بعد لحظات من الصمت الثقيل، فتح ماركوس فمه ببطء، وارتسم على وجهه ظل من الحزن العميق، وكأن كلماته التي ستخرج كانت تزن ثقلًا كبيرًا في صدره. قال بنبرة متقطعة، تحمل بين طياتها ذكريات مؤلمة:
"عندما كنت في الخامسة عشر من عمري... كان هناك وقتٌ كنت أشعر فيه بالحماس والأمل."
توقف لبرهة، وكأنه يحاول أن يستجمع قواه، ثم أضاف بصوت أكثر هدوءًا:
"كان ذلك حين انتقلت من مدرستي القديمة إلى مدرستي الجديدة. كنت قد حصلت على منحة دراسية، وظننت أن الطلاب في المدرسة الجديدة سيستقبلونني بترحاب، وربما يكونوا متفاجئين ومبتهجين بقدوم طالب جديد ينال فرصة كهذه."
تنهد ببطء، ونظر إلى الأرض وكأنه يعيد استحضار المشهد أمام عينيه. ثم تابع:
"لكن الواقع لم يكن كما تصورت... لم يكن هكذا على الإطلاق."
رفع رأسه، وبدأ يحكي وكأن الكلمات تنهال عليه ثقلًا:
"في البداية، كان كل شيء على ما يرام. قدّمت نفسي للجميع، وكان بعضهم ودودًا ورحب بي بابتسامة. لكن الأمر بدأ يتغير شيئًا فشيئًا، حين علموا أنني طالب منحة دراسية."
تقلصت ملامحه، وأصبحت عيناه تعكسان مرارة ألم لم تفارقه.
"تغيرت نظراتهم بالكامل، وتحولت الابتسامات إلى همسات مكتومة. صاروا ينظرون إليّ وكأنني غريب، ليس مجرد طالب، بل شخص أدنى منهم. بدأوا يلقبونني بأسماء مهينة... 'الفقير'، 'الجرذ القذر'، وحتى أسوأ من ذلك."
توقف للحظة، واستدار ينظر إلى الوجوه التي حوله.
"حاولت أن أتجاهلهم، أن أعتبر الأمر مجرد كلمات لا تؤثر بي، لكن مع مرور الأيام بدأ الوضع يزداد سوءًا. لم يكن الأمر مجرد كلام، بل أفعال."
ثم خفت صوته أكثر، وبدأ يروي بحسرة:
"في اليوم العاشر من انتقالي إلى المدرسة، كنت جالسًا بمفردي كعادتي، أتعرض لسخريتهم وإهاناتهم المتكررة. حاولت الدفاع عن نفسي، لكنهم كانوا أكثر مني عددًا، وأسرع حيلة."
أغمض عينيه للحظة، وكأن الألم يعاوده، ثم استأنف:
"خلال فترة الاستراحة، سحبوني وألقوني في وسط الساحة، وقيدوني بالأشرطة البلاستيكية. كان هناك عدد كبير من الطلاب حولي، لكن المفجع أن لا أحد منهم تحرك لمساعدتي. كانوا يراقبون فقط، وبعضهم يضحك."
ارتجف صوته، وتسللت إليه نبرة مريرة:
"كنت أصرخ وأطلب المساعدة، لكن صرخاتي كانت تتلاشى وسط ضحكاتهم الساخرة. بدأوا يرشقونني بالحجارة، ويضربونني بينما أنا مقيد لا أستطيع الدفاع عن نفسي."
التفت ببطء، وكأنه يتحدث مع نفسه قبل الآخرين:
"كانت تلك اللحظة واحدة من أكثر اللحظات إذلالًا في حياتي. لم يكن الأمر مجرد تعنيف جسدي، بل كان الإحساس بالوحدة، بأنني وحيد تمامًا أمام جحافل من القسوة واللامبالاة."
ثم قال بنبرة أكثر هدوءًا، لكنه لم يخفِ الألم الذي يخترق كلماته:
"وما زاد الطين بلة... أنّ أخي الأكبر جاء فجأة مقتحماً المكان. شاهدني في تلك الحالة... مقيد، مضروب، وملابسي متسخة من الحصى والغبار."
رفع رأسه ببطء، وأردف بصوت يخفي وراء ابتسامته شيئًا من المرارة:
"غضب وصرخ في وجه الطلاب، لكنه لم يجد منهم أي استجابة، بل ضحكوا عليه كما ضحكوا عليّ."
ثم تنهد بعمق، وكأنه يودع ذكرى ثقيلة، وأضاف:
"هذا هو أكثر موقف محرج... وأكثر لحظة شعرت فيها بالعجز والضعف، ولم أنسها أبدًا."
حملت كلماته صدىً عميقًا في الأجواء، وكانت تلك اللحظة تذكيرًا بجراح الماضي التي يختبئ خلفها إنسان عادي، ليس مجرد مزاح أو تحديات طفولية، بل قصة ألم وأمل لم تنتهِ بعد.
---
انتهى ماركوس من سرد قصته، وبدت آثار الحزن واضحة على محياه، كأن ثقل الذكريات يثقل كاهله أكثر من أي وقت مضى. ساد هدوء ثقيل للحظة، لكن الأجواء لم تكن ساكنة تمامًا؛ كان الغضب يتراقص في عيني كايرو، كأنه يستنكر بعمق ما تعرض له صديقه.
أما نوكس، فقد خفض رأسه نحو الأرض، ونظرته كانت تغرق في أحزان باطنية، كما لو أن كلمات ماركوس قد اخترقت صمته الداخلي وأثقلت روحه.
أما أنا، فلم أستطع إلا أن أغمرني شعور بالأسى والتمني. تمنيت لو كنت بجانب ماركوس في تلك اللحظة العصيبة، لو كنت قادرًا على الوقوف إلى جانبه، أكون درعه الحامي، أصدُّ عن تنمر الآخرين وأردّ لهم كيدهم. كنت أتخيل نفسي أرفع صوتي في وجه المعتدين، وأدافع عنه بقوة لا تلين.
عضضت شفتيّ بشدة، واحتدمت مشاعري الغاضبة تتغلغل في يديّ المضمومتين على ركبتيّ.
كيف يمكن للبشر أن يكونوا قساة هكذا؟ لماذا يُفرغون غضبهم وألمهم على من هم أضعف منهم؟ وكيف لقلوبهم أن تضحك وهي ترى الألم؟ كان الأمر أشبه بعذاب نفسي يُحرق بداخلي.
همست بلا وعي، وكأن الكلمات خرجت من أعماق قلبي المتألم:
"هذا... هذا حقًا أمرٌ غير عادل."
رفع ماركوس بصره نحوي، وارتسمت على وجهه ابتسامة خافتة، لكنها كانت محملة بحزن عميق وتجربة مريرة. قال بصوت خافت:
"أعلم، أليس كذلك؟"
شعرت بغمرة من القهر تغمرني أكثر فأكثر، كان في نبرته ذلك الحزن الذي يجعل القلب يثقل ويشتعل في آن واحد.
كسر ماركوس سكون اللحظة بتصفيقٍ خفيف بيديه، موجّهًا نظره نحوي بابتسامة تحمل ودًّا صادقًا:
"على أية حال... إنه من الماضي الآن، وليس كأن الحزن أو الندم سيصلحان شيئاً."
تدخل نوكس محاولًا أن يخفف من وطأة الأجواء المتشنجة، قال بهدوء وبصوت متزن:
"ماركوس محق، الندم على شيءٍ قد مضى هو أمر لا جدوى منه، خصوصًا بعد انتقالنا إلى هذا العالم الجديد حيث لا مكان للندم. دعونا نتفاءل بالمستقبل، فهذا وحده ما يمكننا التحكم به."
هز كايرو رأسه بحماس، وتوهج في عينيه شعور الحماسة الثائرة، وأضاف:
"بالفعل، نوكس على حق. لنتفاءل. ولكن إذا صادفتُ أولئك الذين تنمروا عليك يا ماركوس، فسوف أعلّمهم درسًا لن ينسوه أبدًا."
ضحك ماركوس بخفة، وأخذ يتبادل النظرات مع كايرو ونوكس، وقال بابتسامة تملؤها الامتنان:
"شكرًا لكم، يا رفاق... حقًا، وجودكم بجانبي يعني الكثير."
شعرت حينها بأن أجواء الغرفة قد خفّت وطأتها، وكأنّ عبئًا ثقيلًا قد أُزيح من على صدورنا جميعًا.
في تلك اللحظة أدركت أن الندم لا يجلب سوى الألم، وأنه لا جدوى من التعلق بالماضي، مهما كان قاسيًا. علينا أن نركز على الحاضر، وأن نستفيد من دروس الماضي، لنمضي قدمًا نحو غدٍ أفضل.
ابتسمت لنفسي، وقلت في صمت: نعم، لا فائدة من الندم... المستقبل بين أيدينا، فلنصنع منه قصة تستحق أن تُروى.
ومن ثم قال نوكس:
" إنه دورك الآن يا ماركوس."
---
فقبل أن ينطق ماركوس بكلمة، وقبل أن يختار الشخص الذي سيوجّه إليه السؤال المعتاد بين "التحدي" و"الحقيقة"، انقطع الجو فجأة بصوت خشخشة مقبض الباب، ثم فتحه على مصراعيه.
التفتنا جميعًا كأن خيطًا واحدًا جمع أعناقنا نحو مصدر الصوت، فإذا به ليس إلا "كالستير".
وقف لبرهة عند المدخل، وعيناه تتفحصاننا بنظرة غامضة لم أستطع قراءتها بوضوح، كانت تحمل شيئًا بين البرود والتمعّن، وربما شيئًا آخر لم أستطع تسميته. لم يقل شيئًا، بل اكتفى بأن يرفع رأسه قليلًا، ثم تابع سيره في الطابق الثالث بخطوات هادئة وثابتة.
كسر كايرو الصمت المتثاقل قائلًا وهو يرفع حاجبيه:
"يا رفاق، هل يعرف أيّ منكم شيئًا عن كالستير؟"
رد ماركوس بنبرة عادية:
"لا، لا أعلم عنه شيئًا."
ثم تحوّلت الأنظار نحوي، فقلت:
"أنا أيضًا... لا أعرف."
أما نوكس، فمسح على ذقنه وقال بهدوء:
"بما أنه يقضي وقته وحيدًا أغلب الأحيان، فأنا لا أعلم عنه شيئًا أيضًا."
عاد كايرو ليتحدث، هذه المرة وقد مالت نبرته نحو الحذر:
"ألا تظنون أنه غريب الأطوار؟"
هز ماركوس كتفيه وقال:
"ربما لديه أسبابه، من يدري؟"
أما أنا ونوكس فلم ننطق بكلمة، التزمنا الصمت وكأننا نتجنب الخوض في الموضوع.
لكن كايرو لم يكتفِ، بل أضاف:
"ومع ذلك... هناك شيء ما لا يريحني حوله."
فقال ماركوس:
"ربما هو فقط لا يعرف كيف يكوّن صداقات."
ابتسم كايرو بخفة، ثم قال:
"ربما... وربما لا."
لم يكد الحديث يخفت حتى فُتِح الباب مرة أخرى فجأة، هذه المرة كان الصوت أسرع وأشد، فالتفتنا جميعًا مجددًا.
وكان الواقف هناك هو "لوكسيان".
لكن ما شدّ الانتباه ليس دخوله، بل ملامحه... كان وجهه يحمل كدمات واضحة لم تكن موجودة حين كنت معه في الطابق الأول. بدا منزعجًا، وكأن شيئًا ثقيلًا حدث قبل دقائق.
خطر في بالي فورًا:
هل يُعقل أنه وتيروس قد تشاجرا؟!
لم يُمهلني التفكير طويلًا، إذ قاطعني كايرو بصوتٍ ساخرٍ ارتفع قليلًا:
"انظروا من جاءنا! إنه لوكسيان المميز."
اقترب لوكسيان منا بخطوات بطيئة، ثم قال لكايرو ببرودٍ ممزوج بنبرة تحدٍّ:
"أتظن أن أحدًا سيضحك إن قلت هذا؟"
جلس بعدها بجانبي مباشرة، بيني وبين ماركوس.
سأل كايرو وهو يحدق في وجهه:
"على أية حال، ما الذي حدث لوجهك؟"
أجاب لوكسيان بغضب وهو يشيح بوجهه قليلًا:
"أحمقٌ ما فعل هذا بي، لكنني رددت الصاع صاعين."
تأكدتُ تقريبًا أنهما تشاجرا فعلًا، وملأني إحساس بالندم لأنني لم أبقَ هناك لأوقفهما. لكن لوكسيان لم يمنحني وقتًا للتعمق في الفكرة، إذ وجه إلينا السؤال:
"على أية حال، ما الذي كنتم تفعلونه؟"
أجابه نوكس:
"كنا نلعب لعبة الحقيقة والتحدي. أتود الانضمام إلينا؟"
أطلق لوكسيان ابتسامة مغرورة وقال:
"بالتأكيد، وما الذي يمكن أن تفعله بي لعبة سخيفة كهذه؟"
تنهدت بصوت يكاد لا يُسمع، وقلت في داخلي:
"أنت وغرورك يا لوكسيان... دائمًا الحكاية ذاتها."
ثم التفتُ نحوه وقلت بصوتٍ محايد:
"رائع، إذًا سيكون دورك بعد ماركوس، لأن الدور الآن على ماركوس."
قال نوكس وهو يوجه النظر لماركوس:
"إذًا، ماركوس... لتبدأ."
ابتسم ماركوس قليلًا، ثم قال:
"حسنًا، إذًا أنا أختار-"
وفجأة...
"كلاك!"
صوت الباب يعود مجددًا، هذه المرة أشد حدة وكأنه قرر أن يتحدانا جميعًا. شعرت بأن أعصابي بدأت تفقد صبرها.
متى سيتوقف هذا الباب عن التعرض للفتح كل بضع دقائق؟!