التفتنا جميعًا مجددًا نحو مصدر الصوت، ذلك الباب الذي لم يكف عن الحركة وكأنه قرر أن يصبح بطل المشهد اليوم. وإذا بالشخص الداخل هذه المرة هو زايروس، يسير بخطوات هادئة لكن عيناه تتحركان بتفحص، حتى وقف أمامنا مبتسمًا ابتسامة صغيرة وقال:
"ما هذا؟ يبدو أن الجميع اجتمع هنا."
رفع لوكسيان حاجبه باستهجان ورد بلهجة حادة:
"ولماذا جئت إلى هنا؟"
أجاب زايروس بلا مبالاة:
"لقد شعرت بالملل فحسب، فقررت المجيء."
لم أستطع كتمان فضولي، فسألته:
"ألم تكن مع سيريون قبل قليل؟ أين هو؟"
أجاب وظهر عليه بعض الارتباك:
"بعد أن انتهينا من تناول الطعام، تفرقنا—"
لكن قبل أن يُكمل جملته، جاء ذلك الصوت المألوف من جديد.
"كلاك."
رفعت يدي إلى جبيني بضيق. هذا الباب بحق يختبر أعصابي!
التفتنا جميعًا، وإذا بالشخص هذه المرة هو تيروس الذي بدا على وجهه بعض الجروح. كان واقفًا عند المدخل بوجه خالٍ من التعابير، توجه نحونا.
فقال لوكسيان بإنزعاج:
"انظروا مَن هنا، إنه تيروس المتظاهر بالهدوء."
لكن تيروس تجاهله وقال:
"لقد بحثت عنكم في كل مكان، وفي النهاية أجدكم هنا... تلعبون—"
لكن جملته قُطعت كما قُطعت جملة زايروس قبل قليل، لأن الباب مرة أخرى أعلن تدخله في الحوار.
"كلاك."
تباً لذلك الباب.
متى سيتوقف عن أن يُفتَح كل خمس ثوانٍ؟!
تنهيدة جماعية صدرت منا، حتى أنني سمعت أحدهم يتمتم بشتيمة تحت أنفاسه.
التفتنا نحو الداخل، وإذا هذه المرة سيريون يقف هناك بهدوء مريب، يغلق الباب خلفه قبل أن يمشي نحونا بخطوات ثابتة. نظر مباشرة إلى زايروس، وصوته الهادئ كان يحمل ما يكفي من التوبيخ:
"أظننت أنك ستهرب من مهمة تنظيف المطبخ بمجرد أن تختبئ هنا؟"
تجمد وجه زايروس، وظهر عليه توتر واضح، حتى إن عينيه تحركتا سريعًا وكأنه يبحث عن مخرج من الموقف.
مهلًا... ماذا؟
هذا لا يتطابق مع ما قاله قبل قليل. لقد أكد لنا أنه هو وسيريون تفرقا بعد الأكل، ولم يذكر أي مهمة تنظيف.
أدركت الأمر فورًا، فالتفت إليه وأنا أضيق عينيّ:
"هل كذبت علينا يا زايروس؟"
رفع يديه قليلًا وكأنه يدافع عن نفسه، وقال بصوت متردد:
"أنا لم أكذب... لقد أنهينا الطعام فعلًا، وافترقنا. لم أقل لكم إنني كنت أرتب المطبخ ولكن سيريون سمح لي بالرحيل."
لكن سيريون لم يتزحزح عن موقفه، بل رد بنفس نبرته الهادئة التي جعلت كلماته أكثر ثقلًا:
"ذلك لا يغيّر حقيقة أنك هربت من مهمة التنظيف."
ابتسم لوكسيان بسخرية، وعيناه تتلألآن بفرصة ذهبية للسخرية من أحدهم:
"أحقًا؟ هربت من التنظيف؟ أتخاف من إسفنجة الجلي؟ هاهاهاها!"
فعض زايروس شفتيه بانزعاج وقال بحدة:
"أنا لا أخاف من التنظيف، لكن الأمر ممل فحسب، ولا—"
"كلاك."
ذلك الباب ال *^%$&
هل يجب عليّ كسره فحسب؟!
التفتنا جميعًا للمرة المليون نحو ذلك الباب المزعج، لكن هذه المرة لم يكن القادم أحد أفراد المجموعة، بل كان صاحب العمل نفسه.
كان يقف عند العتبة ووجهه يشتعل غضبًا، حتى إن عروقه بدت بارزة عند صدغيه، وصوته دوّى في أرجاء الغرفة كالرعد:
"ما الذي تفعلونه هنا؟! إن الساعة الآن الثالثة والنصف!! النبيل فاليس بانتظارنا في الطابق الأول، وقد شارف على فقدان أعصابه!"
لم نحتج لثانية واحدة لاستيعاب الموقف؛ وقفنا جميعًا كما لو كنا جنودًا فوجئوا بقائدهم في حالة غضب عارم. تبادلنا نظرات سريعة، ثم اندفع الجميع نحو الباب دفعة واحدة، فتحوّل المخرج الضيق إلى ساحة مصغّرة من الفوضى.
زايروس كان أول من حاول العبور، لكنه اصطدم مباشرة بكتف لوكسيان الذي صاح بانفعال:
"ابتعـــد!"
رد زايروس فورًا، وقد اشتعلت عيناه بالحدّة:
"لا، أنت ابتعــد!"
وبينما هما يتدافعان عند المدخل كالأطفال، كان كايرو وماركوس خلفهما مباشرة، يحاولان المرور وسط هذا المشهد العبثي، فيدفعان أحيانًا كتف لوكسيان أو زايروس دون جدوى.
أما أنا ونوكس وتيروس وسيريون فقد وقفنا إلى جانب صاحب العمل، نراقب الفوضى أمامنا ونشعر أن الموقف يتدهور مع كل ثانية.
وفجأة، ظهر كالستير، وعلى الأرجح جذبه الصوت المرتفع والجدال الحاد. لم يقل شيئًا، بل ألقى نظرة سريعة على الجميع، ثم تقدّم بهدوء وأومأ برأسه لصاحب العمل، ووقف إلى جانبه مثل جدار صامت.
لكن صاحب العمل لم يعد يطيق هذا العبث، فصرخ بحدة وهو يشير نحو الباب:
"أيها الـــ*&%#، ابتعدوا عن المدخل فورًا!"
تجمّد زايروس ولوكسيان في مكانهما وكأن أحدهم قد صبّ على رأسيهما ماءً باردًا، ثم تراجعا إلى الجانبين على الفور، مما أفسح الطريق لبقية المجموعة.
قال صاحب العمل بصوت حازم، وقد خفّ غضبه قليلًا:
"أنا سأذهب أولًا، وأنتم يجب أن تتبعونني بهدوء."
عبر الباب بخطوات ثابتة، وتوالى خلفه الجميع بنفس الترتيب: زايروس، ثم كايرو، فكالستير، لوكسيان، نوكس، تيروس، ماركوس، ثم أنا، وأخيرًا سيريون الذي أغلق الباب خلفه بصوت مكتوم.
سرنا جميعًا في ممرات المبنى بخطوات شبه متزامنة، وكان الجو مشحونًا بالصمت والتوتر. لم يكن أحد مستعدًا لقول كلمة واحدة قبل مواجهة النبيل فاليس. حتى لوكسيان، الذي لا يفوّت فرصة للسخرية، بدا مشدود الوجه.
وعندما وصلنا إلى الطابق الأول، كان المشهد هناك واضحًا: النبيل فاليس واقف بكامل هيبته، مرتديًا معطفًا فخمًا بلون داكن، وبجانبه فتاة شابة ذات ملامح راقية، عرفت فورًا أنها روشيـن، ابنة أخته. كانت نظراتها حادة لكن يختلط بها شيء من الفضول، وكأنها تتساءل عمّا أخرنا.
وقفنا في صف مستقيم، يتقدمنا صاحب العمل، كما لو أننا في مراسم استقبال رسمية.
قال النبيل فاليس بصوت منخفض لكنه محمل بحدة باردة، على غير نبرته المعتادة:
"ما الذي أخركم؟"
أجاب صاحب العمل بسرعة:
"أعتذر، أيها النبيل فاليس، موظفـيّ لم يكونوا—"
لكن فاليس رفع يده مقاطعًا إياه، وعيناه تتفحصان وجوهنا واحدًا تلو الآخر:
"لا. أريد أن أسمع الإجابة منهم هم."
ساد الصمت للحظات حتى شعرنا أن الهواء قد أصبح أثقل. كان الجميع يتجنب النظر في عينيه، إلى أن تقدم سيريون بخطوة، وقال بصوت هادئ:
"اسمح لي، أيها النبيل فاليس، أن أعتذر نيابةً عن الجميع."
أخذ نفسًا قصيرًا ثم أضاف:
"كنتُ أنظف المطبخ مع زايروس، لكنه غادر فجأة وذهب إلى الطابق الثالث، فتبعته لأعرف السبب. وهناك وجدت بقية الموظفين، فانشغلنا. بالطبع هذا ليس عذرًا كافيًا، لكننا نأمل أن يتسع صدرك لنا."
أنهى كلامه بإعتذارٍ ثانٍ، وكان صوته صادق النبرة، مما جعل بعضنا يرفع رأسه بخفة ليرى رد فعل النبيل فاليس.
ظل فاليس صامتًا للحظات، ثم أطلق تنهيدة طويلة، وقال بهدوء نادر:
"حسنًا... ليس وكأن الغضب عليكم سيعيد شيئًا. يجب أن أذهب إلى العاصمة الآن، فقد وصل الحراس الذين أوكلتهم بحمايتي أثناء الرحلة."
التفت إلى الجميع وأضاف:
"هيا، لنخرج حالًا."
كان صوته هذه المرة أقل حدة، لكننا كنا نعلم أن ما جرى لن يُنسى بسهولة.
---
غادرنا الطابق الأول في صفٍ مرتب، تتقدّمنا خطوات صاحب العمل الواثقة، فيما كانت أقدامنا نحن تجرّ ثِقَلًا غير مرئي. كل خطوة كنت أخطوها كانت تشدّ قلبي أكثر، تُذكّرني أن لحظة الفراق قد حانت. جدران القلعة التي طالما احتضنتنا بدت فجأة أكثر صمتًا من أي وقت مضى، وكأنها تراقبنا في وداع صامت.
وصلنا إلى الباب الداخلي للقلعة، فتقدّم صاحب العمل وفتحه بهدوء، فاندفع تيارٌ من الهواء البارد نحونا، كأنه يذكّرنا أن الخارج مختلف… وأن القصة هنا أوشكت على الانتهاء. خرجنا إلى الباحة الواسعة، حيث حجارة الأرضية كانت تلمع بظلال الشمس المتأخرة، وبينما كانت خطواتنا تتردد في الفراغ، أدركت أن المشهد القادم سيكون هو النقطة الفاصلة حقًا.
وقفنا جميعًا أمام الباب الخشبي الضخم الذي يفصلنا عن العالم الخارجي. كان بابًا شامخًا، محاطًا بإطار حجري سميك، تتخلله نقوش قديمة تبدو وكأنها تحرس القلعة منذ قرون. ببطء، دفعه الخادم المكلّف، فصدر صوت الخشب الثقيل وهو يتحرّك على مفصلاته المعدنية، صوتٌ بدا في أذني مثل دويّ إعلان النهاية.
خطونا خارج القلعة، وهناك… كانت في انتظارنا عربة فخمة تقف بثبات كأنها قطعة من لوحة ملكية. كانت العربة مكسوة بخشبٍ مصقول داكن اللون، يحيط به إطار ذهبي براق، تتخلله زخارف نباتية محفورة بدقة مذهلة. النوافذ الجانبية كانت من زجاجٍ نظيف يلمع في ضوء الشمس، مزيّنة بستائر مخملية بلون قرمزي عميق، تتمايل بخفة مع النسيم. أما العجلات، فقد كانت ضخمة، بإطارات معدنية مصقولة، تعكس العناية المفرطة بصنعها.
جلس في داخل العربة أربعة حراس، كلٌ منهم مختلف عن الآخر. الأول كان ذا شعرٍ أبيض ناصع، يرتدي ملابس فاخرة تليق بمرافق نبيل، وعلى صدره شارة مطرزة بخيوط ذهبية، تدل على رتبته العالية. الثاني كان ذا شعرٍ أزرق اللون، عيناه حادتان كسيوفٍ مشحوذة، وملامحه لا تحمل سوى الصرامة. الثالث كان ذا شعر بني قصير، يرتدي قبعة واسعة الحافة تخفي نصف وجهه، لكن ابتسامته الخفيفة كشفت عن شخصية أكثر ودًّا من زملائه. أما الرابع، فكان ذا شعرٍ أسود فوضوي، لم يبدُ عليه مظهر القوة المفرطة مثل الآخرين، بل كان هادئ الملامح، وكأن مهمته هي المراقبة أكثر من القتال.
كنت غارقًا في تأمل المشهد حين قطع صوت النبيل فاليس أفكاري. وقف أمامنا، نظر إلى الجميع بعينيه الهادئتين، وقال بنبرة تحمل شيئًا من الحزن:
"إذًا… يبدو أن هذا هو الوداع حقًّا. أتمنى لكم التوفيق جميعًا."
أومأنا برؤوسنا في انسجام، وكأن الكلمة الأخيرة التي أراد كل منا قولها عالقة في الحلق. وفيما كنت غارقًا في خليط من الحنين والحزن، جاء صوتٌ رقيق من جانبي يقول:
"عمي…"
التفت نحو مصدر الصوت، فإذا هي روشيـن، واقفة بثوبها الأنيق ووجهها المشرق رغم لمحة الخجل فيه. ابتسمتُ وقلت بلطف:
"نعم، أيتها الأميرة الصغيرة."
رفعت ذقنها قليلًا، وقالت بغرور طفولي، تخالطه لمسة حياء:
"بما أنه الوداع، فلدي هدية لك. بالطبع لم أشترِها، لقد كانت في غرفتي الوردية، وبدلًا من أن أرميها… قررت إعطاءها لك."
ابتسمتُ بسعادة حقيقية، وقلت:
"يا له من لطفٍ كبير منك."
مدّت يدها الصغيرة، وفيها قلمٌ أحمر مزخرف، محفور على جانبه اسمي بخطٍ دقيق. كان القلم يلمع تحت أشعة الشمس، وكأنه يحمل معه ذكرى ستظل حية. أخذته منها بحذر، وضحكت بخفوت وقلت:
"شكرًا لكِ… سأعتني به جيدًا."
احمرّ وجهها قليلًا، ثم التفتت فجأة وركضت بخفة نحو العربة، وهي تلوّح بيدها قائلة:
"إلى اللقاء أيها العم!"
رفعت يدي مودّعًا، وهمست بصوت بالكاد سمعه أحد:
"نعم… إلى اللقاء."
صعدت روشين إلى العربة وجلست بجانب النبيل فاليس، الذي تبادل معنا نظرة أخيرة قبل أن يغلق الباب. بعد لحظات، اهتزت العربة قليلًا، ثم بدأت عجلاتها بالدوران ببطء، لتبتعد شيئًا فشيئًا عن بوابة القلعة.
وقفت أراقبها حتى لم تعد سوى نقطة صغيرة على الطريق البعيد، ثم اختفت خلف التلال. أحسست حينها أن فراغًا ما قد تمدّد في داخلي، وأن الهدوء الذي بقي خلفهم كان أكبر من أن يوصف.
إذن… يبدو أنه حقًّا الوداع.