102 - صمتُ الوداع وبزوغ الأمل

بعد أن غابت عربة النبيل فاليس عن أنظارنا، بقي المكان للحظاتٍ أسير الصمت، وكأن الهواء نفسه توقف احترامًا لوداعٍ لم يكن أحدٌ مستعدًا له. لكن صوت صاحب العمل قطع ذلك الصمت قائلاً بنبرة حازمة:

"حسنًا، انتهى الأمر. لنعد الآن. هيا، إلى العربة."

تبادلنا نظراتٍ قصيرة قبل أن نتوجه جميعًا نحو العربة المخصصة لنا. صعدنا إليها واحدًا تلو الآخر، وما إن جلست حتى أدركت حجم المأساة... لم يكن هناك متسعٌ كافٍ لنا جميعًا. كانت الأرجل تتشابك، والمرافق تتناطح، والأنفاس تتداخل في فضاءٍ ضيق يكاد يبتلع الهواء. حاولت أن أتحرك قليلًا، لكن كل محاولة باءت بالفشل.

وفوق كل ذلك، كانت رحلة العودة تستغرق ساعتين كاملتين! ساعتان في هذا القفص المتحرك، مكتظين كعلب السردين، ليست فكرة تبعث على التفاؤل. تنهدت بعمق وقررت أن أختار الحل الأسلم... أنام وأترك الزمن يتكفل بالباقي.

لا أعلم كم مر من الوقت، لكن صوتًا مألوفًا اخترق غشاء نومي قائلاً:

"هاي، استيقظ، لقد وصلنا."

فتحت عيني ببطء، كان النعاس ما يزال يثقل جفوني، وإذ بي أرى كايرو جالسًا أمامي، يحدق بي بابتسامة خفيفة. تمطيت قليلًا وسألته:

"أين الآخرون؟"

أجاب وهو يشير بيده نحو الخارج:

"غادروا جميعًا، لم يبقَ سوى أنا وصاحب العمل. وبما أنك استيقظت الآن، فقد انتهت مهمتي."

ثم نهض وربت على كتفي قبل أن يضيف:

"أراك غدًا."

غادر بخطواتٍ خفيفة حتى اختفى عن الأنظار. جلست للحظات أستعيد تركيزي، ثم نزلت من العربة، والبرد الليلي يلسع وجهي. كنت في منطقة العمل، والأنوار القليلة المتناثرة على الجدران تلقي بظلالٍ طويلة على الطريق الحجري.

بدأت أسير بخطواتٍ هادئة نحو النزل. الشوارع شبه خالية، وصوت الريح الخفيف كان يرافقني كأنها موسيقى وداعٍ خافتة. مشيت ومشيت حتى وصلت إلى ذلك الباب الخشبي المألوف.

طرقت ثلاث طرقات، وسرعان ما فُتح الباب لتطل منه ليانا، وعلى وجهها ابتسامة واسعة تضيء المكان. قفزت نحوي وهي تقول بفرحٍ طفولي:

"عمي!! أخيرًا عدت!"

عانقتني بقوة حتى كدت أختنق من حماسها. ضحكت وربتُّ على رأسها قائلاً:

"نعم، لقد عدت يا ليانا."

لم تمضِ لحظات حتى ظهرت العمة ميليسا من الداخل، وعلى وجهها ملامح ارتياح حقيقية، وقالت بصوتٍ هادئ:

"جيد أنك بخير. أهلًا بعودتك."

ابتسمت وأجبتها:

"شكرًا لكِ، لقد عدت."

أومأت برأسها ثم أضافت:

"لقد أتيت في الوقت المناسب، كنت قد انتهيت للتو من إعداد شوربة ساخنة ولذيذة، تعال لتتذوقها."

رائحة الطعام التي كانت تتسرب من المطبخ بددت كل أثر للتعب، فدخلت معهما وجلسنا حول المائدة الخشبية البسيطة. كان البخار يتصاعد من الأطباق، والجو في المطبخ دافئ على عكس برودة الخارج.

تناولت الملعقة الأولى، وإذا بطعم الشوربة يدفئ معدتي ويبعث في نفسي راحة غامرة، حتى أنني شعرت وكأن التعب بدأ يتبخر شيئًا فشيئًا. تبادلنا الأحاديث الخفيفة ونحن نأكل، وكانت ضحكات ليانا تملأ الجو وكأنها تطرد كل أثر للكآبة التي خلفها الوداع.

بعد أن انتهينا، شكرت العمة ميليسا على الطعام، ثم توجهت إلى غرفتي الصغيرة. فتحت الباب، وخلعت معطفي، ثم ارتميت على السرير، مستسلمًا لنعومة الوسادة.

حدقت في السقف لفترة، والأفكار تتسابق في رأسي: وجوه رفاقي، صوت الباب في الطابق الثالث، العربة الفخمة، والهدية الصغيرة من روشين... لكنني تركت كل تلك الصور تذوب في الظلام.

أردت فقط أن أرتاح.

أغمضت عيني ببطء، ومع آخر نفس عميق، انزلقت إلى نومٍ ثقيل، هادئ كالصمت الذي تلا الفوضى.

---

بعد نومٍ عميق استيقظتُ على صوت خفيف يوقظني من سباتي، فنهضتُ من السرير بتثاقل بسيطٍ لا يخلو من شعورٍ بالانتعاش. توجهتُ مباشرة إلى الحمام وغسلت وجهي ببرودة الماء، مما أزال عني ثقل النوم وزاد من يقظتي. تنفست بعمق، وأخذت أعد نفسي ليوم جديد في هذا العالم الغريب الذي صار بيتي الآن.

في المطبخ، كان الإفطار قد أُعد بعناية من قِبل العمة ميليسا، التي لم تبخل أبدًا على من في النزل برعايتها وحنانها. تناولتُ طعامي بهدوء، والشمس تتسلل عبر النوافذ الصغيرة لتملأ الغرفة بدفء لطيف، بينما كانت رائحة الخبز الطازج والقهوة تعبق في الأجواء، مما جعل لحظات الصباح مريحة على غير المعتاد.

بعد أن أنهيتُ إفطاري، ودّعت العمة ميليسا بابتسامة وبدأت أتجه نحو مكان عملي. لم تكن هناك أحداث مميزة، كانت ساعات العمل تسير ببطء، بين مهام متكررة وأحاديث خفيفة مع زملائي: زايروس، نوكس، لوكسيان، تيروس، كالستير، كايرو، سيريون، وماركوس. بدأنا نكوّن رابطًا أقوى مع مرور الوقت، حيث أصبحنا نتبادل الأحاديث والضحكات بين الفواصل، ونساند بعضنا البعض في أوقات التعب.

مرت الساعات بوتيرة بطيئة، وكان التعب يثقل أكتافي، إلى أن اقترب وقت الانصراف. ومع اقتراب نهاية العمل، تسللت إلى نفسي فكرة غريبة، شعورٌ خافت بأن شيئًا مهمًا قد هرب من ذهني...

لماذا أشعر وكأنني قد نسيت شيئاً مهماً؟

...مهلاً لحظة

لقد نسيت!

إنه الأحد!

وهذا يعني أنه أسبوع جديد مما يعني أنني أستطيع الحصول على مهارة جديدة اليوم!

فور أن استوعبت ذلك، تسارعت دقات قلبي، وزاد حماسي بشكل غير متوقع. بدأت أنظر إلى السماء وأحسب الوقت بشغف، كل ثانية تمر كانت تقربني من لحظة اكتساب القدرة التي طالما انتظرتها. شعرت بصبرٍ يتلاشى تدريجيًا، وتملكني شوقٌ عميق لمعرفة ما هي مهارتي الجديدة.

وفي تلك اللحظة، أعلن صاحب العمل بصوتٍ حازم أن وقت العمل قد انتهى، فأخذت راتبي بسرعة، وودعت زملائي، ثم أسرعتُ بخطواتي نحو النزل. كان الليل قد بدأ يحل بهدوء، وأضواء الشوارع تنير الطريق أمامي بشكل خافت، مما جعلني أشعر وكأن كل شيء من حولي يشاركني في ترقبي.

استقبلتني العمة ميليسا بابتسامة دافئة عند الباب، وبعد تناول عشاء بسيط مليء بالدفء والراحة، صعدتُ مسرعًا إلى غرفتي الصغيرة. أغلقت الباب خلفي، وجلست على السرير أتنفس بعمق، أعد نفسي للحظة التي طال انتظارها.

رفعت صوتي بحماس متحكم فيه، وقلت بصوتٍ خافت:

"نافذة الحالة."

لم تمضِ لحظة حتى ظهرت نافذة شفافة زرقاء كما العادة، وكأنها دعوة مغرية لاكتشاف الجديد. تأملتُ النافذة بترقب، والفضول يملأ روحي.

يا ترى...ما هي المهارة التي سأحصل عليها اليوم؟

2025/08/17 · 18 مشاهدة · 875 كلمة
Toleen Jaber
نادي الروايات - 2026