جاء اليوم التالي هادئاً، بلا أحداث لافتة. نهضت من سريري كعادتي، وغسلت وجهي بالماء البارد، ثم غادرت النزل متجهاً إلى العمل. كان الجو صافياً، والشمس تبعث دفئها المعتدل على الشوارع المزدحمة. لم يكن في يومي ما يثير الانتباه، سوى أن ذهني كان يسبح بعيداً عن المكان الذي أقف فيه.

كنت أُنجز مهامي المألوفة، لكن داخلي كان منشغلاً بسؤال يطاردني: كيف يمكنني تقوية مهارة الكاراتيه التي أملكها؟

هل يكفي أن أتمرّن؟ وإن فعلت... هل سيجدي ذلك نفعاً فعلاً؟

لم أكن أملك الإجابة، حتى جاءتني فجأة في أبسط صورة ممكنة.

خلال استراحة العمل، جلست على مقعد خشبي في زاوية هادئة من المكان، ورفعت قارورة الماء إلى شفتي، أرشف منه ببطء. ثم تمتمت:

"نافذة الحالة."

ظهر أمامي بريق مألوف، وتشكّلت الكلمات المضيئة:

[نعم، أيها المستخدم.]

قلت مباشرة:

"كيف أزيد من قوتي؟"

[كل ما عليك فعله هو أن تتدرّب.]

رفعت حاجبي باستغراب، ثم سألت:

"وهل ستزيد قوتي البدنية فعلاً إذا فعلت ذلك؟"

[نعم، ولكن مع زيادة قوتك، ستصبح زيادتها أصعب في المستقبل.]

أومأت برأسي ببطء:

"فهمت."

ثم أغلقت النافذة وعدت إلى عملي.

بعد انتهاء يوم العمل، عدت إلى النزل. تناولت العشاء على مهل، ثم صعدت إلى غرفتي، وألقيت بجسدي على السرير. كان عقلي يدوّن خطة عفوية لروتيني الجديد: الاستيقاظ، الإفطار، الذهاب إلى العمل، العودة، الاستحمام، العشاء، اللعب قليلاً مع ليانا، ثم التدرّب نصف ساعة على الأقل قبل النوم.

لم يكن روتيناً سيئاً في الحقيقة... وربما سيكون مناسباً لمرحلتي الحالية.

أغمضت عيني، مستسلماً للنوم، غير مدرك أن الغد كان يخبّئ لي أمراً مختلفاً تماماً.

---

في الصباح التالي، تكررت البداية المعتادة: غسلت وجهي، تناولت الإفطار، ثم خرجت متجهاً إلى العمل. الشوارع كانت كما هي، تموج بالحياة؛ بائع ينادي على بضاعته في السوق، وروائح الطعام تتسلل من المطاعم القريبة، وأحاديث المارة تتقاطع في الهواء.

كنت شارد الذهن، أفكر في تماريني القادمة، حين اخترق مسامعي صوت شاب من خلفي:

"أيها العم!"

توقفت والتفت، لأجد فتى يبدو في مقتبل العمر، شعره أسود فاحم، وعيناه بلون أخضر باهت، تحتهما هالات داكنة توحي بقلة النوم. كان وجهه مشدوداً بقلق واضح.

قلت بتعجب:

"أتقصدني؟"

أجاب بسرعة، وعيناه تتحركان بتوتر:

"ومن غيرك هنا؟"

رفعت حاجبي، وتمتمت في داخلي: أطفال هذه الأيام... جرأتهم تزداد يوماً بعد يوم.

ثم قلت له ببرود:

"أولاً، أنا لستُ عماً، وثانياً... ماذا تريد؟"

تلعثم قليلاً قبل أن يقول:

"أيها العم... أقصد أيها الأخ، ما سأقوله قد يبدو غريباً... لكنني كنت في غرفتي، وفجأة وجدت نفسي هنا!"

توقفت أنفاسي لوهلة. مهلاً... ماذا؟

تابع، محاولاً أن يجد تفسيراً لما يحدث له:

"أظن أنني أحلم، صحيح؟ وأنت أيضاً من حلمي؟ أليس من المفترض أن يكون الأشخاص الذين يظهرون في الأحلام مألوفين؟ لكنك لست مألوفاً... وكل من حولي ليسوا مألوفين..."

في تلك اللحظة، شعرت بقطرات العرق تتسلل من جبيني. لم يعد هناك شك: هذا الفتى انتقل إلى هذا العالم... مثلي تماماً، مثل نوكس وماركوس، والآخرين.

نظرت إليه لثوانٍ بصمت، ثم قطعت حديثه قائلاً:

"اسمع... ما سأقوله الآن غريب، وأعلم أن تقبّله ليس سهلاً، لكن حاول ألا تنصدم."

توقف للحظة، ثم قال وهو يرفع حاجبه:

"تفضل."

قلت ببطء، وكأنني أضع أمامه مفتاحاً سيفتح أبواباً لا يمكن إغلاقها:

"أنت... لا تحلم."

ظل يحدّق بي، ثم انفجر ضاحكاً:

"هاهاها! يا لها من نكتة جيدة! لم أعلم أن شخصيات الحلم يمكنها المزاح!"

أطلقت زفرة ثقيلة. الأمر سيكون صعباً... الحقيقة لن تدخل عقله بسهولة.

قلت بجدية أكبر:

"أنا لا أمزح. أنت انتقلت إلى هنا... إلى عالم آخر، غير الأرض. وأنا أيضاً كنت مثلك يوماً، واقفاً في مكانك هذا، لا أصدق ما يحدث."

ارتسم الارتباك على وجهه، وتوقفت ضحكته فجأة. كانت ملامحه تتغير ببطء، كأن عقله يحاول مقاومة فكرة لا يريدها، بينما قلبه يخشى أن تكون صحيحة.

همس:

"توقف... الأمر لم يعد ممتعاً... رجاءً، قل إنك تمزح."

نظرت إليه بثبات، وقلت بصدق هادئ:

"أتمنى لو أنني كذلك."

عندها، ساد صمت ثقيل بيننا، صمت امتلأ باليأس والإنكار، بينما كنا كلانا نتمنى... لو أن ما يحدث الآن لم يكن إلا حلماً.

---

صرخ الفتى فجأة، صرخة عالية، وضع على إثرها كفَّيه على أذنيه بقوة، وأخذ يردد بصوت مرتجف:

"أنا لا أسمعك! أنت تمزح! لا... لا... لا..."

تأملت وجهه المشدود وعينيه الواسعتين المليئتين بالذعر، وأدركت أن صدمته تشبه تماماً ما شعرت به يوم وطئت قدماي هذا العالم لأول مرة.

قلت له بهدوء متعمَّد، أحاول أن أخترق جدار إنكاره:

"إنه الواقع... عليك أن تتقبّل الأمر، مهما كان ثقيلاً على قلبك."

ببطء، أنزل يديه عن أذنيه، وأنفاسه تتسارع، ثم رفع رأسه نحوي وقال بعينين تموجان بالريبة:

"وكيف تريدني أن أصدق ما تقوله؟"

تنهدت، وأشرت بيدي من حولنا:

"انظر جيداً... السماء فوقك صافية وواقعية، لا غشاوة حلم فيها، والناس حولك وجوه جديدة تماماً، يتحدثون ويتحركون بلا أن يبالوا بك أو بي. حتى أصواتهم، تفاصيل ملابسهم، ملمس الهواء على بشرتك... كل هذا لا يمكن أن يوجد في حلم. وحتى أنا... أنا أناقشك الآن، وأرد على أسئلتك، وهذا وحده كفيل بأن يخبرك أننا لسنا في عالم وهمي."

صمتُّ لحظة ثم أضفت:

"أما زلت لا تصدق حتى بعد كل ما قلت؟"

ظل صامتاً، ينظر في وجهي وكأنه يبحث عن أي بادرة مزاح أو خدعة، ثم خفض عينيه إلى الأرض. بدا وكأنه يقاتل فكرة لا يريد الاعتراف بها. بعد لحظات، رفع رأسه وعلامات القلق تعلو ملامحه:

"إ... إن كان ما تقوله صحيحاً... فهل هناك طريقة للعودة إلى الأرض؟ وكيف... كيف انتقلنا إلى هنا أصلاً؟!"

أحسست بوزن السؤال يضغط على صدري. أجبته بصوت منخفض:

"سمعت أن هناك طريقة... لكني لا أعرف ما هي. أما عن الانتقال... فصدقني، أنا لا أعلم."

ابتلع ريقه بصعوبة، ثم قال بتردد يشوبه خوف:

"إذاً... أنا... ماذا سيحدث لي بعد الآن؟"

لم أجد جواباً. كل ما كان في ذهني هو صدى سؤالٍ مشابه كنت قد طرحته على نفسي قبل أشهر. بقيت صامتاً، وعيناي تهربان منه.

بعد صمت ثقيل، أخرجت من جيبي ورقة نقدية وقلت:

"أيها الفتى... خذ هذه. مئة دولار. لا أدري إن كانت ستكفيك طويلاً، لكنني أنصحك أن تبحث عن عمل سريعاً."

مددت يدي ووضعت المال في راحته. بقي يحدق فيه لثوانٍ، ثم رفع رأسه نحوي وقال بنبرة متحفظة:

"ما هذا؟ أتشفق عليّ؟"

هززت رأسي:

"ليس الأمر شفقة... لكن العيش هنا من دون مال أمر مستحيل. صدقني، ستدرك ذلك قريباً."

لم يرد. فقط بقي ساكتاً، عيناه على الأرض، وكأنه غارق في أفكار متشابكة.

تنهدت وأنا أستعد للمغادرة:

"على أية حال... أتمنى لك التوفيق. وداعاً."

استدرت، وخطوت مبتعداً في اتجاه عملي. لكن شعوراً غريباً بدأ يزحف إلى وعيي... إحساس بأن هناك من يتبعني. توقفت فجأة ونظرت خلفي، فإذا بالفتى نفسه يسير في أثري، غير متعجل، لكن خطواته كانت متطابقة تقريباً مع إيقاع خطواتي.

عدت إليه بخطوتين وقلت:

"لماذا تتبعني؟"

رفع حاجبيه وكأن سؤالي غير مبرر:

"ومن قال لك إنني أتبعك؟ نحن نمشي في نفس الطريق فحسب."

أطلقت زفرة، وأخذت نفساً عميقاً قبل أن ألتفت لأكمل سيري. الفتى استمر في السير بجانبي تقريباً، وكأن المسافة بيننا لم تعد تعنيه.

وصلت أخيراً إلى مكان عملي، وحين التفتُ لأتأكد من وجوده، لم أره. اختفى وسط الزحام، أو ربما انعطف إلى طريق آخر. ابتسمت بمرارة، وأقنعت نفسي بأنه لم يكن يتتبعني حقاً.

ثم بدأت القيام بمهامي، أترك خلفي ضجيج الشارع، وأشرع في أعمالي المعتادة... لكن صورة الفتى، بعينيه القلقتين وصوته المرتبك، بقيت عالقة في ذهني كظلٍّ ثقيل.

...

كان النهار يمضي ببطءٍ، والعرق يتصبب من جبيني وأنا منهمك في عملي؛ أنظف الأسلحة بعناية، وأرتب الصناديق الثقيلة في المخزن. كانت رائحة الحديد والزيت تعبق بالمكان، وأصوات المعدن وهو يُعاد إلى رفوفه تتردد في الأرجاء.

لكن فجأة، شعرت بوخزة في قلبي... إحساس غريب، كأن عينين ثابتتين تراقباني من بعيد. رفعت رأسي ببطء، والتفتُ، وهناك رأيته... الفتى الذي التقيته قبل وقت قصير، واقفاً على بعد أمتار قليلة، يراقبني بصمت، وعيناه تتابعان حركاتي كظلٍّ لا يريد أن يختفي.

ارتسمت على وجهي علامات الاستغراب، وارتفع حاجباي تلقائياً.

ما هذا؟ لماذا هو هنا؟ هل يعقل أنه كان يتتبعني منذ البداية؟

تنهدت بخفة لأطرد شعور الضيق، ثم وضعت قطعة القماش جانباً، ومسحت يدي من أثر الزيت، وتقدمت نحوه حتى صرت على بُعد خطوة منه.

قلت بنبرة جادة:

"ماذا تفعل هنا؟... هل أنت مطارد؟"

ارتبك قليلاً، وبدت حركته عصبية وهو يشبك أصابعه ببعضها، ثم قال بصوت متردد:

"لا... لستُ مطارَداً. لكنني... ذهبت إلى مطعم قريب من هنا وتناولت بعض الطعام... إلا أنني أدركت أنني لن أستطيع العيش على هذا المنوال طويلاً."

ثم تنفس بعمق وكأنه يستعد لقول شيء أهم، وأكمل:

"ألا تستطيع مساعدتي؟"

نظرت إليه ببرود ظاهري، وأجبت:

"لقد أعطيتك المال بالفعل."

هز رأسه نافياً، ثم قال:

"أعني... ألا أستطيع أن أبقى معك؟ أنت الوحيد هنا الذي أشعر أنني أستطيع الوثوق به."

تراجعت خطوة إلى الخلف، وأخذت نفساً عميقاً وأنا أضع يدي على خصري:

"أتعني... أنك تريد مني أن أعتني بك؟"

أومأ برأسه بسرعة، وفي عينيه رجاء صريح:

"نعم... على الأقل حتى أجد طريقة للعودة إلى الأرض."

أجبت بجفاء، محاولاً التمسك بموقفي:

"أنا لست أباك، ابحث عن شخص آخر."

استدرت عائداً نحو العمل، لكن صوته أوقفني:

"انتظر... رجاءً! أنا حقاً لا أعلم ماذا أفعل... على الأقل ساعدني في إيجاد عمل."

توقفت في مكاني لثوانٍ، أحدق في الصناديق المتراصة أمامي، بينما كلماته تتردد في عقلي. لا أعلم لماذا... لكنني رأيت نفسي فيه؛ شاباً ضائعاً، لا يعرف إلى أين يذهب، يواجه عالماً جديداً بلا خريطة ولا مرشد. كانت صورتي يوم وصلت لأول مرة تطفو أمام عيني، وتلك الوحدة الخانقة التي شعرت بها.

أطلقت زفرة استسلام، ثم استدرت نحوه قائلاً:

"حسناً... سأحاول إقناع صاحب العمل بأن يجعلك تعمل هنا."

ارتسمت على وجهه ابتسامة واسعة لم أرها عليه من قبل، ابتسامة ممزوجة بالارتياح والامتنان. أومأ برأسه بسرعة، وقال بحماس:

"شكراً... شكراً حقاً. أنا لا أعلم حتى كيف سأستطيع تعويضك."

ابتسمت ابتسامة صغيرة، وقلت:

"لا داعي لذلك. اعتبرها... مساعدة من أخيك الكبير."

بدت كلماتي وكأنها طمأنته أكثر مما توقعت، فاستقام في وقفته وألقى عليّ نظرة امتنان صامتة. أما أنا، فقد عدت إلى عملي، وفي ذهني بدأت ترتسم خطة لما سأقوله لصاحب العمل، وكيف سأحاول إقناعه بتوظيف هذا الفتى، حتى ولو كان الأمر صعباً.

لم أكن أدرك حينها أن موافقتي هذه ستجرّني إلى سلسلة من الأحداث التي لم أكن مستعداً لها...

2025/08/19 · 14 مشاهدة · 1558 كلمة
Toleen Jaber
نادي الروايات - 2026