ساد الصمت بيني وبين النافذة للحظات، وكأن الهواء قد أثقل فجأة. رفعت بصري إليها وقلت بنبرة متردّدة، كمن يحاول اختبار حدود الأمر:

"إذن… هل هذا هو ما عليَّ فعله فحسب؟"

جاء ردها بارداً، كعادتها:

[نعم، ذلك فقط.]

أطلقت شهيقاً قصيراً، وكأنني كنت أتهيأ لسماع سلسلة طويلة من التعليمات المعقدة، ثم قلت بشيء من الدهشة:

"إن الأمر أسهل مما توقّعت… لكن إن كان الأمر بهذه السهولة، فلماذا لا يتعلّم الناس الكاراتيه؟"

لم تتأخر الإجابة، بل جاءت بصوتها الرتيب، خالية من أي انفعال:

[الأمر سهل بالنسبة إليك فقط، وذلك بسبب مهارة "الكاراتيه" التي تملكها.]

توقفتُ للحظة أستوعب كلماتها، قبل أن تضيف:

[أما باقي الناس، فسيكون الأمر صعباً بالنسبة لهم. الأمر يحتاج سنوات من التدريب والمواظبة، وقدرة بدنية معينة، بينما أنت… تمتلك المهارة بالفعل.]

أومأت برأسي ببطء، وقد بدأت أستوعب الامتياز الذي أحظى به، وإن كان يبدو في عينيّ البعض ضئيلاً. ثم قلت:

"حسناً… إذاً، ما هي الحركة الثانية؟"

ظهرت أمامي سطور جديدة مضيئة، كتبت بتنسيق واضح كأنها من كتاب تدريب قديم:

[2. ركلة أمامية (Mae Geri)

الخطوات:

1. من وضعية القتال، ارفع ركبتك للأمام حتى مستوى الصدر.

2. مد ساقك بسرعة وادفع بمقدمة القدم نحو الهدف (الخصر أو البطن عادةً).

3. اسحب قدمك للخلف بسرعة لتعود إلى وضع التوازن.]

قرأت التعليمات بتمعّن، ثم تمتمت:

"إذن… هذا ما يجب عليَّ فعله."

سحبت أنفاسي ببطء حتى امتلأت رئتاي، ثم أطلقتها بهدوء لأثبت تركيزي. مددت يدي فأمسكت بالوسادة التي طارت قبل قليل، رفعتها ورميتها عالياً في الهواء. وفي اللحظة التي بدأت فيها بالسقوط، تحرّك جسدي تلقائياً كما وصفت النافذة: رفعت ركبتي إلى مستوى صدري، ثم مددت ساقي دفعةً واحدة، أدفع بمقدمة القدم نحو الوسادة بكل ما أملك من قوة، قبل أن أسحب ساقي للخلف بسرعة لأعود إلى وضعي المستقر.

ارتطمت الوسادة بقدمي بقوة، وبدلاً من أن تمتص الضربة، اندفعت للخلف واصطدمت بالجدار، لتسقط على الأرض محدثة صوتاً مكتوماً.

هذه المرة، لم تتسع عيناي دهشة كما حدث مع اللكمة… بل بقيت هادئاً، أتابع النتيجة بعين فاحصة. أعدت نظري إلى النافذة وسألت:

"ولكن… أليست قوة الركلة واللكمة ضعيفة؟ أعني… لم يحدث أي ضرر للوسادة، كل ما في الأمر أنها طارت بعيداً."

جاء ردها كأنه نتيجة معادلة بسيطة:

[الأمر يعتمد على قوة المستخدم، فكلما زادت قوتك، زاد التأثير.]

تأملت كلامها قليلاً، قبل أن أطلق زفرة قصيرة.

"حسناً… أظنني فهمت الآن… السبب في أن الوسادة سليمة تماماً هو أن قوتي خمسة فقط… وخمسة تبدو ضعيفة بعض الشيء."

قلت ذلك وأنا أُخفض بصري إلى قبضتي وساقي، أتفحصهما كما لو أنني أبحث عن القوة الكامنة فيهما، تلك القوة التي أحتاجها بشدة… ليس فقط من أجل القتال، بل من أجل أن أشق طريقي في هذا العالم الغريب.

...

وهكذا، ظللت ساعاتٍ أتمرن تحت إشراف النافذة، تعلّمني حركة تلو الأخرى؛ من الكتلة السفلية التي تحمي الساقين والبطن، إلى الركلة الدائرية التي تتطلب مرونة ودقة، مروراً بالكتلة العلوية التي تصد الهجمات الموجهة للرأس.

كانت التعليمات واضحة، والنتائج فورية، وكأن جسدي صار يستجيب لأوامرٍ لم أختبرها من قبل. لكن، مع كل حركة أتقنها، كنت أشعر بثقل آخر… ثقل الأسئلة التي تزداد في رأسي مع كل ثانية.

بعد أن انتهيت من آخر حركة، مسحت العرق عن جبيني وجلست على السرير، أتنفس ببطء حتى يهدأ نبضي. لم يكن لدي ما أفعله الآن، لا شيء ينتظرني، ولا أحد يطرق بابي، فقط أنا… والنافذة التي تقف هناك، صامتة، وكأنها تعرف كل شيء ولا تريد أن تبوح.

تنفست بعمق، محاولاً جمع شجاعتي، ثم قلت:

"أيتها النافذة… لدي بضعة أسئلة أود طرحها عليكِ."

أضاءت الكلمات أمامي كأنها وميض خاطف:

[تفضّل.]

رفعت حاجبيّ قليلاً وبدأت بالسؤال الأول، ذلك الذي ظل يطاردني منذ اللحظة الأولى لوجودي هنا:

"كيف… انتقلتُ إلى هذا العالم؟"

كانت الإجابة فورية، لكنها باردة كالثلج:

[أنا أعتذر أيها المستخدم، ولكنني لا أستطيع الإجابة على ذلك.]

شعرت بشيء من الحدة يتسلل إلى صوتي:

"إذاً… أنتِ تعرفين الإجابة؟"

لكنها لم ترد… مجرد صمت، وكأن الكلمات قد اختفت في الفراغ.

[...]

أطلقت تنهيدة ثقيلة، واستجمعت نفسي:

"حسناً… لننتقل إلى السؤال الثاني. لماذا جعلتموني أنتقل لهذا العالم؟"

[أنا أعتذر أيها المستخدم، ولكنني لا أستطيع الإجابة على هذا السؤال أيضاً.]

ابتسمت بسخرية، ابتسامة يائسة لا تحمل أي فرح:

"ليس وكأنني توقعت منكِ الإجابة على أية حال."

أخذت نفساً قصيراً وقلت:

"السؤال الثالث… كيف أعود إلى عالمي؟"

وجاء الرد كالعادة:

[أنا لا أستطيع الإجابة على ذلك أيضاً.]

شعرت بأعصابي تتوتر، لكنني أجبرت نفسي على البقاء هادئاً. كان السؤال التالي ثقيلاً على لساني، وكأنني أخشى سماع إجابته:

"إذاً… السؤال الرابع، هل… هناك طريقة للعودة إلى عالمي السابق؟"

ترددت برهة قبل أن أنطق به، لأنني كنت أخشى أن تقول "لا أعلم"، أو الأسوأ، أن تقول "لا يوجد".

لكن فجأة، جاء الرد بخلاف ما توقعت:

[نعم… توجد طريقة.]

تسارعت أنفاسي للحظة، وشعرت بشيء من الدفء يعود إلى صدري. قلت بصوت خافت، لكن فيه لمحة ارتياح:

"على الأقل… قلتِ أخيراً شيئاً يسرّ المستمعين."

أردفت قائلاً:

"إذاً، ما هي الطريقة؟"

لكنها كعادتها قالت:

[أنا لا أستطيع الإجابة على ذلك]

تنهدت قليلاً، كنتُ قد توقعت تلك الإجابة ولكنني أردت أن أتأكد.

ثم أكملتُ وقلت:

"السؤال السادس… هل الوقت هنا يمر بشكل مختلف عن عالمي السابق؟"

[نعم، الوقت هنا يمر بشكل مختلف عن عالمك السابق.]

تقدمت خطوة، كمن يقترب أكثر من اكتشاف مهم:

"وكيف ذلك؟"

[الوقت هنا يمر بشكل أسرع من عالمك السابق، حيث إن الشهر هنا يساوي خمسة عشر يوماً في عالمك السابق.]

تأملت هذه المعلومة ملياً، ثم قلت في نفسي: "حسناً… هذا ليس سيئاً."

[هل لديك أية أسئلة إضافية أيها المستخدم؟]

صمتُّ قليلاً أفكر، قبل أن يلمع في رأسي سؤال آخر:

"كم يبلغ كبر هذا العالم؟ وهل توجد حضارات وقارات فيه؟"

[بما أنني مجرد نظام، فأنا لا أعلم. يجب على المستخدم اكتشاف الأمر بنفسه.]

أطلقت زفرة خفيفة، وكأنني أستسلم أمام لعبة طويلة بلا خريطة:

"بالطبع… بالطبع."

عندها، أغلقت النافذة، فعاد الصمت يملأ الغرفة.

تمددت على السرير، أحدق في السقف، بينما تتزاحم الأفكار في عقلي كالأمواج المتلاحقة: هناك الكثير مما لا أعرفه… الكثير من الألغاز التي لم أجد لها جواباً بعد.

هل سأكتشفها يوماً ما؟… لا أعلم.

لكن الشيء الوحيد الذي أعلمه الآن… هو أنني سأحاول، حتى لو اضطررت لطرق كل باب في هذا العالم.

2025/08/18 · 19 مشاهدة · 953 كلمة
Toleen Jaber
نادي الروايات - 2026