4 - واحة السراب – حين تنبض الرمال(1)

الفصل الرابع: واحة السراب – حين تنبض الرمال(1)

الصباح التالي كان صامتًا على غير العادة. لا صوت للريح، ولا حتى صرير الجمال التي نامت خلف الخيمة. كل شيء بدا ساكنًا كأن العالم حبس أنفاسه بانتظار الخطوة القادمة.

استفاق يحيى أولًا، جسده مرهق كأنّه خاض معركة في الحلم، وعيناه تحملان ذكريات لا تخصه. نهض بخفة وتسلل إلى خارج الخيمة. الشمس كانت لا تزال خلف الأفق، لكن الرمال تتوهج بضوء خافت أخضر، ينبض كقلب حي.

ظهر الشيخ بجواره دون صوت، كأنّه خرج من نفس الرمال.

> "أنت تشعر بها، أليس كذلك؟"

> "الرمال؟ إنها... تتكلم."

> "ليست الرمال فقط، بل كل شيء من حولك. بعد أن شربت من سائل البوابة، بدأت ذرات الزمن تراك."

في تلك اللحظة، خرجت فاطمة من الخيمة، وفي عينيها نظرة لم يرها ابنها من قبل. وقفت تحدّق في الأفق، ثم قالت بصوت خافت:

> "إنها هناك... الواحة التي لا تظهر إلا للعابرين."

نظر الشيخ إليها بإعجاب، وأومأ.

> "واحة السراب... أول مفاتيح المرآة. لكن الدخول إليها ليس عبر الطريق، بل عبر النية."

اقترب منهم ثلاثتهم، وقفوا دائرة، وأمرهم الشيخ بأن يُغلقوا أعينهم. كانت الرمال تحت أقدامهم تزداد دفئًا، وتنبض بإيقاع غريب.

"كرّروا داخلكم: لا أطلب المكان، بل أستدعي الذكرى."

فعلوا، وتحوّل الصمت إلى طنين خافت… ثم صوت.

صوتٌ أنثوي، رخيم، كأنّه يأتي من داخل الأرض.

> "من أنتم، ومن أين تأتون؟"

أجاب الشيخ:

> "نحن من سلالة النور، نطلب أول الشظايا."

الرمال تحرّكت فجأة، وتشكّلت منها بوابة مقوسة، عليها رموز هيروغليفية وآرامية وسريانية تتوهج بلون الدم والذهب. مرّوا من خلالها، وفجأة… لم تعد الصحراء كما كانت.

---

في داخل واحة السراب

الواحة لم تكن مكانًا... بل زمنًا.

بساتين نخيلٍ ضخمة ترتفع فوق بحيرات من الزجاج السائل، سماء كأنها قُبّة كريستالية تعكس أكثر من شمس، وطيور تطير بلا أجنحة، تسبح في الهواء كما تسبح الأسماك.

في قلب الواحة، بناء سداسي الشكل، يطفو في الهواء على بعد أمتار من الأرض، يتغيّر لونه كل ثانية.

اقتربوا، لكن فجأة توقّف الزمن.

تجمّدت الأشجار، المياه، الطيور… وفقط هم الثلاثة كانوا يتحرّكون.

> "الاختبار بدأ"، قال الشيخ.

من وسط البِركة، خرجت امرأة جميلة، ترتدي ثوبًا مائيًا يتماوج مع حركتها، وعيناها تشعّان بضوء يشبه عيون فاطمة. كانت ليلى الزهراء.

> "فاطمة… دمكِ يُشبه دمي. أتيتِ تطلبين ما لا يُمنح إلا عبر الفقدان."

تقدّمت فاطمة وقالت بثبات:

> "جئت أطلب ما يمكن أن ينقذ من بَقِي… لا من ضاع."

ابتسمت ليلى، ومدّت يدها نحو البركة، فصعدت منها قطعة زجاجية على شكل هلال، لا تعكس الصورة بل تظهر ما خفي تحت الجلد… الذكريات، الألم، الأمل.

> "قطعة المرآة الأولى… لكنها لن تُعطيكِ صورتها، حتى تُظهري لها أضعف لحظة فيك."

تردّدت فاطمة، لكنها أغمضت عينيها… فجأة، ظهرت أمام الجميع صورة في الهواء: فاطمة وهي تهرب من قريتها، وطفلتها الصغيرة تسقط منها ولا تلتفت… لحظة ظنّت أنها دفنتها في الذاكرة.

بكت. ولم تُنكر.

عندها فقط، أضاءت قطعة المرآة، واستقرّت بين يديها. ثم نظرت ليلى نحو يحيى:

> "وأنت… تحمل في صدرك ما لا تعرف. النواة تشعّ بداخلك، لكنها لم تستيقظ بعد. ستستيقظ قريبًا… حين يُهدد الموت من تحب."

التفتت ليلى نحو الشيخ:

> "الزمن بدأ يتصدع. قطع المرآة الأخرى لن تصبر طويلاً في أماكنها. وستبدأ الظلال بالحركة."

ثم اختفت.

وعاد كل شيء إلى الحركة… الطيور، المياه، الزمن.

لكن شيئًا واحدًا لم يعد: الشيخ.

فقط عباءته بقيت على الأرض.

2025/04/13 · 7 مشاهدة · 519 كلمة
نادي الروايات - 2026