الفصل الثالث: صحراء الأمل والضياع(2)
بعد أن شربت فاطمة القطرات الأولى من السائل الأخضر، شعرت بوخز خفيف في رأسها، وكأن شيئًا قد بدأ يتحرّك داخلها، شيئًا نائمًا منذ قرون. أما يحيى، فتردد للحظة، لكنه شربها أخيرًا، بفضول طفولي ممزوج بالخوف.
وفجأة... تغيّرت الألوان.
لم يعد الضوء يتسرّب من الخيمة بنفس الطريقة. كان كأنه ينبض، يسطع ويخفت، كقلبٍ عملاق يضخ الحياة في كل شيء. الجدران أصبحت شفافة بشكلٍ غريب، كأنها تسمح برؤية شيء يتحرّك خلفها… أو بداخلها. بدأ الرمل بالخارج يتلوّن، يتحول من الأصفر المعتاد إلى طيف لوني لا يُمكن وصفه، كأن الأبعاد تغيرت.
يحيى ارتبك، وبدأ يتراجع، لكن الشيخ هدّأه بنبرة مطمئنة:
> "لا تخف، يا بني… إنها العين الثالثة. لا يراها إلا من تخلّى عن قيوده."
نظرت فاطمة إلى يدها، فوجدتها وكأنها تشفّت قليلاً، وبداخلها… خريطة؟! نعم، خريطة معقّدة من النقوش والهالات الضوئية، تتحرّك مع نبض عروقها.
> "ما هذا؟!" صاحت، وقد امتزج في صوتها الذهول بالرهبة.
"هذه الخريطة ليست لمكان… بل لزمن." قال الشيخ بهدوء.
جلس الثلاثة في دائرة صغيرة، والشيخ أخرج من جرابه قرصًا حجريًا دائري الشكل، نقش عليه رموز غير مألوفة، أقرب إلى رموز النُبوءات البابلية، لكنها تتحرك ببطء. لَمس سطح القرص، وفجأة ظهرت صورة ثلاثية الأبعاد فوقه، لهياكل معمارية ضخمة مدفونة تحت الأرض، وأبراج طافية في السماء، وقباب لامعة تُرسل إشعاعات خضراء.
> "أنتم لا تهربون فقط من الحرب يا فاطمة… أنتم تقتربون من بوابة."
> "بوابة؟ لأي شيء؟" سأل يحيى، وهو لا يزال يتأمل الخريطة التي تتشكل في كف والدته.
> "بوابة العبور. إنها تُفتح كل 700 عام، فقط لمن يحملون في دمهم نَسَب النور. الذين وُلدوا من سلالة حَماة النور… وأنتم من تلك السلالة."
ساد الصمت، لا يُقطعه سوى صوت الحقول الكهرومغناطيسية التي بدأت تتشكل حول القرص الحجري، تشبه الحلقات التي تنبعث من نقطة سقوط حجر في بحيرة.
تداخل الأزمنة:
فجأة، بدأ المكان بالاهتزاز الخفيف. لم يكن زلزالًا، بل انزياح في الزمن نفسه. الخيمة اختفت للحظة، ووجدوا أنفسهم في أطلال مدينة غريبة، مبنية من المعدن والحجر النحاسي، تتداخل فيها عناصر العمارة الإسلامية مع تصاميم لا تُشبه أي عصر. كانت السماء مرصّعة بأقمار صغيرة تدور ببطء، والهواء يلمع كما لو كان يحتوي على ذرات ضوء حية.
> "هذا هو المستقبل الذي كان يجب أن يكون… لكن شيئًا ما قد كُسر في الزمن." قال الشيخ، وقد أصبح صوته أكثر صدى.
> "من كسره؟" سأل يحيى.
> "أعداء النور... قوم من خلف الحُجب. قطعوا التواصل بين العوالم، وأغلقوا البوابات، ونشروا الظلام في الحقب القادمة."
> "وهل يمكن إصلاح ذلك؟" سألت فاطمة.
> "أنتم المفتاح. أنتِ تحملين الخريطة، وهو يحمل النواة. لكن لا يمكن إكمال الرحلة دون جمع البقية."
عودة إلى اللحظة:
قبل أن ينقطع المشهد، عاد كل شيء فجأة إلى طبيعته. الخيمة عادت، الشيخ كان يحدّق بهما بهدوء، والرياح استعادت صفيرها. نظر يحيى إلى يد والدته، فلم يعد هناك شيء ظاهر… لكن في قلبه، كان يعلم أن شيئًا قد تغيّر.
قال الشيخ:
> "الوقت بدأ ينفد. أنتما الآن لم تعودا من الماضي فقط… بل تحملان مستقبلًا بأكمله."