تتجسد في الهواء.

بدأت الأشكال الغامضة تتحول إلى أجساد. كانت مخلوقات متوسطة الطول، ذات بشرة شبه شفافة، وعلامات نوراغامية متوهجة على أذرعهم وصدورهم. عيونهم كانت تتوهج باللون الأزرق، تعكس ولاءهم الكامل لياتو.

بدا كل جندي وكأنه سلاح حيّ، لكن في الوقت نفسه يحمل روحًا متصلة بقوة ياتو مباشرة.

ياتو، مخاطبًا جنوده: "أنتم لستم كائنات عادية. أنتم جنود الروح، خُلقتم من طاقتي وقوتي. كل ما تشعرون به هو صدى إرادتي، وكل ما تفعلونه سيكون انعكاسًا لأهدافنا المشتركة. من اليوم، أنتم حراس المملكة، ودرعها الذي لن يُكسر!"

تقدم أحد الجنود بخطوة للأمام، ووضع يده على صدره كتحية لياتو.

"نحن نخضع لأمرك، ملكنا ياتو. طاقتنا لك، وحياتنا ملك للمملكة."

بينما كان ياتو يتأمل جنوده الجدد وقد انتشروا في المملكة، جاءته هيستوريا مبتسمة، وجهها يفيض بالسعادة. اقتربت منه وقالت، بصوت ملؤه الحماس:

"سيدي، تعال انظر!"

نظرت له وهي تبتسم، وكأنها لا تستطيع حبس سعادتها. أمسك ياتو بيدها برفق، وعندما شعرت بشدة فرحها، ركضت معه نحو حديقة دوار الشمس، حيث كانت الزهور تتساقط من الأشجار حولهما كما لو أن الطبيعة تبارك لحظتهما.

وصلوا إلى الحديقة، ووقف ياتو مذهولًا. أمامه كانت ثلاثة دوارات شمس ضخمة، بحيث يمكن الجلوس عليها كما لو كانت كراسي عملاقة. كانت الأزهار حولها تتراقص في الهواء، والدوارات تضج بالحياة، كما لو كانت تعكس طاقة ياتو التي صبها في الأرض.

ياتو (بدهشة):

"هيستوريا، انظري! هذه دوارات الشمس... تبدو وكأنها تنبض بالحياة. تستطيعين الجلوس عليها كأنك فراشة."

ابتسمت هيستوريا وقالت، بصوت خفيض:

"لا أعتقد ذلك، سيدي."

تحدّاه ياتو بابتسامة ساخرة وهو ينظر إليها بعينيه اللامعتين، وقال بثقة:

"أستطيع أن أحمِلَك بيد واحدة، فكيف لا تستطيعين الجلوس على دوارة الشمس الضخمة؟ كل الثمار فيها من قوتي."

هيستوريا (بتردد):

"ومن قال لك إنك تستطيع حملَني بيد واحدة؟"

نظر إليها بنظرة مليئة بالتحدي، قائلاً:

"أُجرب؟"

تراجعت هيستوريا قليلاً، ثم انفجرت ضاحكة وقالت:

"لا سيدي، هذا مستحيل."

لكن في لحظة خاطفة، وبسرعة الضوء، أصبح ياتو بين يديها، حاملاً إياها بيد واحدة بينما كانت جالسة بشكل مريح، كأنها لم تفارق يديه أبدًا. نظر في عينيها وقال بحنان:

"أرأيت؟ أستطيع حملك بيد واحدة."

بقيت هيستوريا صامتة، وابتسم ياتو لها وقال:

"ورغم ضياء دوار الشمس التي تعكس ضوء الشمس، أشعر أنك تضيئين أكثر منهم في عيني."

ثم توقف، وأخذ خطوة إلى الوراء، لينزلها بحذر على أحد دوارات الشمس الضخمة، قائلاً:

"افلتيني، لا تخافي، لن تخسفي بك. ستظلّين محمولة بلطف."

أفلتته هيستوريا، وجلسَت على دوار الشمس، وكأنها فراشة استقرت على زهرة عملاقة.

ياتو (بحماس):

"انتظري لحظة!"

استخدم قوته لخلق كاميرا سحرية، وقال مبتسمًا:

"ابتسمي!"

ابتسمت هيستوريا بخجل، وأضاء وجهها الذي لا يقل تألقًا عن الشمس نفسها. ثم التقط ياتو الصورة قائلاً:

"الفرق بينك وبين القوة هو أنَّك أنتِ المعجزة، وليست القوة."

ثم اقترب منها وأشار إلى الصورة، قائلاً:

"انظري إلى هذه الصورة."

تبسمت هيستوريا وقالت وهي تأخذ الكاميرا منه:

"شكرًا، سيدي." ثم التقطت صورة لهم معًا، وهو يقف بجانبها، عيونه تتألق كالذهب.

هيستوريا (بتردد):

"وكأنك توأمي بعدما اكتسبت القوة."

ابتسم ياتو وقال بثقة:

"إنه لشرف لي أن يتغير لون عيناي وشعري حتى أصبح توأمك، سيدتي."

كان في الماضي شعره اشقر وتغير بعد امتلاكيه القوة لاشقر لامع بالذهبي وبعينين زرقاء بلمعة ذهبية

اندهشت هيستوريا وخجلت، وقالت بخجل:

"سيدتي؟"

"كل هذا اللطف معي! تتصرف بغرابة."

غمز لها، وقال:

"أنتِ حبيبتي، كيف يكون ذلك غريبًا؟"

هيستوريا (وهي تستدير وجهها خجلاً):

"لا تتكلم بغزل مرة أخرى، تبدو لطيفًا بهذا الكلام "

ضحك ياتو وقال:

"قولي بأنك خجلتي . حسناً سأتركك بلا خجل."

بينما كان ياتو وهيستوريا يسيران في الحديقة، يتبادلان الحديث برفق، توقف ياتو فجأة وقال بابتسامة هادئة:

"لنمشي قليلاً، ثم نأكل. ولكن لا تظني أنكِ ستصنعين الطعام بنفسك، فقد كلفت الجنود بذلك."

ابتسمت هيستوريا وقالت مازحة:

"سيدي!"

ثم أضافت بسؤال يحيط به فضولها:

"أريد أن أسألك شيئًا."

نظر إليها ياتو نظرة مليئة بالراحة والطمأنينة، وقال بهدوء:

"أسألي."

هيستوريا:

"لما حدثتني عن الموت سابقًا؟ هل تفاعلت لديك قوة المستقبل ورأيت شيئًا؟"

خفض ياتو صوته قليلاً، ونظرت له عيناه بنظرة مليئة بالسلام، لكنه شعر بشيء من الاضطراب في قلبه، قبل أن يجيب:

"لا، ليس كذلك."

ابتسمت هيستوريا، ثم قالت بمازح:

"القانون رقم واحد يمنع الكذب في النوراغامي."

فوجئ ياتو قليلاً وقال:

"هذا ليس رقم واحد."

نظرت له هيستوريا نظرة جادة، وقالت مبتسمة وكأنها تمزح:

"إذن اجعلها رقم واحد."

ضحك ياتو وقال بتأكيد:

"إني لا أكذب."

ثم تابع بنبرة جادة أكثر:

"لكن شعوري يقول إن شيئًا غريبًا سيحدث. وأنتِ هنا، وأنا أمضي يومي معك. إذا كان سيحدث شيء، فليكن بعد ان أقضي وقتي معك ."

هيستوريا نظرت إليه بنظرة غاضبة وقالت بسرعة:

"لا تقل ذلك، لن يحدث شيء. أنت أقوى من الوجود، بالله عليك ماذا تتوقع أن يحدث؟ إن بقيت هكذا، ستجلطني بأفكارك."

حاول ياتو تهدئتها بابتسامة، قائلاً بلطف:

"اهدئي، آسف. نزعت تلك الأفكار من عقلي."

ابتسمت هيستوريا بلطف وقالت:

"سعيدة بذلك."

بعد أن انتهيا من السير وتناول الطعام، وقف ياتو أمام هيستوريا ونظر إليها بعينيه العميقتين، قبل أن ينحني برشاقة وكأنه ملك يعترف بملكة. بصوت مملوء بالهيبة والدفء، قال:

"هل يمكنني أن أطلب منكِ مرافقتي، سيدتي؟"

تأملته هيستوريا بنظرة مليئة بالإعجاب، وكأنها ترى انعكاسًا لروحها في عينيه. مدّت يدها بأناقة وأمسكت بيده، ثم سارا معًا بخطوات هادئة إلى أن توقفا أمام حديقة غامرة بالجمال، مليئة بالزهور الحمراء المتلألئة والفراشات الذهبية التي ترقص في الهواء. السماء فوقهم كانت لوحة من النجوم، كأن الكون بأسره يحتفي بهما.

خطا ياتو خطوة إلى الأمام، فتطايرت الفراشات حولهما، تحيط بهما كأضواء سحرية. التفت إليها بلطف، وأمسكها من خصرها، ثم استخدم قوته ليضغط على الأرض، قافزًا بها نحو السماء. حلقا معًا في الهواء، والقمر خلفهما يشهد على تلك اللحظة الخالدة.

نظرت هيستوريا إلى الأسفل لتجد الأرض تحتها مغطاة بالورود التي شكّل بها ياتو اسمها، كأن الطبيعة ذاتها تخضع لسحره. عادت بنظرها إليه، وعيناها تلمعان بالبريق الذي لا تخطئه الروح. ابتسم ياتو وقال بصوت عميق:

"حلقت بكِ إلى السماء لأريكِ جمالك في الورد، يا ملكتي."

هبط بها برفق إلى الأرض، ثم انحنى على ركبته أمامها. فتح يديه ليكشف عن خاتم ذهبي مرصّع بالألماس، انعكست عليه أضواء الفراشات والنجوم. نظر إليها بعيون مفعمة بالشغف واليقين وقال:

"هيستوريا، هل تقبلين الزواج بي؟ أريدكِ زوجتي، الملكة التي ستتربع على عرش قلبي، والتي سأفتخر بها أمام شعبي وعائلتي."

صمتت هيستوريا للحظة، بينما كانت تحدّق في ياتو بعينين مغمورتين بالمشاعر. شعرت بأن كلماته لامست أعماق قلبها، وكأنها انتظرت هذه اللحظة طوال حياتها.

النسيم العليل داعب شعرها، ووميض الفراشات الذهبية عكس بريقًا إضافيًا على عينيها، فيما النجوم في السماء كانت شاهدة على لحظة فارقة.

ابتسمت بخجل، ثم قالت بصوت هادئ يحمل في طياته الحب واليقين:

"ياتو... لطالما شعرت أن قلبي يبحث عنك حتى قبل أن ألتقيك. أنت لست فقط قوتي وسندي، بل عالمي بأكمله. كيف لي ألا أقبل أن أكون ملكتك، وأنت بالفعل ملك روحي؟"

أمسكت بيديه المرتجفتين بخفة، وكأنها تمنحه الطمأنينة، ثم أضافت بنبرة ملؤها الحب:

"نعم، أقبل. أقبل أن أكون زوجتك، ملكتك، وشريكة حياتك."

في تلك اللحظة، بدا وكأن العالم من حولهما تآمر ليحتفل بهما. الفراشات ازدادت بريقًا، والنسيم حمل معه أريج الزهور، بينما أضاء القمر وجهيهما بابتسامة رضا

في اليوم التالي الساعة السادسة صباحًا

دخل سيمرامس إلى ياتو وهو مبتسم، وقال له:

" أخي، سنجلب عائلتنا اليوم."

ياتو:

"أجل، اذهب الآن ولا تتأخر."

ذهب سيمرامس، لكن لم تمر خمس دقائق حتى وصل

اتصال من الحراس عبر التواصل الروحي:

"سيدتي سيمرامس ،قادم إنه ينوي الهجوم على

العائلة. قُطع الاتصال."

شعرت هیستوريا بقلبها ينبض بالقلق، فهرعت لإخبار

ياتو

"ياتو!"

نظر إليها باستغراب وقال:

"ماذا دهاكِ؟ لما وجهك شاحب؟"

قالت بسرعة:

ياتو، انقطع الاتصال مع الحراس أليس من الممكن أن

يكون حدث شيء؟"

أجاب وهو يهدئها:

"لا داعي للقلق، أنا أعلم أن أخي سيعيدهم. اطمئني،قوتي درستها بالكامل البارحة ولم أنم. قلبه صادق

معي، ولن يكذب علي

كلمات ياتو كانت كافية لتهدئتها.

بعد مرور ساعة

قالت هيستوريا بقلق:

"مولاي، مرّ ساعة، هذا لا يحتمل اذهب لتتفقد، لماذا لم

يأتوا بعد؟"

قال ياتو بهدوء:

"سأبعث الجنود للتأكد."

وبعث الجنود لكنهم لم يعودوا استمر القلق في

الانتشار، وعندما حاولوا التواصل معه، لم يتمكنوا من

الوصول إليه.

أرسل جنديًا آخر ليتفقد الوضع، لكن الجندي عاد وهو

صدم

"سيدي، لا أحد في المنزل والدماء تسيل في كل مكان.

حتى السكان في المنطقة... جثث تملأ الشوارع."

لم يستوعب ياتو ما سمعه فختفى إلى العالم الخارجي

حيث كان أهله وبلدته فتح الباب ليجد جثتي والديه

مقتولین مقطعين إلى نصفين، ووالده منهار على

الأرض.

لكن من صدمته لم يمسك بهم ليتحقق من قتلهما

بقوته بل ركض يبحث عن أخته، هل هي جثة أيضًا؟

بحث في المنزل في القرية، لكن لا شيء، ولا أثر لها.

تلك اللحظة، عند هيستوريا

جلست تنتظر، لكن شعرت بشيء غريب، قلبها يكاد

ينفطر. بدأت تشتم رائحة سم العناكب تنتشر في

الأجواء. بحثت عن الجنود لكنهم جميعًا قتلوا.

عزلت نفسها كي لا تموت بالسم، لكن السم اخترق

عازلها فركضت بعيدًا إلى مكان بعيد في النوراغامي

حيث الهواء الطلق، لكن سرعان ما حاصرتها شبكة من

العناكب السامة.

نبرة صوت حادة انطلقت قائلة:

"لن تهزمني قوتك الموت هيستوريا، فالعناكب لديها

قوة العقم. لا تنسي ذلك. وشبكتي، حين

تلامس جسدك، تمتص قوتك يا جميلة. لا يبدو أن زفاف اخي سيكتمل. ياتو منشغل بالعائلة، وأنا أتسلى بموتك، يافتاة."

حاولت هيستوريا فك الشبكة، لكن الكلمات التي

سمعتها زادت من تأكيد شراسته.

قال سيمرامس بسخرية

كلما تحركت أكثر ، كلما زادت الشبكة إحكامًا حولك،

كيرقة حتى تموتي. لا تقلقي، لن أقتلك بهذه السهولة.

أريدك سليمة، لأدفنك بين الزهور، لتكملي زينتهم."

نظرت إليه ،وقالت بعينيها المملوءتين بالدموع:

"كنت أعلم أنك بهذا الحقارة، سيمرامس! قل لي، ماذا

فعلت بعائلتك؟"

ابتسم بسخرية وقال:

"قتلتهم، وأخذت أختي إلى مملكتي.

صدمت هيستوريا أكثر وقالت بسرعة:

"ماذا ستفعل بها؟ ستنجب منها طفلاً ليصبح خليفتك ؟

أو ستعذبها حتى تموت؟"

ضحك سيمرامس وقال:

كل شخص في مملكتي هو سلاحي. لا يهمني، ستكون

سلاحًا رائعًا لي هي ورحمها."

فجأة،

شعرت هیستوريا بقوتها تضعف شيئًا فشيئًا، لكنها

بدأت تردد كلمات غير مفهومة. شعرها تطاير، وعينيها

امتلأت باللون الأحمر، وظهر خلفها التنين الذي قطع

الشبكة كأنها سيف.

قالت وعزمها لا يتزعزع

لن تبقى على قيد الحياة، ولو بعد حين.

ثم هاجمت عليه بكل قوتها وكان التنين يتقاتل مع

تنين العناكب.

لكن قبل أن تقتله بنظرة واحدة، أمسكها سيمرامس من

حنجرتها وقام بتمزيقها، قائلاً:

"ملك العناكب لا يقهره شيء."

وفجأة قطعها إلى نصفين بشدة.

ضحك وقال:

"أنتِ جميلة، لكني زعلت عليكِ لأني لم أتلعب بجسدك

قبل أن تموتي."

ثم ترك جثتها ملقاة على الأرض، ونزلت دماؤها في كل

مکان، بينما كان يرحل ويدوس على دمائها.

عند ياتو

دفن والديه وختفى عائدًا إلى المملكة، حيث وجد

الجنود ميتين ولم يجد هيستوريا. ظل يبحث في كل

مكان حتى رأى دماءها على الزهور، لكن لم ير جثتها.

وضع يده على الدماء، وعينيه مليئة بالدموع. رأى الماضي و كل شيء، كيف قتل أخوه والديه وخطف أخته، وكيف قتل هيستوريا.

بينما كان يحمل الدماء بيديه، بدأ يبكي قائلاً:

"لماذا؟ لماذا الأخوة أعداء ؟ لماذا فقدت كل شيء في

يوم واحد ؟ أمس كنا معًا نضحك، يا هيستوريا... أين

أنت الآن؟"

كان صوت ياتو يملأ المكان كطفل فقد كل شيء في

لحظة.

توقف عن البكاء وفكر: "لماذا لم أرَ ماذا فعل بها بعد أن

قتلها؟ أين جثتها؟"

بحث عنها، لكن لم يجدها، لأن العازل قد أنشئ من

العالم السفلي الاخر ومن سيمرامس نفسه.

في مكان معزول عن النوراغامي كانت جثتها وروحها

تنتظر، وهو يمر من جنبها دون أن يراها.

نظرت إليه روحها، مناديةً له، لكنها كانت تعلم أنه لا

يستطيع سماعها.

زاد ذلك من غضب ياتو، الذي اعتقد أن جثتها قد تكون

في مملكة سيمرامس، فأراد أن يعيدها قبل أن يفعل بها

شيء آخر. لكنه كان منهارًا، فقد فقد كل شي.

عاد إلى مكان دمائها، وسقط مغشيا عليه من شدة

حزنه

استفاق ياتو على صوت فتاة يتنقل في المكان، فظن

أنها هيستوريا، لكنه توقف ليتفحّص المكان، ليكتشف

أنها ليست هي.

وجهها وملابس ملكية، تقول له بهدوء:

"كنت أحاول إيقاظك، سيدي."

كانت فتاة ترتدي طائية تغطي ملامح

نظر إليها بتمعن، وسألها:

" من أنت؟ من أين أتيتِ؟"

توقفت الفتاة وانحنت له بلطف، وقالت

"اسمي كريستا، ابنة ملك العالم السفلي الآخر."

تساءل ياتو بغضب:

" وماذا تريدين؟"

أجابت بهدوء، كأنها لا تعير الموقف أهمية:

"لا

شيء،

فقط رأيتك نائما وتهلوس، سيدي.

ماذا

أصابك؟"

تذكر ياتو كل شيء، وغضب بشدة، ثم استجمع قوته

وقال:

سأراك بعد أن أنهي على ذلك الحقير."

حاول التسلل إلى مملكة أخيه، لكن سيمراميس كان قد

خطط لذلك مسبقًا وتواصل معه روحياً. فجأة، سمع

أخته وهي تبكي قائلة:

صوت

"أرجوك لا تأت. ياتو سيقتلني إن حاولت."

توقف ياتو في مكانه، محاولا اختراق الحاجز لكن

توقف فجأة لسماع صوت سيمراميس قائلاً له:

"لا تقلق ياتو. إذا لم تحاول الدخول، لن أوزيها."

تراجع ياتو إلى الوراء وقال بحزم

" أخي، سأنهي عليك عندما أراك. هذا وعد مني."

عاد وهو مليء بالغضب والحيرة. عند عودته، وجد

الفتاة تنتظره، وقالت له بابتسامة خفيفة:

" أهلاً بعودتك مولاي."

تذكر تلك الجملة التي كانت هيستوريا تقولها دائمًا،

فحمرت عيناه وقال بعصبية:

قولي، ماذا تريدين؟ بسرعة، لا أحتمل شيء.

نظرت إليه الفتاة وقالت بثقة:

المملكة بأكملها تقول بأنني أذكى فتاة تراها عيناك قل

لي مشكلتك، سأقول لك الحل في ثانية واحدة."

نظر إليها ياتو بسخرية وقال:

"أحقا؟"

هزت الفتاة رأسها بالموافقة، فاختبرها ياتو وقال:

"ماذا سأفعل الآن لإنقاذ أختي؟"

ردت عليه في اللحظة نفسها:

" لا تقترب من مملكة سيمراميس حاليا هو سيقتلها

بالفعل، لكن عليك أن تعيد بناء ما خُرّب في مملكتك."

نظر ياتو إلى مملكته والجنود ثم عادت الفتاة لتقول:

"المملكة تحتاج إلى تنقية من جديد، والجنود يجب

استبدالهم وانس أمر تلك الفتاة، ياتو."

نظر إليها بغضب وقال:

"كانت ستصبح زوجتي."

أجابته بهدوء:

ولكنها ماتت يا ياتو ، أنت في البداية. هل تريد أن

تموت دون أن تعطي حكمك لغيرك؟"

صمت ياتو قليلًا، وهو يفكر في الحزن الذي يشعر به.

لكن تذكر أيضًا أنه إذا مات، فمن سيعطي الحكم؟ ثم

قال فورًا:

"لم

أعد أريد هذه المملكة ولا الحكم. أريد قتل أخي

فقط."

نظرت إليه الفتاة وقالت:

"لو أنك تحبها فعلًا، لما قلت ذلك هي تريد هذه المملكة

أن تُصنع بحب. أعتقد أنها كانت تريد أن ترى المملكة

بسلام وحياة."

نظرت إليه بتمعّن ثم قال ياتو بصوت منخفض

"كيف علمتِ بذلك؟ هي لم تقل هذا."

ردت الفتاة بسرعة:

"لكن كل ما كانت تقوله كان لأجل ذلك."

صمت ياتو ،قليلاً وعينيه فاضت بالدموع. ثم قال:

"لا أعلم ماذا أفعل، يا كريستا، أنا ضائع."

أوقفت الفتاة تفكيره وقالت:

"ماذا حل بتنينك؟"

لم يخطر له التنين في البداية، ثم تذكر أنه ذهب

ليبحث عنها، فوجدها مصابة في البئر. أمسكها، ثم

شفاها بقوته وعاد إلى الفتاة.

نظرت إليه كريستا مبتسمة وقالت:

"لا تقلق، سأرشدك على كل شيء. لن تضيع. لكن ليس

لدي القدرة على الخروج ليلاً، لأن الملك سيغضب جدا

إذا علم."

سألها ياتو:

"ولماذا تريدين فعل ذلك؟"

أجابته بصوت حكيم

لأرى المستقبل الذي خطط له ديفانتشي، لأرى ماذا

سيحدث في القادم."

ثم أكملت:

"رمم جروحك، فإن الحزن على الموتى لا يحييهم يا

ياتو لو كان الجللار هنا لما حدث ذلك

دهش یاتو وقال:

"صحيح. متى سيظهر الجلال؟"

أجابته كريستا بكل حكمة:

"عندما تختار أن تكمل نسلك، سيدي."

ثم انحنت أمامه واختفت

تلك الأثناء، كان سيمراميس ينظر إلى أسينات

بشفقة، قائلاً:

"لو كنتُ أعلم أنكِ ستحزنين لهذه الدرجة، لقتلتك مع

والديك."

ارتجف ،جسدها، وبدت عيناها ترجفان في صمت، غير

قادرة على النطق بسبب صدمتها. أكمل حديثه

"يسعدني أنكِ عزباء. إن أجريت عليكِ الطقوس لأحولكِ

إلى أقوى أنثى هجينة في المملكة، سيكون شرفًا لي

ولك. ما رأيك؟"

لكنها كانت لا تزال صامتة لا تجيب. أمسك شعرها

بقوة، فاقترب من وجهها، وقال:

"أجيبي، ما رأيك؟"

هزت رأسها بالموافقة، فابتسم وقال:

"أحب الفتيات العنيدات. أستمتع عندما يبدأون

بالصراخ."

ثم دفعها بقوة لتصطدم بالحائط، وسقطت على الأرض

ببطء، بينما كان صوت أضلاعها وهي تتكسر يشق

الصمت، وكأنه لحن موسيقي سعيد.

نظر إليها وقال:

" سأشفيك لأنني أريد الاستمتاع."

ثم اقترب منها، وقال:

"أنتِ ستكونين من تنجبين لي الخليفة. وأنتِ ستكونين

سلاحي لقتل مملكة ياتو."

نظر إليها بتمعن وقال:

"لماذا تبكين؟ أنا آسف الفتيات مقدسات... لكن

النوراغامي."

ثم ضحك بشكل هستيري وقال:

"سأخرج قليلاً ارتاحي الآن."

عند ياتو

جلس يفكر في كلماتها وعقله يكاد ينفجر من ثقلها.

توقف للحظة، ثم أعاد تنقية النوراغامي بيديه، مستبدلًا

الجنود بآخرين من قوته. بعد ذلك، عاد إلى العالم

الخارجي لينقل قبر والديه إلى العالم السفلي

دفنهما في مقبرة النوراغامي

أحس بوجود كريستا خلفه، قبل أن تقول بصوت هادئ:

"لم أكن أعلم أنك ستهدأ بعد حديث

نظر إليها، وعيناه لا تزالان تحملان ظلال الألم، ثم قال

بصوت منخفض

إني هادئ، لكني أقسم أن قلبي يعتصر

ألمًا."

وعادت عيناه لتتوهجا باللون الأحمر وهو يضيف،

بصوت مشوب بالغضب والندم

"كل هذا بذنبي... لشدة حبي لأخي، لم أنتبه لأفعاله كما قالت لي هيستوريا

نظرت إليه، والحنية بادية في عينيها التي لا يراها، قبل أن تقول بصوتها الهادئ

"مولاي، إنه ليس ذنبك. لقد درّبت قوتك لتكشف إن

كان أخوك يكذب عليك، لكنه خطط لذلك، وخدعك

بسحره

نظر إليها مستغربًا، قبل أن يسألها بجدية:

وكيف تعلمين كل شيء؟"

أجابته فورا دون تردد

"الشياطين تعلم كل شيء، وأنا خليفة أمي وأبي،

فكيف لا أعلم؟"

ثم أضافت بعد لحظة صمت

"سيمراميس أتى إلينا البارحة، طلب من الجن

والسحرة أن يصنعوا له شيئًا... لكن بصراحة، أظنه

سلاحًا لقتل هيستوريا فهي قوية، لا يهزمها شيء،

وقتلها سيكون..."

لم تكمل حديثها، فقد قاطعها عندما شدّ قبضته بقوة،

وعيناه تلتمعان بالغضب وهو يهمس بصوت خفيض

لكنه مشحون بالكراهية

"سأعذبه أضعاف ما فعل بها، ذلك الساقط...

ابتسمت كريستا، وقالت بمرح هادئ

"القانون يمنع السب في النوراغامي، ضعه في

المقدمة."

نظر إليها، لا يريد الاعتراف بذلك، لكنه تنهد قائلاً:

"سيكون في المقدمة... إذاً."

ابتسمت مجددًا، ثم قالت:

أرواح النوراغامي تبقى ليوم كامل في الأرض قبل

أن تصعد إلى السماء. لذا، إن كانت تراقبنا الآن،

ورأتك بهذا الحزن، فسترحل وهي قلقة عليك."

ارتجف ،جسده، قبل أن يهمس، وصوته ينكسر بين

الكلمات: لن أنساها... سأظل أحبها... سأحيي شعبي وأقتل

أعدائي لأجلها..."

ابتسمت كريستا، وقالت بلطف

"ولأجل عائلتك أيضًا."

نظر إليها بعينين محمرتين وقال بحزم

"عائلتي في المقدمة سيدتي. لكنكِ تتحدثين عنها،

وأنا أجيبك."

ثم أشاح بنظره بعيدًا، وهو يضيف بمرارة:

"عائلتي... التي سعيت لكل هذا لأجلهم، ها أنا أراهم

ميتين، وأدفنهم بيدي

أغمض عينيه للحظة، ثم فتحهما وعيناه تشعان بالغضب والانتقام

"قسماً بأني سأعذبه قبل أن أقتله... ليذوق الموت

مرات ومرات، دون أن يموت حتى يترجى الموت بنفسه."

نظرت إليه كريستا بثقة، ثم قالت بصوت مطمئن

"سيكون ذلك، لا تقلق."

وعندما افترقا وذهبت للعالم السفلي الاخر

بخطوات مثقلة، مشى نحو الحديقة التي تملؤها

أزهار دوار الشمس، كأنها تناديه بصمت. كانت عيناه

مليئتين بالتعب والحزن، وصوت في داخله يصرخ،

يدفعه نحو رغبة قاتلة... أن يقتل أخاه الآن، دون تردد.

وقف أمام زهرة ضخمة، تطلّع إليها بصمت، وكأنها تحمل

له ذكرى بعيدة. مدّ يده ببطء إلى جيبه، وأخرج صورة

قديمة، التقطها منذ زمن... صورة جمعت بينه وبينها.

ياتو (بصوت مبحوح ، وعيناه تتأملان الصورة بحنين

مؤلم)

"كيف يمكنكِ أن تكوني هنا... ولست هنا؟ كيف يمكن

لضحكتك أن تملأ هذا المكان، بينما أنت بعيدة عني؟ "

(يخفض الصورة قليلًا، ينظر إلى أزهار دوار الشمس

التي تتمايل مع النسيم، كأنها تهمس له بأسرار الماضي.

ياتو ( يبتسم بمرارة، وهو يمرر أصابعه على الصورة):

"هذه الأزهار لم تتغير... لكن كل شيء آخر تغير، حتى

أنا. لو كنت هنا، هل كنتِ سترينني كما كنت، أم كنتِ

ستخافين مما أصبحت عليه؟ "

ياتو ( يبتسم بمرارة ، وهو يمرر أصابعه على الصورة):

"هذه الأزهار لم تتغير... لكن كل شيء آخر تغير .

أنا. لو كنت هنا، هل كنت سترينني كما كنت، أم كنتِ

ستخافين مما أصبحت عليه؟ "

(يغمض عينيه للحظة ، وكأن صوتها يرد عليه من أعماق

ذاكرته. ثم، ببطء، يضع الصورة في جيبه، يتنفس بعمق،

ويرفع نظره نحو السماء، حيث الشمس تعكس ضوءها

الذهبي على الأزهار تمامًا كما كانت تفعل يوما ما.)

یاتو (بهمس، وكأنه يعاهدها):

"سأنهي هذا... حتى لو اضطررتُ إلى تلويث يديّ

بالدماء."

تشتد قبضته ثم يستدير ليكمل طريقه، تاركا خلفه

ظلًا يبتعد عن الضوء، ويغرق أكثر في الظلام الذي

اختاره

خرج من الحديقة، يعود للقصر وعيناه تتأمل كل شيء من حوله، وكأنه يتفقد وجودها رغم عدمه.

دخل القصر، استلقى على سريره، وما إن أغمض عينيه حتى غطّ في النوم لشدة تعبه.

~~

مشى في المملكة، وكلما خطا للأمام، رأى المملكة تشتدّ سوادًا حتى سمع صوت هيستوريا تقول:

"مولاي، أنا هنا."

استدار للخلف، فرآها… كانت جذابة كعادتها، بل وتزداد جمالًا. نظرت إليه بعينيها الهادئتين وقالت:

"مولاي، انظر للصواب، ولا يتملك قلبك شعور أن تلطّخ يديك بقتل أخيك الآن."

نظر لها بغضب مكبوت، وقال بصوت مختنق:

"كيف ذلك؟ وهو من قتلكِ، وقتل والدي، وأخذ أختي… لا أعلم حتى ماذا سيفعل بها!"

استوقفته قائلة:

"لا تستعجل، سيدي… هو لن يقتلها، يريدها للخليفة."

تلك الجملة زادت غضبه، قبض يديه بشدة وقال بحدّة:

"يريد الاعتداء عليها لأجل الخليفة؟!"

نظرت إليه بحزن وقالت:

"أجل، سيدي."

حدّق بها بعينين مضطربتين قبل أن يقول:

"وأنتِ؟ أين أنتِ؟ أين جثتكِ؟"

صمتت لوهلة، ثم ابتسمت بهدوء وقالت:

"انظر إليّ… أنا أمامك، لماذا تسأل وأنا هنا؟"

اقتربت منه، وأمسكت وجهه بلطف، تمرر أناملها على وجنتيه، كأنها تطمئنه:

"أنا بجانبك، ياتو… لا تقلق."

انزرفت دموعه وهو ينظر إليها وقال بصوت مبحوح:

"أنا خائف… خائف أن يكون كل ذلك وهمًا."

ضحكت برقة وقالت:

"إن كان كل ذلك وهمًا، كنتُ سأكسر قانونك، سيدي."

نظر لها بدهشة وقال:

"أتجرئين على ذلك؟"

ابتسمت بخجل وتوتر وقالت:

"أمزح، سيدي… أردتُ فقط أن أجعلك تبتسم قليلًا."

مدّ يده إلى خصلات شعرها، حرّكها خلف أذنيها بلطف، وقربها منه وهو يهمس:

"قُربكِ أجمل من بعدك، هيستوريا… لا تبتعدي عني، انزرفتُ دموعي دمًا عند فقدانكِ."

تبسمت، وعيناها تفيض بالدموع، وقالت بصوت دافئ:

"لا تقلق… أنا معك، وإن لم تجدني بجانبك، فأنا في قلبك، مولاي."

مسح دموعها بقبلة خفيفة على عينيها، وهمس:

"لا أريدهم أن يفيضوا في عينيكِ."

ابتعدت عنه قليلًا وقالت بحزن:

"سيدي… لا تحزن على فراقي، أنا أراقبك أينما كنت."

ثم تابعت بنبرة حانية:

"عِش حياتك بعزم، تغلّب عليه، وعِش بسلام… هذا ما أريد."

مدّ يده إليها، يريد أن يمسك بها، أن يمنعها من الرحيل، لكنه لم يتمكن… اختفت من أمامه فجأة. صرخ وهو يمدّ يديه نحو الفراغ:

"هيستوريا!"

استفاق وهو يصرخ باسمها، نظر حوله… وجد نفسه في غرفته، كل شيء كان ساكنًا، ولا وجود لها

كان حلمًا… لكنه كان أكثر واقعية من أي شيء آخر.

اندق الباب، ليأتيه صوت أحد الحراس من خلفه:

"سيدي، أنت بخير؟ الطعام جاهز."

نهض ياتو من سريره بخطوات بطيئة، وكأن ثقلًا كبيرًا يسحب جسده نحو الأرض. توجه إلى الحمام، أدار الماء البارد، ثم نظر إلى المرآة… عيناه كانتا مليئتين بالانتقام، شرارات الغضب تتراقص داخله كجمر لم ينطفئ.

لماذا عليّ الانتظار؟ لماذا لا أنهي الأمر الآن؟

استحمّ، ثم خرج من الحمام، قطرات الماء ما زالت تنساب على خصلات شعره وهو يسير نحو الطاولة. جلس بلا شهية، لا رغبة له في الطعام، فكل ما يدور في رأسه هو الانتقام، والمصير الذي ينتظره.

~~

اندق الباب مجددًا، هذه المرة جاءه صوت أحد الحراس بنبرة جادة:

"سيدي، هناك سيدة غريبة تريد الدخول."

رفع ياتو نظره ببطء، وعيناه تلمعان بحدة قبل أن يقول ببرود:

"دعوها تدخل."

~~

دخلت السيدة بخطوات ثابتة، هدوؤها كان أشبه بصمت العاصفة التي تسبق الخراب. لم يكن في ملامحها أي تردد أو خوف، بل كانت واثقة، وكأنها ترى المشهد بأكمله قبل أن يبدأ.

وقفت أمامه للحظة، ثم قالت بصوت هادئ لكنه يحمل قوة خفية:

"كل، سيدي… أمامك مشوار طويل."

لم يتحرك ياتو، لم يمدّ يده نحو الطعام، فقط نظر إليها ينتظر المزيد.

جلست أمامه، بثبات جعل الأجواء مشحونة، ثم تابعت:

"علمت بأمرٍ يجب أن أخبرك به، من قِبل سحرة مملكتنا."

ضاقت عينا ياتو قليلًا، وقال بصوت بارد:

"قولي."

التفتت حولها قليلًا، ثم عادت لتنظر إليه بعينين لا تخفيان جدية كلماتها:

"قالوا بأن سيمراميس سيهجم عليك بعد ثمانية أشهر بالضبط، سيدي. عليك أن تستغل ذلك جيدًا."

اتسعت عيناه قليلًا، كأن الكلمات اخترقت أفكاره بقوة. ثم قال بنبرة مشوبة بالغضب:

"ولِما سأنتظر كل هذه المدة؟ وهل ستكون أختي بخير؟"

أجابته بصوت بارد، وكأنها تحاول كبح مشاعرها:

"نعم، ستكون بخير… جسديًا."

نظر إليها بعينين تملؤهما الريبة، ثم قال بصوت منخفض لكنه يشوبه القلق:

"ونفسيًا؟"

ارتفع حاجباها قليلًا، وكأنها كانت تتوقع سؤاله، ثم قالت ببطء قاتل:

"لن يكون لها نفسٌ أساسًا، قالوا لي… ستكون مثل اللعبة بيد سيمراميس، سلاحه الفتّاك."

~~

شعر ياتو كأن الهواء قد سُحب من الغرفة، تجمدت أصابعه فوق الطاولة، وبدأ صوت أنفاسه يزداد عمقًا. ارتعشت يداه، ليس خوفًا، بل غضبًا، غضبًا قاتلًا يجتاح صدره، يكاد يطيح بكل شيء أمامه.

كيف لي أن أصبر، وأختي تتعذب على يده كسلاح؟ كيف يشعر وهو يعذبها؟ كيف تغير سيمراميس هكذا؟

نظرت له الفتاة، وقاطعت كلامه بهدوء:

"الظلام يغير كل شيء، سيدي."

كانت تلك الجملة كفيلة بإيقاف جميع تساؤلاته، ثم أضافت:

"إن كان عقلك منشغلًا بالظلام، فستنسا النور أيضًا. ركز على قوتك أنت، سيدها."

فكر في آخر جملة قالتها: "أنت سيدها".

سألها: بما أنني سيدها، لماذا لا أملك القدرة على الإحياء مثل هيستوريا؟

أجابته الفتاة فورًا:

"إنها قدرة الأساطير لحماية الملوك، وليست للملوك."

ثم أضافت:

"لكن سيدي، يمكنك صنع سيف الإحياء وإرثه لابنك في المستقبل."

تلك الجملة أثارت فضوله، فأصبح يشعر بشيء من الأمل يغذي نفسه، وقال:

كيف ذلك؟ أخبريني بسرعة.

ابتسمت وقالت:

"جلبت لك شخصين سيساعدونك ويساعدون المملكة إلى النهاية. هل أناديهم، أم أشرح لك عنهم أولًا؟"

قال ياتو بحسم:

اشرحي عنهم، ثم ادخليهم.

"اسمعني، رجل يسمى الحكيم، نناديه سيتو. هو يعرف عن قوتك وعن كل شيء. إنه أحد أحفاد ديفانتشي. وهناك أيضًا امرأة حكيمة، نناديها كايدي. تستطيع معالجة جميع الأمراض ولديها المعرفة بكل خطر جسدي قد يصيبك بسبب قوتك. لا يصعب عليها معرفة أي شيء."

أثار ذلك الفضول في قلب ياتو بشكل أكبر، فقال:

ادخلوهم، أيها الحراس.

دخل الاثنان معًا، وكان واضحًا عليهما الحكمة والقوة. انحنى كل منهما وقالا معًا:

"تحيا مملكة النوراغامي."

كانت هذه أول مرة يسمعها ياتو، واحتل قلبه شعورًا جديدًا: شعور الملك بالفعل.

نظر سيتو وقال:

"لقد طردتنا الملكة من المملكة بدون سبب، والآن اتضح لي أن السبب هو أن أكون مساعدك، سيدي."

نظر له ياتو وقال:

"بل حكيم للنوراغامي. اجتمعوا حولي."

اقترب سيتو وكايدي، ثم وقف ياتو ووضع جزءًا من قوته في قلبيهما، وقال:

"لقد أصبحتم من أهل النوراغامي. هذه أرضكم، وأرجو أن تتعايشوا معها."

نظرت له كريستا وقالت:

"يبدو أنك اقتنعت بهم فور لقائهم."

نظر إليها ياتو وقال:

"بل لأنني علمت ماضيهم، وشعرت بقلبهم، وصدقت قولهم ومشاعرهم. درستهم جميعًا من النظرة."

كريستا: لم أتفاجأ من ذلك، فأنت الملك، سيدي... والآن، ما هي خطتك؟

ياتو: أول شيء سأعمل عليه هو السلاح...

أطلق نظرة حادة نحو سيتو و كايدي، ثم قال:

اجلسا، وأخبرني، يا سيتو، ماذا تحتاج لصنع السيف؟

سيتو: ناب سيفك، سيدي، فقط.

أمسك ياتو السيف، ورغم هيبته، ضغط بيديه حتى كسر ناب السيف وكأنما كان مجرد بسكويتة تحت قبضة يده المدمرة.

أعطاه للسيتو بابتسامة غامضة:

خذها، سيتو.

سيتو: سيدي... يالك من قوي! أتريدني أن أصنع لك سيفًا آخر؟

قبل أن ينطق ياتو بكلمة، قاطعته كريستا بنبرة حاسمة:

مولاي ياتو، لدي فكرة... سيف الموت. سيف يميت وسيف يحيي.

ابتسم ياتو، وكانت ابتسامته مليئة بالدهاء والذكاء، ثم نظر إلى سيتو وكأنما يطلب منه الإجابة على سؤال لم يُطرح بعد:

ماذا تحتاج لكي تصنع ذلك؟

سيتو: ذرة من القوة الحزينة في قلبك، سيدي. أظن أن قلبك محطّم، محمّل بالحزن. شعورك بأنك ستقتل شخصًا يولد قوة شريرة في قلبك، ولكنها لن تظهر... لأن الخير الذي فيك يغطيها.

بحركة سريعة، اقترب ياتو من قلبه وكأنه يستعد لاقتلاعه... ولكن شيئًا ما كان مختلفًا في تلك اللحظة. أدخل يديه داخل صدره، وخرج منها قوة حمراء صغيرة جدًا، تلمع في الهواء، وكأنها شعلة صغيرة من العذاب.

وبعد لحظات من الصمت الثقيل، شعر بشيء غريب... كأن التوتر الذي كان يلتف حول قلبه بدأ يخف، وحزنه بدأ يذوب مثل الثلج تحت شمس قوية.

كان سيتو و كايدي يراقبان بصمت، أما كريستا، فقد كانت تعرف سر تلك القوة. أرادت أن تقتلعها من قلبه، وأن تطهره من شظايا الحزن التي كانت تدمّره من الداخل.

سلم ياتو القوة لسيتو وقال بصوت هادئ ولكنه يحمل قوة لا تضاهى:

ومتى ستنتهي من صنع السيفين؟

سيتو: يومان، سيدي. يومان فقط.

ياتو: سأنتظرك.

ثم أضافت كريستا بتأكيد قوي، كأنها كانت تخبئ شيئًا ما:

أخبره عن ميزات السيفين، سيتو.

نظر سيتو إلى ياتو بتركيز عميق، ثم قال بصوت منخفض، لكن مليء بالتأكيد:

سيف الإحياء لا يحيي إلا لحظة الموت، سيدي. بعد دقيقتين من الموت، لن تنفع الإحياء...

ثم نظر إليه بنظرة مظلمة، وكأنما كان يتحسس عواقب الكلمات التي سيتفوه بها:

أما سيف الموت، فإنه في ضربة واحدة يمكن أن يقتل مئة، سيدي

ياتو: لماذا تغطي وجهك؟

أجابته كريستا بكل هدوء، ابتسامة غامضة على شفتيها:

لأنني أجمل امرأة قد تراها عيناك. لا يجب أن يراني أحدٌ إلا من سيتزوجني. أنا ملكة بالجمال والذكاء أيضًا... وإذا أردت، هكر الموت.

ابتسم ياتو بابتسامة خفيفة وقال:

لا أعتقد أنك أجمل منها.

قاطعتها كريستا بفضول:

من تتحدث عنها؟

ياتو: لا أحد. اذهبي الآن، وسألحقك بعد قليل.

أومأت برأسها، وانحنت تحية له، ثم خرجت تتمشى في أنحاء النوراغامي.

بعد فترة، توقفت كريستا في حديقة الورود وجلست هناك تنتظر ياتو. شعر ياتو بشيء من القلق وهو يراها جالسة، وقال:

لم يعد هذا الهدوء مطمئنًا... أصبح يقلقني أكثر.

ثم جلس بجانبها وأضاف:

لماذا لا يريد والدك أن تتعرفي على النوراغامي؟

أجابته كريستا بسرعة:

ببساطة، لأنه يخاف... عكس والدتي.

نظر إليها ياتو بدهشة وقال:

ماذا عن والدتك؟

أجابت كريستا:

هي من قتلت ساحرة العناكب، سيدي.

تذكر ياتو كلمات هيستوريا عن أن ملكة العالم السفلي هي من قتلت الساحرة، فنظر إليها بتعجب وقال:

كيف لم تقضي الكتلة على والدتك؟

أجابت كريستا بثقة، ونبرة غير مبالية:

الملكة لا تخشى شيئًا. هم الذين يخشونها... وإن كانوا يزيدونها قوة.

ياتو: أنت مثل أمك؟

كريستا: نعم... لذلك جئت إليك ولم أكترث لأي شيء

أضافت على قولها وهي تقف

سأذهب الان أراك غداً ثم اختفت

وبعد إن عاد وحل ظلام الليل الساكن، كان ياتو جالسًا بمفرده في غرفته، عينيه معلقتين في الفراغ بينما كان عقله يطفو بعيدًا في دوامة من الأفكار والذكريات. كان يشعر بثقل الأيام الماضية، وآلام الماضي التي لا تنتهي، لكنه شعر فجأة بشيء غريب يجذب قلبه بعيدًا عن همه، وكأن روحًا ما تناديه.

ثم، في تلك اللحظة، حدث شيء غير متوقع. تغشا الظلام عينيه، واندفعت أمامه صور غامضة، أشكال وألوان تتداخل وتتشابك، وكأن شيئًا بعيدًا قد بدأ يتشكل. قبل أن يستطيع استيعاب ما يحدث، كانت أمامه صورة لامرأة، لكن وجهها كان غير واضح، كانت تهز رأسها بلطف بينما كان يتلمس تفاصيل وجهها بحذر. كان هناك دفء في عينيها، ونظرة حب عميقة، لكنه لا يستطيع أن يتذكر من تكون.

ياتو (همس لنفسه، والارتباك يظهر على وجهه):

من أنتِ؟

لكن، في الرؤية، كل شيء كان واضحًا بشكل غريب، وكأنها مشهد من حياة أخرى، حياة يفتقدها. كان يشعر بالأمان في قربها، والطمأنينة التي تمنحها له بابتسامتها. كان يده تتحرك ببطء على شعرها الأسود الناعم، وأصابعه تتسلل بين خصلاته، ليغمره شعور لم يشعر به من قبل. اقترب منها قليلاً ، طبع قبلة خفيفة على خدها، وهي تبتسم له بحب وعطف، كما لو أن العالم توقف لحظة بينهما.

ثم، في لحظة غريبة، كانت المرأة التي أمامه تبتسم له، وعينها مليئة بالحب. كانت تجلس بجانبه على الأرض، ويدها على بطنها الذي بدا منتفخًا قليلاً. كان يده أيضًا تنزل بشكل حنون إلى بطنها، شعورٌ عميق بالراحة يغمره كما لو كان يحمل شيئًا ثمينًا، وحين كانت تنظر إليه، كان يلمح في عيونها شيئًا غير مرئي، شيئًا يتجاوز الكلمات.

في تلك اللحظة، وضع ياتو يده برفق على بطنها المنتفخ، وقام بغمزها بابتسامة خفيفة وهو يهمس في أذنها، في تلك اللحظة كان يغمض عينيه وهو يشعر بتلك المشاعر الصادقة تدفئه من داخله.

ياتو (بهمس رقيق، وهو ينظر إلى بطنها):

كيف سيكون صغيري؟

ثم استشعر الدفء في قلبه.

لكن مع مرور الوقت، تلاشى المشهد تدريجيًا، وكانت الصورة تتلاشى كما لو كانت أضغاث أحلام، واختفت تدريجيًا من أمام عينيه، تاركة إياه في حالة من الارتباك والضياع. كانت عينيه تتسعان بينما يلتقط أنفاسه بشدة.

ياتو (همس، يرفع يديه في الهواء كما لو كان يحاول الإمساك بشيء):

ماذا كان ذلك؟

لكن لم يكن هناك جواب.

كان مجرد حلم، أو ربما كان رؤيا، لا يستطيع أن يفسرها. لم يكن يعرف من كانت تلك المرأة، ولكنه شعر بأنها تحمل شيئًا من الأمل في قلبه، شيئًا لا يمكن تجاهله

عندما رأى ياتو تلك الرؤية، شعر بشيء غريب يحيط به. هل هو مجرد خيال، أم أن المستقبل بالفعل يحمل له شيئًا ما؟ تساءل في نفسه، هل يمكن أن يتزوج يومًا؟ لكن، في قلبه، لم يكن يريد غير هيستوريا. هل فعلاً يمكنه أن يختار غيرها؟

ثم، بلهجة حاسمة، قال لنفسه: "سأذهب إلى سيتو."

ذهب ياتو إلى سيتو، الذي كان منهمكًا في صناعة سيفه المميز.

قال له ياتو: "أهناك دجال تعرفه؟"

أجاب سيتو وهو يرفع رأسه: "نعم، سيدي. قل لي ماذا تريد، وأنا سأخبره."

قال ياتو: "أريد أن يخبرني بما سيحدث في المعركة القادمة، ما هي نهايتها؟"

توقف سيتو عن العمل للحظة، ثم قال بحذر: "سيدي، تذكرت أنني مُطرود من العالم السفلي، وأنا الآن من النوراغامي. صباحًا، عندما تأتي كريستا، أخبرها بذلك."

نظر إليه ياتو بغضب، وقال: "لا أعلم كيف ستدبر ذلك، ولكنني أريد معرفة هذا الآن."

أجاب سيتو، وهو يواجهه بنظرة جدية: "سيدي، لديك قوة تدعى 'المستقبل'. استخدمها لتعرف. وبما أنك حاكم جديد، قد يكون من الصعب عليك الحصول على رؤية دقيقة، لكن جربها، ربما تجد الإجابة."

جلس ياتو، محاولًا الاستفادة من قدرته. بدأ في أداء الطقوس اللازمة، ووسط التوتر الذي يحيط به، تركزت أنظاره في رؤيته المستقبلية.

رأى سيفه يدخل جسده، ولكنه كان يشعر بشيء غريب. هذا السيف لم يكن من سيمراميس، بل كان سيفه هو. ثم، وعلى الأرض أمامه، كان يقف سيمراميس بجسده وسيفه.

تفاجأ ياتو، ولم تكتمل الرؤية إلا بصوت طفلين يبكيان، أو ربما طفل واحد، لا يمكنه التأكد. كان الصوت بعيدًا، يصاحبه صوت ضربات سيف آخر. ثم، فجأة، توقف صوت الطفلين، واختفت الرؤية.

جلس ياتو في صمت، وعينيه تركزان في الفراغ، بينما كان قلبه ينبض بشدة. هل كانت تلك الرؤية تحذيرًا؟ أم مجرد انعكاس لما يخبئه له المستقبل؟

2025/02/20 · 23 مشاهدة · 5277 كلمة
Hazar Qa
نادي الروايات - 2026