضحكة ساخرة، وقال:

"رأيتُ أن الساحر ديفانتشي سيقوم بمعجزة تغير مصير العالم السفلي."

ضحكت الساحرة بصوت منخفض، ثم قالت:

"مصيرنا؟"

أجابها بحدة:

"لا، مصير العالم السفلي الآخر."

ازداد ضحكها، ولكن الشك بدأ يتسرب إلى قلبها، وقالت:

"العالم السفلي الآخر؟ كيف ذلك؟ لا يوجد في الأصل عالم سفلي غير الجن والعفاريت."

تبسم العفريت وقال:

"دعيني أكمل. وتلك الساحرة الماكرة هناك..."

نظر إليها وقال بصوت خافت:

"ستنفذ معجزة قد تقلب كل شيء. معجزة ديفانتشي ستولد عالمًا مليئًا بالعداوة، ليس فقط بيننا، ولكن حتى بين أعدائنا."

توقفت الساحرة، قلبها ينبض بسرعة، وقالت بلهجة متوجسة:

"ماذا تخطط له ياديفانتشي ؟أكل ذلك صحيح!

ديفانتشي :

"نعم، سأحيي كتلة النوراغامي التي حاول أجدادي خلقها."

ارتعش جسد الساحرة من الصدمة وقالت:

"أتريد أن أخبر ملك الجن أنك ستخالف القانون؟ ألا تعلم أن كل من يحاول هذا يُقتل؟"

في تلك اللحظة، وقفت الساحرة الأخرى، التي كان العفريت قد تحدث عنها، وقالت بصوتٍ عميق:

"يا سيدتي، اخترت أن أحيي كتلة العناكب."

نظرت إليها الساحرة بنظرة حادة وقالت بغضب:

"يا ملعونة! ما الذي سمعتُه؟ هل تخططين للإبلاغ عنك؟"

تبسمت الساحرة الأخرى ابتسامة خبيثة وقالت:

"اسمي تتاروبيت، اللاعنة الخبيثة."

نظرت العفريت، وعيناه يلمعان ببريق غريب، وقال:

"كنت أعلم أن هذا اليوم سيأتي. كنت أعلم أنك ستقضين عليه."

ثم نظر ديفانتشي إلى العفريت وسأله بفضول:

"عن ماذا تقصد؟"

أجاب العفريت بصوت غامض:

"لا شيء. فقط احذروا، جميعكم. خذوا حذركم."

ظل السحرة يعملون في سرية تامة، يقيمون تجاربهم

ويبذلون جهدهم لخلق المصل الذي يعد أساسًا للكتلة

التي كانوا يسعون لصناعتها لكنهم لم يجرؤوا على

إخبار الملك بما يفعلون، بل تجنبوا الظهور أمامه، لأنه

كان شديد الذكاء، وربما يكشف أمرهم.

بينما كانت الساحرة تخشى العواقب، قررت أن تخبر

الملك، ولكن السحرة هددوها بابنتها فارتعبت

وتراجعت وقررت أن تبقى صامتة.

خرجوا جميعًا إلى العالم الخارجي دون أن تساور الملك

أي شكوك، ومرت أربع سنوات من العمل الشاق حتى

تمكن كل منهم من صنع الكتلة الخاصة به. ضحك

ديفانتشي في سرّه، وكان قلبه مملوءًا بالخير، لأن

الكتلة كانت قد صنعت بحب. أما الساحرة الأخرى، فقد

كانت قد صنعت كتلتها بدافع الحقد، قلبها مملوء بالشر،

ولم تكن ترى في صنعها سوى أداة للقتل.

تلك الأثناء، أحست الساحرة بأن أحدًا يستدعيها في

العالم الخارجي اختفت فجأة، وظهرت أمام الصوت

لترى الساحر يناديها ابتسمت وقالت له:

"ماذا فعلت؟"

أجابها الساحر بصدق

أمامك."

"انظري

نظرت إلى الأمام لترى ابنتها ذات الخمس سنوات،

ممسكة بها ساحرة العناكب، وفي جانبها شابة أيضًا.

شعرت بالخوف على ابنتها، ولكن الساحر كان أقوى

منها، ولم يسمح لها بالتحرك أمسك بها بقوة، وبدأ

إجراء الطقوس الشيطانية أمام عيني الأم. بدأ يطعن

الطفلة في بطنها وصدرها وفخذيها، بينما كانت

تتاروبيت الساحرة الأخرى، تقوم بالمثل مع الشابة. لم

يكن في يد الساحرة سوى الصراخ والرجاء أن يتوقفوا.

استمروا في طقوسهم على الفتاتين حتى تحولت

قلوبهما باللعنات إلى تنينين، وتحجرت أجسادهم

ليصبحوا هجينين، لا يصفون سوى للملك. وعندما رأت

الأم ما حدث، فقدت وعيها من شدة البكاء. أمسكوا بها

وصلبوها كالحجر، لأنهم كانوا يعتقدون أنهم قد

يحتاجون إليها في وقت لاحق.

نظر ديفانتشي إلى تتاروبيت وقال:

"من أين جئت بالشابة؟"

أجابته تتاروبيت بابتسامة خبيثة:

" أمها وأباها كانا ،سحرة، وتوفيا عند ولادتها، وبقيت

وحدها، فأخذتها لتعيش معي كتنينة."

أمسكوا بالساحرة المتحجرة ووضعوها خلف كتلة

النوراغامي. لم تكن تتاروبيت تنوي الخير أبدًا؛ بل كانت

تفكر في كيفية قتل الساحر قبل أن ينتهي من صنع

كتاب الأساطير.

نظر إليها ديفانتشي ،وقال والدموع في عينيه:

"والله لم أرد ذلك. ولكن هذا كان الشرط الوحيد ليصبح

لدي تنين يحمي الكتلة حتى يأتي الملك المخصص لها."

جلس يبكي بحرقة، لأنه كان يعلم أن كل ما حدث كان

خارج إرادته. بينما كانت تتاروبيت تفكر في كيفية

التخلص منه قبل أن يتمكن من إتمام ما بدأه ...

كان ديفانتشي يشعر بشيء غريب، إحساس

داخلي يخبره بأن تاروبيت تنوي قتله. سعى لكتابة

كتابه بسرعة أكبر، يعلم أنه الوقت قد حان. في تلك

اللحظة،انبعثت

من النوراغامي فتاة صغيرة، لا تحمل سوى اللعنة الأبدية. منذ

صغرها، كانت تعرف كل شيء عن القوة، وكان الكتاب

قد خُبئ معها، ملتفًا حولها بخيوط القوة.

في تلك الأثناء، قامت تاروبيت بهجوم مفاجئ من وراء

ظهره محاولة قتله بينما كان في حالة من التركيز

العميق. بدأ القتال العنيف بين الساحرة والساحر، وبينما

كان ديفانتشي يقاوم كانت النهاية قريبة. تاروبيت

من الضعف، وفجأة

استطاعت أن تقتله في لحظة

توقف كل شي

لكن فرحتها لم تدم طويلًا، فقد ظهرت قوة أعظم من

قوتها. فجأة، حلّت ملكة العالم السفلي، كائن قوي للغاية

قادر على فعل أي شيء دون خوف من الموت. كانت

تشعر بأنها لا تملك حدودًا، ولم تكن تخشى أن تقف في وجه الكتلتين. وعندما اكتشفت ملكة العالم السفلي

أنهما هما من صنع الكتل كان لديها عزم على القضاء

عليهما. ومع ذلك، عندما علمت أن الكتل قد أصبحت

حقيقة أصابها الخوف، لأنها كانت تدرك مدى قوة هذه

الكتل التي يمكن أن تدمر حتى ملك الجن نفسه.

تنين العناكب، رغم أنه كان يحمي تاروبيت في البداية،

لم يتدخل في معركتها مع ملكة العالم السفلي، لأنه لم

يكن الملك الرسمي للكتلة. على الرغم من أن تاروبيت

كانت قد صنعت الكتلة، إلا أن الكتلة اختارت الملك

بنفسها، وكانت تنصت إلى أوامرها فقط.

بعد هذه المعركة المدمرة، عادت ملكة العالم السفلي إلى

عالمها السفلي، تاركة وراءها كتلتي الشر والنور. وهكذا،

بقيت الكتلتان تنتظران صاحبيهما ليحكما العالمين، في

صمت رهيب

"الحاضر "

ياتو، الذي عاد إلى وعيه بعد أن مرّت به

كل هذه الأحداث العميقة، كان يقف في صدمة. نظر إلى هيستوريا في ذهول، لا يستطيع أن ينطق بكلمة واحدة،

كأن لسانه قد جُمد في فمه، ويظل عينيه مسمرتين

عليها مدهوشًا من كل ما حدث، ومختنقًا من صمت

الأحداث التي لا تصدق

2025/02/20 · 28 مشاهدة · 3278 كلمة
Hazar Qa
نادي الروايات - 2026