مرحباً بكم هذه الروايه قمت ب تأليفها ارجو منكم ترك تعليق ان كان بها خطأ او تعديلات واريد افكاركم

شكرا لكم 🌹

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

الفصل الاول: الرماد الأخير

غرناطة، 2 يناير 1492 – لحظة السقوط

الرياح الباردة كانت تحمل رائحة الخيانة.

كانت الشمس قد بدأت في الغروب، تذبل خلف جبال سييرا نيفادا، وبات الضوء الذهبي يتسلل عبر نوافذ قصر الحمراء ليغسل الجدران الطينية التي طالما شهدت أيام العز والمجد. كان يحيى بن زيد، الفتى الذي وُلد في أحضان غرناطة، يقف في غرفة معزولة عن العالم. لا شيء يحيط به سوى الكتب التي تكدّست على الطاولة، وجدرانٍ تحمل صورًا قديمة لأجداده، الأبطال الذين سقطوا في معركة الدفاع عن الوطن. كان يراقب من خلال النافذة المشهد الذي يتكشف أمامه: الجنود الإسبان يطوّقون المدينة، وقبضتهم المحكمة بدأت تتسع على كل شبر من أرض الأندلس.

كان صوته يغرق في الصمت المحيط، بينما العيون تتساقط منها الدموع بشكل غير مرئي، يخفيها بغضبٍ مكبوت. لا يدري ماذا يراه، هل هو الحلم أم الكابوس؟ كل ما كان يشعر به هو ثقل الزمن، ثقله الحارق الذي سلب منه الأمل في لحظة واحدة. مشهد السقوط لم يكن مجرد سقوط مدينة، بل سقوط حلم، سقوط حضارة كاملة.

ثم دخلت فاطمة، أمه، وهي تتنفس بلهث شديد، كما لو كانت تحمل على قلبها ثقلاً أكبر من جسدها. كانت تسرع نحو يحيى، تحاول أن تُخفي قلقها، لكنها لم تستطع. كان يحيى يراقبها في صمت، وهو يقرأ في عيونها كل الأسئلة التي لا تستطيع الإجابة عنها. كانت تُدرك أن اللحظة قد حانت، اللحظة التي طالما رافقتها في كوابيسها.

"يحيى، يجب أن نغادر الآن!" قالتها بصوتٍ يملؤه الخوف، لا الخوف على نفسها، بل على مستقبل ابنها الذي صار الآن محاصرًا في معركة أكبر من أي سيف.

كانت العيون التي طالما رأت فيه أمل الأمة، اليوم تُراودهما الدموع.

"أمهاتنا ضحين بكل شيء ليحيا أبناؤنا. لن تضعفي الآن، أنت فتى الأندلس." قالت فاطمة، وهي تلتقط نفسها بسرعة، مدركة تمامًا أن الوقت ليس في صالحهم.

لكن يحيى لم يتحرك. كان متجمدًا في مكانه، مشدوهًا إلى الحد الذي لم يعد يستطيع فيه التمييز بين الحقيقة والخرافة، بين اللحظة المظلمة والماضي المضيء الذي كان يظن أن غرناطة ستظل فيه إلى الأبد.

"لكن، أين نذهب؟"

ثم دخل الخادم، يحمل وجهه القلق، حاملاً أنباء مؤكدة:

"الجيش الإسباني يقترب، سيدي. الطريق مسدود."

هنا، بدا أن الوقت قد نفد. كانت العيون التي لم تجد الراحة منذ أسابيع، تجد نفسها محاصَرة الآن أكثر من أي وقت مضى. كان يحيى ينظر إلى والدته، ويشعر بثقل الأسئلة التي تتراكم داخله.

"هل نترك كل شيء؟"

فاطمة اقتربت منه، وأمسكت بيده، وقالت بصوتٍ مفعم بالحزم:

"يحيى، هناك شيء أهم من كل شيء... إنه التاريخ." ثم أخرجت من جيبها قلادة قديمة، كانت قلادة من الذهب، نقش عليها رموز غريبة. كانت قلادة عائلية، واحدة من تلك الأشياء التي لا تُورث إلا لأبناء السلالة المختارة.

وضعتها في يده، وقالت:

"هذه القلادة، تذكر أن لا تثق بمن يحمل المجد الزائف."

نظرت فاطمة في عينيه للمرة الأخيرة، وركّزت نظراتها على القلادة التي حملها بيدين مرتجفتين. كانت القلادة أكثر من مجرد قطعة ذهبية. كانت رمزًا للكرامة الضائعة، ولأمة سقطت ولكن لن تُنسى. كان عليها أن تخرج، ولكن ليس قبل أن تؤكد له شيئًا واحدًا.

"سأظل أبحث عن الحقيقة، أمي، مهما كان الثمن." قالها يحيى بصوت ثابت، لكنه كان يعاني من داخله، مثل نارٍ لا تطفأ.

ثم، في لحظة مفاجئة، اهتز المكان. كان الصوت مثل صاعقة، دويّ مدوٍ تخترق الجدران. كان القصف الإسباني قد بدأ. انفجرت المدافع عبر المدينة، وأحدثت ثقبًا في قلب الحلم، وأسقطت رمادًا على كل ما تبقى.

"لن يبقى شيء هنا سوى الرماد." همس يحيى، وهو يرى أسراب الغبار تتطاير من تحت قدميه.

فاطمة شدّت يده مرة أخرى، فركضوا معًا عبر الدهاليز المظلمة للقصر. الأقدام تتسابق، والقلادة تلمع في يده كأنها حكاية الماضي. كانت الأنفاس تتسارع، والأضواء تنطفئ شيئًا فشيئًا، كأنهم يهربون من عاصفة لا يمكن الهروب منها.

وصلوا إلى الباب الكبير للقصر، حيث كانت الجموع تفرّ تحت ضغط الحصار. كانت أصوات الجنود الإسبان تقترب أكثر، وكان الصوت المدوّي يملأ الأجواء، كأقدام الموت ذاته.

فاطمة نظرت إلى المدينة للمرة الأخيرة، قبل أن تلتفت إلى يحيى وتقول بصوتٍ خافت، لكن عميق:

"اليوم... لا تسقط غرناطة فقط، ولكن كل شيء."

ومع هذه الكلمات، اندفعوا نحو المجهول، متّجهين نحو الصحراء البعيدة، حيث أملهم الوحيد كان في أن ينجو هذا الفتى، الذي سيحمل في قلبه عبء تاريخٍ ضاع.

2025/04/13 · 15 مشاهدة · 680 كلمة
نادي الروايات - 2026