الفصل 327

قبل ساعة و نصف من الان ...

داخل أروقة الوزارة البريطانية للسحر، كان صخب الخطوات يتداخل مع همسات الأوراق وأزيز المكاتبات الطائرة، لكن ثمة حضور واحد كان يفرض نفسه بهدوء ودفء في آن واحد: أندرسون نيلسون

رجل في أوائل الستينات، تقرأ في ملامحه تاريخًا طويلاً من الخبرة والحكمة. نظاراته الكبيرة، التي تتدلى منها سلسلة نحاسية على حافة إطارها البني، تلتقط الضوء من بين الفينة والأخرى، بينما يلمع شعره الناعم الذي كان ابيض اللون بالكامل كخيوط فضية تحكي قصة العمر.

ملابسه غلب عليها السواد، مع ربطة عنق متقنة العقد فوق قميص أبيض ناصع، وحذاء مائل إلى الرمادي يعكس طابع رجل لا يلهث وراء الزينة بقدر ما يعتز بالهيبة العملية.

شاربه الابيض مع بعض شعيرات الاسود القصير يزين وجهه، ومن يده اليمنى لم تفارقه حقيبته الجلدية البنية التي تميل إلى البرتقالي، كأنها امتداد لشخصيته.

كان مشيه ثابتًا وهادئًا، لكن في كل بضع خطوات، يقطع طريقه موظف أو ساحر أو ساحرة. يبتسمون له ويرفعون أيديهم بتحية سريعة:

" صباح الخير يا سيد أندرسون !"

" صباح النور، كيف حالك اليوم؟ "

" مرحبًا بك يا سيدي ! "

" أهلاً بك، تفضل … "

كان يرد التحية بخفة ورقي، لا يطيل الوقوف ولا يختصره حتى يبدو جافًا، بل يمنح كل مُسلِّم لحظة قصيرة تترك في القلب أثرًا طيبًا.

ومن تكرار المشهد، يمكنك أن تدرك بسهولة أن هذا الرجل ليس مجرد موظف مخضرم في الوزارة، بل شخصية محبوبة تحظى بالاحترام والتقدير من الجميع، أشبه بجسر صغير من الألفة يربط بين طوابق الوزارة وأقسامها المتباعدة.

كان صخب الموظفين يتلاشى شيئًا فشيئًا خلف خطوات أندرسون، كلما ابتعد عن التجمع الذي كان يحيط به قبل قليل.

وجهه ظل محتفظًا بتلك الملامح الهادئة مع ابتسامة دافئة على وجهه ، لكن في عينيه كان بريق مختلف… بريق شخص يعرف أنه الآن يقترب من لحظة كان ينتظرها طويلاً.

مرّ عبر ممر طويل تتدلى على جدرانه صور متحركة لوزراء ونواب سابقين، وبعضهم كان يحييه بإيماءة رأس كما لو كانوا أحياء.

وعندما انعطف أخيرًا في الممر الأخير، توقف أمام باب خشبي كبير يعلوه لافتة أنيقة محفور عليها بخط واضح: " النائب أندرسون نيلسون ".

تسمر لبرهة، يقرأ العبارة مرة ومرتين… ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة تحمل في طياتها مزيجًا من الفخر والامتنان. مد يده ببطء، وأدار مقبض الباب، ودفعه ليفتح على اتساعه.

المنظر الذي استقبله كان أكبر بكثير مما تخيل: مكتب واسع بسقف مرتفع، تتوزع فيه رفوف ممتلئة بالكتب والمجلدات، وطاولات صغيرة عليها مستندات مرتبة بدقة.

وفي وسط المكان، كان مكتبه الجديد ، قطعة أثاث فخمة من الخشب الداكن، سطحها اللامع يلتقط انعكاس الضوء الآتي من النوافذ الكبيرة خلفه.

وعلى زاوية المكتب، وُضع راديو قديم الطراز، كما لو كان ينتظر أن يبدأ تشغيله ليستمع أندرسون إلى آخر الأخبار أو الموسيقى الكلاسيكية.

اقترب من الكرسي الجلدي الكبير خلف المكتب، وجلس ببطء، كمن يتذوق لحظة نادرة ، وضع حقيبته الجلدية البنية المائلة إلى البرتقالي فوق سطح المكتب، ومد يده ليمرر أصابعه على الخشب المصقول، قبل أن يهمس بصوت منخفض، لكن مليء بالرضا:

" كم كنت أتوق بشدة أن أصل إلى هذه المكانة… "

لكن فجأة، توقف. عينيه انتقلتا نحو الجدار المقابل له، وكأن شيئًا ما أيقظ حواسه ، نظر إليه بتركيز، من الأعلى إلى الأسفل، مرتين، ثم نهض من مكانه، يسير بخطوات محسوبة حتى وصل إلى الحائط.

وضع أذنه اليمنى على الجدار … وعندها اتسعت عيناه قليلًا ، الصوت كان واضحًا أصوات أشخاص يتحدثون في الجهة الأخرى، لكن طريقة انتقال الصوت كانت غريبة، أقوى مما تسمح به الجدران العادية.

ابتعد خطوة، ثم نقر بحافة إصبعه على الحائط نقرة قوية، فجاءه رد لم يتوقعه: ضجيج معدني خافت، أشبه بارتطام جسم صغير بمعدن.

حينها، اتضح له الأمر ، أحدهم وضع أداة للتجسس داخل مكتبه.

ابتسم أندرسون ابتسامة جانبية، وأطلق تنهيدة أقرب للسخرية من الاستفزاز. مد يده داخل سترته، وأخرج عصاه السحرية غير المزخرفة، ثم وجهها نحو أعلى الجدار، إلى الزاوية التي حدس أن مصدر الصوت يأتي منها.

انبثق من طرف العصا ضوء أبيض دقيق اخترق الحافة، وفجأة سقط جسم أسود صغير، على شكل سماعة قديمة، من قرب السقف.

انحنى أندرسون والتقطها، يتأملها بعينيه الفاحصتين، ثم تمتم بنبرة منخفضة مليئة بالمعنى:

" هممم… هل كنت تريد أن تعرف إن كنت سأمتثل لأوامرك، ولن أخونك يا روفوس سكريمجور؟ "

لم يطل النظر إليها أكثر، بل وضع السماعة في جيب سترته الداخلي، وعاد إلى مكتبه بخطوات ثابتة.

جلس على كرسيه الكبير، وارتكز بمرفقيه على الطاولة، بينما ظل صامتًا للحظة، وكأنه يزن أفكاره القادمة بعناية.

جلس أندرسون نيلسون أخيرًا على كرسيه الوثير في أعماق مكتبه داخل الوزارة، وكأن وزر السنين كلها قد انسكب دفعة واحدة على كتفيه.

المكتب كان فسيحًا، تغمره إضاءة صفراء دافئة قادمة من مصابيح متدلية، والجدران تكسوها رفوف من الكتب المتناثرة بين مجلدات غليظة وتقارير رسمية موضوعة بإتقان.

على الطاولة الممتدة أمامه تكدست أوراق وملفات مختومة بشمع الوزارة، بينما كان الحبر على ريشة الكتابة ما يزال رطبًا من آخر توقيع خطّه.

لم تكد تمر لحظة من صمته حتى اخترق الهدوء طرق خفيف على باب المكتب ، رفع أندرسون رأسه ببطء، وأزاح النظارة قليلًا إلى مقدمة أنفه، ثم قال بصوت لطيف يحمل نبرة هادئة متزنة:

"فلْتدخل."

تحرك مقبض الباب برفق، وانفتح ليكشف عن امرأة طويلة القامة نسبيًا ، كانت ترتدي رداءً أنيقًا داكن اللون يلتف حول جسدها بانسياب، وفي يديها حملت ملفًا بنيًا محكم الإغلاق.

شعرها الداكن كان مرفوعًا بعناية إلى الخلف، تاركًا وجهًا أبيض البشرة متماسك الملامح، بعيون رمادية تبدو صارمة لكنها تحمل شيئًا من التوتر.

خطت بخطوات محسوبة نحو المكتب حتى وصلت أخيرًا إلى الجانب الآخر منه، لا يفصلها عن أندرسون سوى سطح الطاولة العريض.

قالت بصوت هادئ، لكنه واضح كصدى يتردد في الفراغ:

"سيد أندرسون، الجميع ينتظرك."

لم يتحرك أندرسون فورًا، بل تناول نظارته من على وجهه وبدأ يمسح عدستيها بمنديله الحريري، وكأنه يُطيل لحظة التفكير عمدًا.

ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة بالكاد تُرى، ثم أجاب:

"حسنًا... أنا آتٍ."

انحنت المرأة قليلًا برأسها علامة الاحترام، ثم استدارت بخطوات رتيبة متجهة نحو الباب. فتحت الباب وغادرت، تاركة المكتب يزداد فراغًا من حوله.

نهض أندرسون بهدوء من مقعده، وسوّى ياقة سترته السوداء. مد يده إلى جيب داخلي في محفظته الجلدية، وأخرج منها عصاه السحرية، تلك التي بدا وكأنها امتداد طبيعي لذاته.

ألقاها نظرة خاطفة قبل أن يعيدها إلى جيب سترته، حيث خبأها بإحكام في حضنه.

خرج من المكتب وأغلق الباب خلفه ببطء. لم يستطع منع نفسه من التمتمة بصوت منخفض لا يسمعه أحد:

"أتمنى ألّا يكتشف أحد أمري..."

أخذ نفسًا عميقًا، ثم تابع السير، على بعد عشرة أمتار، لمح المرأة التي كانت قبل قليل في مكتبه، وكأنها تنتظره لتتأكد أنه يسير في الاتجاه المطلوب.

حين التقت عيناها بعينيه، تابعت السير بخطوات ثابتة، فتبعها أندرسون بهدوء، والابتسامة المصطنعة ما تزال مرسومة على وجهه، كقناع يعرف تمامًا كيف ومتى يرتديه.

كلما تقدم أكثر في الممرات، ازداد المكان ازدحامًا. الموظفون والسحرة يتحركون في كل اتجاه، أوراق تطفو أحيانًا محمولة بتعاويذ خفيفة، وملصقات على الجدران تعلن عن مجرمين فارّين من العدالة.

بعضها يحمل وجوهًا مألوفة من أكلة الموت، وأخرى لذئاب سحرية أو سحرة متمردين أقل شأنًا.

لكن ما شد انتباه أندرسون لم يكن الضوضاء ولا الحشود، بل كان مشهدًا محددًا: رجلان يقفان قرب الردهة الكبيرة المؤدية إلى قاعة المدافئ حيث شبكة مسحوق "فلو" للانتقال الآني. كانا يتحدثان بصوت منخفض، لكن ما لفت نظره أكثر أن أحدهما رفع ذراعه قليلًا، ليكشف بلا اكتراث عن علامة الظلام المخصصة لفولدمورت محفورة بوضوح على بشرته.

شعر أندرسون ببرودة تسري في أطرافه. كيف يجرؤ هذا الأحمق على أن يكون مستهترًا إلى هذا الحد؟ علامة الظلام مكشوفة... في قلب الوزارة؟! لقد كان مشهدًا أشبه بالاستفزاز الصارخ.

أدار أندرسون وجهه قليلًا ليحجب ردّة فعله، وأجبر ابتسامته المصطنعة على البقاء.

لم يكن الوقت مناسبًا للانفعال، لكنه سجّل المشهد في ذاكرته بعناية.

اقترب بعد ذلك من السيدة التي كانت تنتظره، فالتفتت نحوه وسألها بنبرة هادئة عمّا إذا كانت تعرف المكان الذي يُفترض أن تقتاده إليه ، أجابته باختصار، وحددت له الوجهة بوضوح.

عندها فقط، انحنى أندرسون قليلًا نحوها وقال بابتسامة مصطنعة لكنها حادة في باطنها:

"حسنًا... بلّغي السيد الوزير روفوس سكريمجور أنني سأتأخر عن الموعد دقيقة واحدة فقط. هناك بعوضة مقززة يجب أن أزيلها أولًا... إنها تتطفل علينا، أتفهمين؟"

بدت المرأة مترددة للحظة، وكأنها لم تفهم مغزى كلماته. ترددت في الجواب، ثم قالت بخفوت:

"حسنًا، سأخبره بالأمر يا سيدي."

ظل أندرسون يبتسم لها حتى ابتعدت عنه بخطواتها، وما إن اختفت بين الحشود، حتى تغيرت ملامحه فجأة. سقط القناع عن وجهه، وارتسمت على ملامحه برودة جليدية وهدوء مخيف، وكأن شيئًا ما انكسر في داخله ليكشف عن حقيقته المخفية.

يتبع ...

2025/08/20 · 13 مشاهدة · 1332 كلمة
نادي الروايات - 2025