لم تأتِ فكرة الرحلة دفعةً واحدة. تسللت إلى عقل الفارس كما يتسلل الضباب إلى المرافئ: ببطء، ومن دون صوت.
مرّت عشر سنوات على حرب الفطر ، الحرب التي أنهكت الممالك وغيّرت خرائط كثيرة، لكنها لم تُنهِ الخوف. السلام الذي تحقق كان هشًّا، والملك كان يعرف ذلك.
في مجلسٍ ضيّق، بعيدًا عن عيون البلاط، قال الملك:
«جزيرة بارلي تتحرّك في صمت… وقائدها لا يثق بأحد. نحتاج أن نعرف هدفه القادم قبل أن يفكر بالحرب.»
لم تكن المهمة علنية. ولا شريفة تمامًا.
اختار الملك عددًا قليلًا من الحراس، وكان الفارس بينهم. لم يُناقش القرار، لكن داخله شعر بأن هذه الرحلة تختلف عن سابقاتها. لم تكن لحماية السلام… بل لمراقبته من الظل .
ظهرت جزيرة بارلي كصخرةٍ سوداء وسط البحر. أسوارها عالية، وموانئها قليلة، وحراسها لا يبتسمون.
دخل الفارس متخفيًا، بلا درع ولا راية. تعلّم خلال سنواته أن السيف لا يكون دائمًا الحل، وأن الصمت أحيانًا أخطر من الضرب.
تنقّل بين الأزقة، استمع، راقب. لم يسمع حديثًا عن حرب، ولا عن غزو، بل عن إعادة بناء ، وعن خوفٍ قديم من تكرار الكارثة.
لكن الحذر في بارلي كان سيد المكان.
في لحظة قصيرة، التقت عينا الفارس بعيني أحد الحراس. توقف الزمن.
لم يصرخ الحارس، لكنه وضع يده على سلاحه. وفهم الفارس الرسالة فورًا.
لم يكن أمامه قتال. لم يكن أمامه وقت.
انسحب بين الأزقة، قفز بين الأسطح، حتى وصل إلى المرفأ. القارب كان بعيدًا، والمياه مضطربة، والحراس يقتربون.
عاد بصعوبة، متعبًا، مبتلًا، ومعه شيء أثقل من الفشل: الشك .
بينما كان القارب يبتعد، كان قائد جزيرة بارلي يقف فوق الأسوار. لم يكن غاضبًا… بل متأكدًا.
قال لمن حوله:
«الملك لا يرسل جواسيس من أجل السلام.»
فهم في تلك اللحظة أن الخطر لا يأتي من الجزيرة، بل من النيات التي تُخفى خلف السلام .
وعندما عاد الفارس إلى أرضه، لم يكن يعلم بعد أن هذه المهمة، التي فشلت ظاهريًا، قد نجحت في زرع أول شرخ… بينه وبين الملك.
وكان ذلك الشرخ صغيرًا، لكنّه كافٍ ليغيّر كل شيء.