كان الفارس يستيقظ قبل بزوغ الشمس، ليس لأن القصر يفرض ذلك، بل لأن النوم لم يكن يومًا صديقًا له. يرتدي درعه ببطء، قطعة بعد قطعة، كما لو أنّه يلبس واجبه قبل أن يلبس الحديد. السيف لا يُعلّق على خصره كأداة قتل، بل كعهدٍ قطعه منذ زمن: أن لا يُرفع إلا من أجل السلام .
كان الملك يثق به ثقةً عمياء. ليس لأنه الأقوى بين الفرسان، بل لأنه الأهدأ. الفارس الذي لا يتكلم كثيرًا، ولا يضحك كثيرًا، ولا يغضب… إلا نادرًا.
مهامه كانت واضحة:
مرافقة الملك في الرحلات الخطرة
تأمين الطرق بين الممالك
القضاء على التهديدات التي قد تُشعل حربًا جديدة
وكان السلام، في تلك السنوات، هشًّا كزجاج رقيق.
في ذلك الصباح، استدعاه الملك لمهمة خاصة. لم تكن حربًا، ولا تمردًا، بل رحلة صيد .
قال الملك بصوت ثابت:
«وصلتنا أخبار عن مخلوق نادر في الشمال… دب أبيض، لم يُرَ مثله منذ أجيال. وجوده قرب حدودنا قد يثير الخوف بين القرى.»
لم يسأل الفارس لماذا يجب قتله. اكتفى بالإيماء، كما يفعل دائمًا.
رحلة الشمال
كان البرد يشتد كلما تقدّما. الأرض مغطاة بالصمت، والثلج يبتلع آثار الأقدام بسرعة، كأنه لا يريد شهودًا.
عندما رأى الفارس الدب لأول مرة، توقّف .
لم يكن وحشًا كما تخيّله. كان ضخمًا، أبيض كالقمر، يقف بثبات وسط الثلج، عيناه لا تحملان وحشية… بل حذرًا.
رفع الدب رأسه، وزمجر، لا تهديدًا، بل تحذيرًا.
تقدّم الفارس خطوة. سحب سيفه ببطء.
لم يكن القتال سريعًا. لم يكن سهلًا.
كل ضربة كانت تُقابل بقوة، وكل خطوة كانت اختبارًا للإرادة. الثلج تكسّر، والهواء امتلأ بأنفاس متقطعة، حتى سقط الدب أخيرًا، ليس لأنه كان أضعف… بل لأن المعركة انتهت.
وقف الفارس أمامه لحظة طويلة. ثم أنزل سيفه.
لأول مرة منذ سنوات، شعر بثقل غريب في صدره. سؤال لم يجرؤ على طرحه:
هل كان هذا سلامًا… أم بداية طريق آخر؟
عاد مع الملك، والمهمة اعتُبرت ناجحة. لكن شيئًا ما تغيّر داخله.
وكان ذلك… مجرد البداية .