الفصل 333
عاد آلبرت بخطوات ثابتة نحو متجر فريد وجورج، المكان الذي كان يضج بالضحك والمرح طوال الوقت.
الباب الحديدي العريض استقبله بصوت طقطقة خفيفة حين دفعه، والهواء الدافئ الممزوج برائحة البارود السحري والمستحضرات الملوّنة ملأ صدره للحظة.
لم يكد يخطو خطوته الثانية حتى سمع وقع أقدام سريعة على الدرج.
ظهر فريد، وجهه متوتر قليلاً وعيناه تتسعان بدهشة حين لمح آلبرت واقفًا من جديد، كأنه لم يتوقع عودته بهذه السرعة.
قفز آخر السلم دفعة واحدة، ثم تقدم إليه بسرعة، وصوته يخرج متهدجًا وهو يحاول أن يسيطر على قلقه:
"ما الأمر يا آلبرت؟! هل حدث شيء سيء؟!"
رفع آلبرت حاجبيه قليلًا، وكأن السؤال أضحكه أكثر مما أقلقه، ثم أطلق تنهيدة طويلة خرجت منها نبرة سخرية هادئة:
"لا... لا شيء، لا تقلق. كل ما في الأمر أنني وجدت في منزلكم فلور وأيضًا لافندر، لذا جئت إلى هنا لأقتني شيئًا ما لهما. من السيء أن أدخل إليهما خالي اليدين، أليس كذلك؟"
ارتخت ملامح فريد فور سماع الإجابة، وأطلق ضحكة قصيرة سرعان ما تبعتها تنهيدة ارتياح عميقة، كأن كتلة كبيرة أزيحت عن صدره.
مسح بيده على عنقه ثم قال بنبرة أقل توترًا، لكنها لا تزال تحمل ظلّ عتاب خفيف:
" لقد نسيت أن أخبرك أن فلور ولافندر في المنزل... كنت مشغولًا منذ الصباح ولم أجد الفرصة لأقول لك "
اقترب أكثر، وأخذ يحدثه بنبرة شبه جادة، مزيج من نصيحة صديق ومعرفة دقيقة بطبيعة الفتاتين:
" انظر يا آلبرت... فلور و لافندر تحبان كثيرًا كل ما يتعلق بالإكسسوارات والموضة ، لكن فلور مختلفة قليلًا، فهي تميل أكثر لكل ما فيه أناقة حقيقية، مثل العطور الفاخرة، مستحضرات الجمال، الأشياء التي تُظهر رقيّها. أما لافندر على حسب ما اخبرني رون ... صدقني، ربما تظن أن أفضل ما يليق بها هو عقد أو عطر زهري، لكنها ستشعر بسعادة أكبر لو أهديتها شيئًا عمليًا. هي من عائلة ليست ميسورة الحال كثيرًا، وأحيانًا تحرج من ذلك... لو أحضرت لها لوازم المدرسة أو كتب تحتاجها العام المقبل، ستُقدّر ذلك أكثر من أي شيء آخر."
أصغى آلبرت في صمت، وعيناه تلمعان بخيط من الاهتمام الحقيقي، كأنه يرسم في ذهنه صورة واضحة لما ينبغي عليه اقتناؤه.
ثم ابتسم ابتسامة صغيرة، بدت خليطًا من الامتنان والفطنة، وقال وهو يرفع رأسه قليلًا كمن اتخذ قراره:
" أحسنت يا فريد... نصيحة ثمينة بالفعل. لم أكن لأفكر بهذا الجانب لولاك."
تبادلا الحديث بعد ذلك لفترة، حوارًا متشابكًا بين النصيحة والمزاح المعتاد الذي لا يخلو منه أي لقاء بينهما.
ضحك فريد مرارًا من ردود آلبرت الساخرة، بينما كان الأخير يحتفظ بتلك الجدية الممزوجة بابتسامة لا تفارقه، كأنه يخطط بعناية حتى لأبسط لفتة يقوم بها.
وحين انتهى الحوار أخيرًا، خرج آلبرت من المتجر. الهواء الخارجي كان أبرد قليلًا، والسماء تميل إلى الغيوم الرمادية، لكنه لم يكترث.
في كل يد من يديه كانت تتدلى ثلاثة أكياس سوداء ثقيلة، في مجموعها ستة أكياس امتلأت بما اختاره بعناية لكل من فلور و لافندر.
خطواته كانت متزنة، ووجهه لا يزال يحمل ذلك الهدوء الواثق.
وما هي إلا لحظات، حتى ظهر من جديد أمام منزل ويزلي، و الاكياس تتأرجح قليلاً مع حركة ذراعيه...
كان صدى الطرقات على الباب الخشبي لمنزل آل ويزلي يتردد في أرجاء الممر الدافئ، كأنه نبض غريب قادم من الخارج يقطع لحظة السكينة التي اعتادها أهل البيت.
رفعت جيني رأسها أولًا، نظرت نحو الباب بعينين فيهما فضول وحذر، ثم قالت بلهجة خفيفة لكن متسائلة:
" سأذهب لأرى من يطرق الباب."
من خلفها، ارتفع صوت السيدة ويزلي وهي تتابع عقارب الساعة الكبيرة المعلقة على الجدار، تلك التي لا تشير إلى الوقت، بل إلى أماكن أبنائها وأحوالهم.
رمقتها بعين متسائلة، ثم قالت بنبرة مترددة وشيء من الاستغراب:
" ليس من أبنائي... إذن من سيأتي إلى منزلنا في هذه الساعة؟"
بينما اتجهت جيني بخطوات ثابتة نحو الباب، كانت هيرميون تجلس بالقرب من النافذة، تقلب بين يديها ظرفًا صغيرًا وصلها للتو على جناح بومة.
ابتسمت فجأة، تلك الابتسامة المضيئة التي تعكس يقينها، وقالت بحماس لم يخفَ عن مسامع الجميع:
" ربما آلبرت... البومة جلبت ظرفه إلى هنا، وهذا يعني أنه كان قريبًا من المنزل، وربما قرر أن يأتي."
توقف جسد جيني لوهلة حين سمعت كلمات هيرميون، ثم تسارعت خطواتها حتى بلغت الباب.
وضعت يدها على المقبض، ثم رفعت صوتها بجدية:
"من؟!"
جاءها الصوت من الخارج، عميقًا لكنه منخفض، مبحوحًا قليلًا من ثقل الأكياس التي كان يحملها:
"هذا أنا... آلبرت."
لم تستطع جيني كبح ابتسامة ارتسمت على وجهها حين تأكدت من صوته، فالتفتت سريعًا إلى هيرميون التي كانت تترقب بشغف.
بعينيها الواسعتين وبابتسامة مشرقة، أومأت برأسها إشارة واضحة: " إنه هو "
كأن الشرارة اشتعلت في روح هيرميون، فقامت من مكانها مسرعة، تركض بخفة نحو الباب، فيما وقفت جيني أخيرًا لتفتحه.
حين انفرج الباب، بدت الصورة أمامها مدهشة: آلبرت واقف، كتفاه مائلتان من ثقل ما يحمله. في كل يد، ثلاثة أكياس سوداء ممتلئة حتى كادت تنفجر، تترنح قليلًا مع أنفاسه.
رفع رأسه نحوها، وعلى وجهه ابتسامة محرجة متوترة، وقال بنبرة حاول أن يجعلها خفيفة رغم ضيق أنفاسه:
"هاها... جيني، كيف حالك؟!"
رفعت جيني حاجبها بدهشة، ثم مدت يدها نحوه باندفاع تلقائي، وقالت بصدق حافل بالدفء:
"حالي بخير يا آلبرت... تفضل بالدخول."
مدت يدها بسرعة إلى ذراعه اليمنى، أمسكت بثلاثة من الأكياس الثقيلة، وما إن استقرت في يديها حتى كادت أن تسقط أرضًا من شدة ثقلها.
اتسعت عيناها بدهشة ممزوجة بشيء من الضحك، وصاحت باندهاش:
"ما الذي يوجد في هذه الأكياس بحق الجحيم؟! إنها ثقيلة !"
لكن آلبرت لم يجد فرصة للرد. فما إن رفعت هيرميون بصرها ورأته أخيرًا أمامها بعد شهور طويلة من الغياب، حتى اندفعت نحوه دفعة واحدة، وألقت بذراعيها حول عنقه بعناق شديد، كأنها تحاول أن تعوض في لحظة واحدة فراق ثلاثة أشهر كاملة.
ارتبك آلبرت للحظة، يده محملة بالأكياس، وجسده يترنح مع ثقلها، لكنه في أعماقه شعر بحرارة لم يعرف لها مثيل، سعادة صافية اجتاحت صدره، حتى وإن كاد يختنق من قوة عناقها.
وقف الجميع من حولهم يتابعون المشهد.
كان هاري يبتسم ابتسامة عريضة وهو يتبادل نظرات مع رون، وكلاهما يضحك بخفة على الموقف الذي بدا في عينيهما مضحكًا وجميلاً في آن واحد.
أما فلور و لافندر، فقد هرعتا مباشرة نحو جيني لتساعداها على حمل الأكياس الثلاثة التي أثقلت يديها، بينما الأكياس الثلاثة الأخرى التي أفلتها آلبرت مضطرًا لتلقي عناق هيرميون بقوة، انحنت السيدة ويزلي تلتقطها بعناية، وعلى وجهها ابتسامة أمومة لا تخفى.
فما ان ابتعدت هيرميون من آلبرت حتى توقفت الكلمات في حلقها لحظة، قبل أن تنفجر بلهفة لم تستطع إخفاءها:
" أين كنت طيلة هذا الوقت؟!" قالتها بسرعة، نبرتها حادة وفيها عتاب طفولي، ثم تابعت وهي تقطع أنفاسها:
"لم ترسل لي أي رسالة في العطلة الصيفية..."
كانت عيناها تلمعان بالجدية، وكأنها كانت تحفظ هذه الجملة منذ أسابيع تنتظر لحظة قولها.
غير أنها، في لحظة خاطفة، غيرت اتجاه الحديث تمامًا. إذ سرعان ما انزلقت نظراتها إلى ملابس آلبرت.
رفعت عينيها ببطء من حذائه الأسود اللامع، إلى السروال الأبيض، ثم السترة الأنيقة التي تلمع بصفاء، وصولاً إلى ربطة العنق البيضاء التي تعكس جدية لم تكن معتادة منه.
شعرت بحرارة تتسرب إلى وجنتيها، وتلعثمت قليلاً وهي تقول بخجل ممزوج بابتسامة:
"وأيضًا... هذه الملابس تليق بك كثيرًا. تبدو... أنيقًا جدًا."
تجمد آلبرت لبرهة، قبل أن ينفجر ضاحكًا على نحو عفوي:
"حقًا ؟ هاهاها ! لقد تابعت نصيحتك هل تدكرين ما أخبرتني في سنة الماضية ؟؟ "
مدّ يده إلى مؤخرة رأسه يخدشها بتوتر، بينما فكر بسرعة في جملة يبرر بها اختفاؤه:
"هذا... بسبب أنني كنت في عمل ما. وهو سر، ستعرفينه في الوقت المناسب."
تجعد جبين هيرميون للحظة، وكأنها تود الاعتراض أو التحقيق معه أكثر، لكنها قررت الصمت واكتفت بالنظر إليه بفضول، وكأنها ستحتفظ بالأسئلة لحين آخر.
بعد دقائق معدودة، جلس آلبرت مع بقية أفراد العائلة على الأرائك المتواضعة في غرفة المعيشة، حيث كان الدفء ينبعث من الموقد، وتتصاعد منه رائحة الخشب المحترق.
هناك التقط أخيرًا نظرة على ظرفٍ تحمله هيرميون، وعيناه اتسعتا عندما أدرك أنه ظرف نتيجته في اختبارات (D.W.L).
جلست هيرميون بجانبه، قريبة بما يكفي حتى لامس كتفها كتفه عرضًا وهي تميل لترى الورقة معه.
كان قربها غير معتاد، لكنه بدا طبيعيًا تمامًا في تلك اللحظة. أخذت تتابع بعينيها السطور، وفي كل مرة تعثر على تقدير مرتفع لآلبرت، كانت حاجباها يرتفعان بدهشة.
في الزاوية، لم تستطع فلور أن تمنع نفسها من الهمس للسيدة ويزلي، بينما كانت تراقب المشهد بعينين فاحصتين:
"لقد أصبحت مختلفة كليًا عندما جاء هذا الفتى... من كان يظن أن الفتاة التي كانت مكتئبة طوال اليومين السابقين، تبدو الآن بهذا النشاط والحماس؟"
أجابت السيدة ويزلي بهدوء تام وهي ترتب خيوط الصوف بين يديها:
"نعم."
وعندما لم تجد فلور تجاوبًا أكبر، اكتفت بالسكوت، لكن نظراتها بقيت معلّقة على هيرميون وآلبرت، في صمت لا يخلو من التساؤلات.
رفع آلبرت الورقة عاليًا وضحك بمرح:
"هاهاها! هل هذا يعني أنني أصبحت في المركز الأول مرة أخرى؟!"
أشارت هيرميون إلى أحد الأسطر في ورقته، ابتسامة صغيرة مرسومة على شفتيها:
"على الأقل أنا متفوقة عليك في مادة رعاية المخلوقات السحرية."
ارتسمت على وجهها سعادة لم تستطع إخفاءها، وكأن تفوقها عليه في مادة واحدة يكفيها للانتشاء طوال اليوم.
أما آلبرت، فقد بدا أقل حماسًا. جمع أوراقه وأعادها إلى جيبه، ملامحه شابها غموض وهو يتذكر شيئًا غير مريح:
"ذلك لأنني لا أشعر بالراحة في هذه المادة... شيء ما في داخلي يخبرني أنه لا مكان لي هناك. زد على ذلك أن شرح هاجريد... به تمطيط كثير."
ضحكت هيرميون نصف ضحكة، وكأنها توافقه وتعارضه في آن واحد، ثم أعادت نظرها إلى الورقة بفضول آخر.
استمر الحوار بينهما طويلًا، متناثرًا بين الجد والمزاح، حتى بدا أن الغرفة بأكملها انسحبت من حولهما.
لكن آلبرت تذكر فجأة شيئًا جعله ينتفض قليلًا. التفت إلى الأكياس الكبيرة الموضوعة بجانب الأريكة، وضرب جبهته بخفة:
"أوه! لقد نسيت أمر هذه الأكياس!"
نهض وسار نحوها بخطوات هادئة، ثم انحنى وأمسك بإحداها. فتح الكيس وأخرج منه صندوقًا صغيرًا أنيقًا، ثم رفعه ووضعه على الطاولة.
التفت إلى جيني، التي كانت جالسة قرب إخوتها، وابتسامة دافئة ارتسمت على وجهه:
"تعالي يا جيني... لقد جلبت لك هدايا رائعة."
شهقت السيدة ويزلي قليلًا، وقالت بسرعة وقد ارتسمت على محياها ملامح استنكار محبّة:
"يا بني، لم يكن هناك داعٍ لأن تضيّع أموالك في مثل هذه الأمور !"
لكن آلبرت أجاب بابتسامة صافية وصوت حازم فيه دفء:
"لم أضع أموالي عبثًا. إن كانت الأموال من أجلكم، فهي تستحق أن تُصرف بلا تردد."
صمتت السيدة ويزلي للحظة، وعينيها تلمعان بمزيج من الاعتراض والامتنان، ثم اكتفت بهز رأسها دون أن تقول شيئًا آخر.
اقتربت جيني بحذر، يديها تتلامسان في ارتباك خفيف، ثم جلست أمام الكيس وبدأت تفتش بين ما بداخله.
كانت كل قطعة تخرجها من الكيس تثير دهشة جديدة على ملامحها، حتى أنها توقفت فجأة، وعيناها متسعتان كأنها لم تصدق ما رأت.
يتبع ...