5 - واحة السراب – حين تنبض الرمال(2)

الفصل الخامس: واحة السراب – حين تنبض الرمال(2)

ساد الصمت بعد اختفاء ليلى… لكن لم يكن صمتًا طبيعيًا، بل كان ثقيلًا، كأن شيئًا خفيًا دخل الهواء ذاته.

يحيى انحنى على عباءة الشيخ التي بقيت على الأرض، يحاول لمسها، لكن أصابعه ارتجفت، وعيناه لمحتا أثر رماد دقيق حولها، كأن الجسد تبخّر، أو انتقل عبر طبقة زمنية أخرى.

> "أين ذهب؟ هل مات؟" همس يحيى.

> "لا... ليس موتًا، بل عبور." ردّت فاطمة، ويدها لا تزال تقبض على قطعة المرآة الأولى، التي بدأت تخفت بريقها ببطء.

في تلك اللحظة، صدر من طرف الواحة صوت غريب، خليط بين النحيب والهمهمة، مثل صدى آهاتٍ قادمة من باطن الأرض.

> "فاطمة… شيءٌ ما يتحرك خلف هذه الأكوان." قال يحيى وهو يحدق في الهواء كأنما يرى صدوعًا خفية تتشكل.

وفجأة، تشققت السماء الزجاجية فوقهم كأنها مرآة تنكسر ببطء، ومن بين الشقوق ظهر ظلّ طويل، مجسّم لكن غير واضح الملامح، عيناه تتوهجان بلون الزئبق السائل، يتقدم نحوهم من الأعلى… لا يسير، بل ينزلق بين الطبقات، كمن يتجاوز قوانين الجاذبية.

إنه هو… الرجل ذو العيون الزئبقية.

> "أخيرًا… قطعة المرآة الأولى في يدٍ بشرية."

صوته كان لا يُسمع بالأذن، بل يُشعر به مباشرة داخل الدماغ.

فاطمة أمسكت بيد ابنها، وركضت نحو البوابة التي دخلوا منها، لكنها كانت قد تلاشت. الحقول الكهرومغناطيسية بدأت تحيط بالمكان، والنخيل صار يتفكك إلى ذرات ضوء.

"يحيى… استمع إليّ، لا تخف." صرخت فاطمة، لكن يحيى لم يعد يسمعها.

كل شيء حوله صار ضبابيًا، ثم فجأة… رأى داخل نفسه.

رأى "النواة".

كأنها شمس صغيرة داخل صدره، تنبض، وتتمدّد، وكلما اقترب الظل الزئبقي أكثر، زادت حرارتها، وسمع في أذنه اليسرى صوتًا غريبًا:

> "آن أوان اليقظة."

ضوء انفجر من صدره كطوفان، دفع الظلّ للخلف، وجعل السماء تعود للحظة إلى صفائها.

أمسكت فاطمة بيحيى، وجذبته نحو شجرة نخيل مائلة، غرس الشيخ عندها من قبل خنجرًا قديمًا من الفضة.

> "اضرب الأرض بالخنجر!" صاحت.

ضرب.

وانفتحت الأرض تحتهم، وشدّهم تيارٌ من الهواء والضوء، وسقطوا…

لكن لم يسقطوا في مكان.

بل في زمن آخر.

2025/04/13 · 6 مشاهدة · 315 كلمة
نادي الروايات - 2026