قبل أن أعود إلى عملي، التفتُّ إلى الفتى وقلت له بنبرة جادة:
"عليك أن تذهب الآن وتعود بعد ساعة، فصاحب العمل خرج لبعض شؤونه، وقد قال إنه سيعود بعد مضيّ ساعةٍ كاملة."
هزَّ الفتى رأسه بتفهم، وإن كان في عينيه بريق قلق لم يخفَ عني، ثم غادر المكان بخطوات مترددة، وكأنه يخشى أن أفلت من يده وأتركه لمصيره. أما أنا، فقد عدت إلى مهامي المعتادة؛ تنظيف الأسلحة وترتيب الصناديق الثقيلة. غير أن عقلي لم يكن منشغلاً بما بين يدي، بل بالغرض الذي ينتظرني بعد ساعة: كيف سأقنع صاحب العمل بتوظيف ذلك الفتى؟
كنت أمسح نصل سيفٍ لامع حين تسللت إلى رأسي أول فكرة: ربما أخبره أنه أخي الأصغر، جاء ليبحث عن عمل، ويريد مني أن أساعده.
لكنني ما لبثت أن هززت رأسي مستنكراً:
"لا... الكذب أمر سيئ، ثم إن هذه الخطة تبدو سخيفة بعض الشيء."
تنقلت الأفكار بين جنبات عقلي كأمواج متلاطمة. هل أخبره أنني وجدت الفتى في الشارع تائهاً بلا وجهة، وأنه توسّل إليّ لأجد له وظيفة؟ صحيح أن هذا أقرب إلى الحقيقة، لكنني شعرت أن هذا أيضاً لن يكون مقنعاً بما يكفي، فصاحب العمل رجل عملي، لا تحركه العاطفة بسهولة.
استغرقت في التفكير طويلاً، أتنقل بين الخطط والاحتمالات، حتى وصلت إلى القرار النهائي: لن أحاول تزييف الأمور، بل سأقول الحقيقة كما هي. وإن لم يقبل، فسأبحث عن سبيل آخر حينها.
ارتحت قليلاً لهذا القرار، وكأن حملاً ثقيلاً قد انزاح عن صدري.
مضت الساعة ببطء، حتى عاد الفتى أخيراً، يقف بجانبي وقد بدا في ملامحه مزيج من القلق والأمل، عيناه تترقبان المستقبل كأنهما تبحثان عن الخلاص. وقفنا ننتظر معاً، والهدوء يخيّم بيننا، لا نسمع سوى وقع الأقدام في السوق البعيد، وصوت الريح ينساب بين أزقة البلدة.
وفجأة، توقفت أمامنا عربة مألوفة، عربة صاحب العمل. نزل منها بخطوات ثابتة، يحمل في عينيه هيبة الرجل الذي تعوّد على القيادة وتحمل المسؤولية. تبادل معي نظرة سريعة، ثم أردت أن أغتنم اللحظة قبل أن أتردد. تقدمت نحوه بخطوات واثقة، وخلفي الفتى يجرّ قدميه بتوتر.
قلت له بصوتٍ مفعم بالجدية:
"حضرتك... لدي طلب أود أن أعرضه عليك."
توقف، التفت إليّ بعينيه الحادتين، وقال ببرود مألوف:
"ما الأمر؟"
بلعت ريقي، ثم أجبت:
"الأمر... أنني أود أن أطلب منك أن توظف هذا الفتى للعمل معنا."
رفعت يدي قليلاً مشيراً إلى الفتى الواقف خلفي، الذي بدا كطائر صغير ألقي به فجأة في مواجهة نسر جارح.
كنت أتهيأ لجدال طويل، كنت أتوقع أن يسألني: "من هذا؟ وما علاقته بك؟" ثم أضطر إلى سرد القصة كاملة ومحاولة إقناعه.
غير أن ما حدث فاجأني تماماً.
صاحب العمل صمت لحظة قصيرة، ثم قال بصوتٍ هادئ لكنه يحمل حدة القرار:
"بالطبع، ولمَ لا؟"
حدقت فيه مذهولاً، وشعرت أن عقلي قد توقف لثوانٍ. ترددت الكلمات على لساني:
"حقاً؟!"
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
"نعم. على أي حال، ليس لدي الكثير من الموظفين، والمهمات الغريبة التي تأتينا تتطلب عدداً أكبر من الأيدي العاملة. وجود شخص آخر سيساعدني كثيراً."
ثم التفت إلى الفتى مباشرة، نظر في عينيه نظرة فاحصة قبل أن يقول بنبرة حازمة:
"من الآن، أنت موظف لدي. راتبك سيكون أربعون دولاراً في اليوم."
اتسعت عينا الفتى دهشة، ثم غمرته موجة من الفرح والامتنان، فقال بحماس:
"نعم! أنا أيضاً أتطلع للعمل معك، سأبذل جهدي بكل ما أستطيع!"
وقفت أراقب المشهد بدهشة، لم أكن أتوقع أن الأمر سيكون بهذه السهولة، بل كنت قد أعددت نفسي لمعارك من الحجج والإصرار. لكن الآن... شعرت بارتياح غريب يسري في قلبي، وكأن جبلاً من القلق قد أزيح عن كاهلي.
وبينما كنت أستغرق في تلك المشاعر، تذكرت فجأة شيئاً كنت قد غفلت عنه. لقد زاد راتبي بالفعل منذ فترة، وأصبح سبعون دولار في اليوم! كيف نسيت أن أذكر ذلك نفسي؟!
هذا الأمر يجعلني أكثر قرباً من هدفي... من الحلم الذي يرافقني كل يوم: إيجاد عائلتي.
---
وقف الفتى أمام صاحب العمل بخطوات مترددة، وكأنه لا يعرف من أين يبدأ. ثم تجرأ وسأل بصوتٍ مبحوح يحمل شيئاً من الحماس والخوف معاً:
"إذاً... ماذا يجب عليّ أن أفعل؟"
ابتسم صاحب العمل ابتسامة صغيرة، ثم أجابه وهو يضع يديه خلف ظهره:
"المهام اليومية هنا بسيطة في ظاهرها، لكنها تحتاج إلى جهد وصبر. في العادة، ستكون مسؤولاً عن تنظيف الأسلحة حتى تلمع وكأنها جديدة، وعن ترتيب الصناديق الثقيلة في المخزن، إضافة إلى جر العربة حين يلزم الأمر. لكن..."
توقف لحظة، وألقى نظرة متفحّصة على الفتى، قبل أن يضيف:
"أحياناً تأتينا مهمات غريبة، خارجة عن نطاق العمل المعتاد. في تلك الأوقات، عليك أن تكون مستعداً لأي شيء."
رفع الفتى رأسه ببطء، وفي عينيه بريق قلقٍ غامض، بينما صاحب العمل أكمل كلامه وقال:
"مهامك اليومية ستكون مثل مهام هذا الرجل الذي يقف بجانبك."
تجمّدت في مكاني، ورحت أنظر إليهما في حيرة. مهلاً... لماذا ينظران إليّ هكذا؟ لا، لا، رجاءً، لا يكن ما في بالي صحيحاً...
أكمل صاحب العمل كلامه بعد لحظة صمت ثقيلة، وهو يحدق في عيني مباشرة:
"وبما أنكما تؤديان المهام ذاتها، فأنت ستكون مسؤولاً عنه من اليوم فصاعداً."
كلمات بسيطة، لكنها سقطت عليّ كالصاعقة. شعرت بصرخة داخلية تمزق أعماقي: لااااااااااااا! لماذا أنا؟! أنا بالكاد أستطيع الاعتناء بنفسي، فكيف يريد مني أن أكون مسؤولاً عن هذا الفتى أيضاً؟!
رأيت الفتى ينظر إليّ بعينين فيهما خليط من الامتنان والرجاء، وكأن تلك الجملة كانت خلاصه. أما أنا، فقد اضطررت إلى أن أُخفي كل تلك الصرخات خلف قناعٍ بارد.
لم أرغب أن أظهر ضعيفاً أو متذمراً أمامهما.
ابتسمت ابتسامة مصطنعة، وقلت بصوت بدا وكأنه لا يشبه صوتي:
"بالطبع، سأكون المسؤول عنه من اليوم."
اكتفى صاحب العمل بهز رأسه، ثم استدار وغادر بخطوات ثابتة نحو الداخل، تاركاً وراءه صمتاً ثقيلاً يخيّم بيني وبين الفتى.
أطلقت تنهيدة طويلة، كأنني أفرغ بعض ما تراكم في داخلي من انفعال، ثم التفت نحوه أخيراً. كان يقف أمامي متوتراً، لكن في عينيه لمعة أمل لم أرها من قبل.
قلت له بلهجة جادة:
"إذاً... أنا المسؤول عنك من الآن في أوقات العمل. هذا يعني شيئاً واحداً: لا تحدث أي مشاكل، ولا تقم بأي تصرف أحمق. مفهوم؟"
ابتسم الفتى ابتسامة صغيرة، وأجاب بصوت يحمل شيئاً من الجدية، وإن لم يخلُ من الحماس:
"مفهوم."
ظللت أحدّق فيه لثوانٍ أخرى، وكأنني أبحث عن يقين داخلي بأنه لن يجرّني إلى المتاعب، لكن قلبي لم يطمئن تماماً. ومع ذلك... كنت أعلم أن القدر قد رسم طريقاً جديداً لنا معاً، سواء رضيت بذلك أم لا.
---
أضفت قائلاً بعد أن هدأت أعصابي قليلاً:
"على أية حال، ما هو اسمك؟"
نظر إليّ الفتى بعينين متسعتين، ثم أجاب بصوت هادئ لكنه مليء بالفضول والحماس:
"اسمي فيسبر."
ابتسمت بخفة، وأردفت:
"إنه اسم جميل. حسنًا، هيا لنذهب الآن ونبدأ مهامنا."
أومأ فيسبر برأسه بحماس، وبدأنا السير معًا نحو مكان العمل. أثناء ذلك، شعرت بشيء من الارتياح الداخلي، فهو يبدو مفعماً بالنشاط ومستعداً لتعلم كل ما هو جديد.
عند وصولنا، بدأنا العمل، فقمنا بترتيب الصناديق الثقيلة بعناية، وتنظيف الأسلحة حتى لمعت كأنها جديدة، وأدينا بعض المهام الأخرى التي تتطلب مجهودًا بدنيًا وصبرًا. لقد فاجأني فيسبر بالفعل، إذ كان سريع التعلم ودقيقاً في أداء عمله، على عكس ما توقعت من فتى في مثل سنه.
مرّ الوقت بسرعة أكبر مما توقعت، ومع حلول نهاية اليوم، حان وقت المغادرة. ارتديت معطفي وأخذت حقيبتي متجهًا إلى النزل، إلا أن شعوراً غريباً اجتاحني، كأن هناك شخصاً يتبع خطواتي.
التفت ببطء، وإذا به فيسبر يمشي خلفي، غير متعجل، لكنه يواكب خطواتي بدقة كأنه يريد البقاء معي.
اقتربت منه وقلت بحدة خفيفة، مختلط فيها الانفعال والدهشة:
"ماذا تريد الآن؟"
تلعثم قليلاً قبل أن يجيب بتردد، صوته يحمل شيئًا من الخجل والارتباك:
"أنا… لا أعلم أين يجب عليّ النوم الليلة."
ابتسمت ابتسامة طفيفة، محاولاً تهدئته، وقلت:
"الأمر بسيط، إذهب وابحث عن نزل، المال ليس مشكلة، فأنت استلمت راتبك بالفعل."
هز رأسه برفق، وصمت للحظة، ثم قال بصوت متردد لكنه صادق:
"الأمر ليس له علاقة بالمال… لكنني لا أثق بأحد غيرك."
توقفت للحظة، وشعرت بثقل المسئولية يتضاعف داخلي. ثم أضاف بصوت يائس:
"ألا يمكنني أن آتي معك؟"
تنهدت ببطء، مدركًا أن مقاومة رغبته لن تجدي، فقلت مستسلماً:
"حسنًا… لنذهب الآن، لقد تأخر الوقت."
ابتسم فيسبر ابتسامة عريضة، وقال بحماس:
"بالطبع، لنذهب!"
تقدمت أمامه، وهو يتبعني بخطوات سريعة متحمسة.
حسنًا… إنه مجرد فتى في الخامسة عشر من عمره، لا يجب أن أكون قاسيًا عليه، حتى لو كان الأمر متعبًا بعض الشيء.
وصلنا أخيراً إلى النزل، وطرقت الباب بثلاث طرقات متتابعة:
"طق… طق… طق…"
فتحت العمة ميليسا الباب بابتسامة حنونة، وقالت بصوت دافئ:
"أهلاً بعودتك!"
لكن سرعان ما لاحظت وجود فيسبر بجانبي، فارتسمت على وجهها ابتسامة خفيفة، وقالت:
"وَمَن هذا الذي بجانبك؟"
قبل أن أجيب، تقدم فيسبر وقال بثقة طفولية، وكأنه يحاول أن يضع الأمور في نصابها:
"أنا مثل الأخ الأصغر له. وأنا أريد أن أقيم هنا."
ضحكت العمة ميليسا بخفة، وقالت له وكأنها تتحدث إلى ابنها:
"هاها… يالك من طفل لطيف، إذاً يبدو أن لدينا مقيم دائم ثانٍ هنا!"
أضافت بعد لحظة، وهي تشير إلى الأمور المالية:
"المبلغ سيكون سبعة دولارات لكل يوم."
ابتسم فيسبر بحماس، وأخرج السبعة دولارات من جيبه وسلمها للعمة ميليسا، ثم دخل إلى الداخل بكل خفة ومرح.
في الداخل، كانت ليانا تنتظرنا، وعندما رأتني ركضت نحوي بعينين متلألئتين من الفرح، وعانقتني قائلة:
"أيها العم، وأخيرًا عدت!"
لكن سرعان ما لاحظت وجود فيسبر، فارتسم على وجهها تعبير الانزعاج وقالت بصوتٍ حاد:
"وَمَن هذا؟!"
قلت لها بهدوء، محاولًا تهدئة الموقف:
"إنه فيسبر، سيقيم معنا من اليوم فصاعدًا."
ارتفع صوتها قليلًا من الانزعاج:
"ماذا؟! لا، أنا لا أريد ذلك!"
تعجبتُ من ردها، فقلت:
"ولماذا ذلك؟"
تلعثمت، وقالت بتوتر واضح:
"لأن… لأن… مظهره لم يعجبني."
صُدم فيسبر من كلماتها، وعاد بوجهه محمرًّا قليلاً، قائلاً:
"أنا… أنا قبيح؟!"
حاولت تهدئة الموقف، وقلت لها:
"يا ليانا، إنه شيء سيء أن تقولي لشخص ما أنه قبيح. أنتِ لستِ سيئة، أليس كذلك؟"
ردت بنبرة حادة، لكنها مضطرة:
"أنا طيبة!"
ابتسمت بخفة، ثم قلت:
"إذاً… هيا اعتذري لأخيك الكبير، فيسبر."
صمتت للحظة، ثم هزت رأسها ببطء، وقالت بصوت خجول:
"أ… أنا أعتذر."
ركضت بعد ذلك إلى المطبخ، تاركةً الموقف خلفها.
ابتسمت العمة ميليسا إلى فيسبر وقالت:
"أنا آسفة، إنها ليست هكذا في العادة، لا أعلم لماذا تتصرف بهذه الطريقة."
أجاب فيسبر بابتسامة صادقة، محاولًا تخفيف التوتر:
"لا، لا بأس، الأطفال يكونون هكذا أحيانًا."
ابتسمت العمة ميليسا، ثم قالت:
"على أي حال… ألستما جائعين؟ هيا، تعالا وتناولا بعض الطعام."
ذهبنا إلى المطبخ، وجلسنا على المائدة. كان الطعام كما اعتدتُ لذيذًا ويبعث الدفء في القلب، وفيسبر يأكل بشهية كأن الطعام تجربة جديدة بالنسبة له، بينما ليانا تناولت طعامها ببرود واضح، ربما بسبب وجود فيسبر أو لمجرد استغرابها من الوضع الجديد.
بعد الانتهاء من الطعام، توجه فيسبر إلى غرفته التي تقع بجوار غرفتي، ودخلت أنا الآخر غرفتي. تمددت على السرير، وغمرني شعور بالإرهاق.
كانت أحداث اليوم كثيرة ومتنوعة، وطول اليوم قد ترك في نفسي أثره العميق. وبينما كنت أغوص في الأفكار، غطتني يد النعاس، واندسلت روحي في نومٍ عميق، تاركًا العالم حولي يختفي.