مع مرور الأيام، بدا واضحاً أنّ فيسبر قد تأقلم مع العمل بسرعة فاقت توقعاتي. كنا نذهب معاً كل صباح إلى المستودع، نرتب الصناديق الثقيلة، ننظف الأسلحة بعناية، ونتفقد المعدات التي لا يملك أحد غيرنا الصبر على ترتيبها. شيئاً فشيئاً صار جزءاً من طاقمنا الصغير، بل أصبح مقرباً من ماركوس ولوكسيان وحتى نوكس والأخرين...

عددنا لم يتجاوز العشرة، ومع صاحب العمل كنا نصبح أحد عشر رجلاً فقط. وقد كان واضحاً أن السبب في موافقته السريعة على توظيف فيسبر هو نقص الأيدي، إذ إنّ معظم الموظفين القدماء ــ وكانوا يزيدون عن ثلاثين رجلاً ــ قد تركوا العمل وراءهم، متذمرين من قسوته وصعوبة المهمات الغريبة التي كان يفرضها علينا. لقد قالوا إن العمل لم يعد كما كان، ثم رحلوا واحداً تلو الآخر، تاركين خلفهم فراغاً لم يُملأ بعد.

أما في النزل، فقد اختلف الوضع كثيراً. العمة ميليسا كانت تعامل فيسبر كما لو كان واحداً من أبنائها، تستقبله بابتسامتها الحنونة كل مساء، وتضع له الطعام بيدها. لكنه، بالمقابل، لم يحظَ بالترحيب نفسه من ليانا. كانت الطفلة تتجاهله ببرود، مع أنه حاول أكثر من مرة أن يبدأ حديثاً معها، لكنها لم تُعره أي اهتمام، وكأنها قد أغلقت باب قلبها أمامه. لم أعرف السبب، لكنني تركت الأمر للزمن.

وهكذا مرّت الأيام بين العمل والعودة، بين التدريب الخفيف الذي كنت أداوم عليه قبل النوم كل ليلة ـ نصف ساعة من الحركات والتمارين التي تعودت عليها كي لا تضعف عضلاتي ـ وبين مراقبة تفاصيل هذا العالم الغريب الذي صرت جزءاً منه.

حتى جاء الأسبوع التالي، وبدأتُ ألاحظ أن الروتين قد رسخ في حياتي.

في أحد تلك الليالي، بعد أن أنهينا عملنا وعدنا إلى النزل وتناولنا العشاء معاً، دخلت غرفتي منهكاً، وألقيت بجسدي على السرير الخشن. بقيت لحظة مغمض العينين، ثم تمتمت بصوتٍ خافت:

"نافذة الحالة."

في الحال ظهرت أمامي النافذة المألوفة، بضوئها الأزرق الساطع الذي بات يشبه في نظري تحية يومية. لم أستطع أن أمنع نفسي من التحديق فيها طويلاً، وكأنها كائن حيّ يرافقني منذ البداية.

قلت:

"القوة الخارقة، إظهار!"

فانفتحت البطاقة الذهبية أمامي، فمددت يدي ولمستها، لتظهر المعلومات واضحة كما العادة:

[الفئة: F]

[القدرة: السهر قليلاً]

[الوصف: تستطيع السهر أكثر من المعتاد بقليل]

[الاستخدام: تجنب النوم عند الحاجة]

[الشروط: لا توجد شروط نظراً لمدى ضعف القدرة]

قرأت الكلمات ببطء، ثم عقدت حاجبيّ بدهشة ممزوجة بالخيبة.

"السهر قليلاً؟!"

تصفحت السطور من جديد وكأنني أتوهم شيئاً ناقصاً.

القدرة مجرد قدرة على مقاومة النوم لبعض الوقت؟

جلست على طرف السرير وتنهدت بعمق.

"ما الفائدة من هذا؟ لماذا سأحتاج إلى السهر أصلاً؟!"

لكني سرعان ما ابتسمت بسخرية.

" لا بأس... هذا متوقع من النافذة."

فكما العادة، قدرتي أضعف مما أتمنى. على الأقل سُجّلت الآن ضمن قائمة مهاراتي، حتى وإن كانت مهارة لا قيمة لها.

أغلقت النافذة، واستلقيت من جديد، بينما بدأت الأفكار تتسابق في رأسي. كان ثمة شيء يزعجني، شيء أشعر وكأنني نسيته ولم أتذكره... إلا بعد لحظات من الشرود.

"لحظة..."

تسارعت دقات قلبي.

"لقد نسيت أن أخبر فيسبر عن النافذة!"

كيف غاب عن ذهني أنّه، عاجلاً أم آجلاً، قد يفتح نافذة الحالة الخاصة به مثلما فعلت أنا؟ لقد كان عليّ أن أنبّهه وأُعدّه لذلك، وإلا سيفاجأ بها وحده، وربما يصاب بالذعر.

غطيت وجهي بكفّي متنهداً:

"يا لي من أحمق... حسناً، سأخبره غداً، لا مفرّ من ذلك"

لم أستطع التفكير أكثر، إذ سرعان ما أثقل النعاس جفوني، وغرقت في نومٍ عميق، تاركاً كل همومي مؤجلة لصباحٍ آخر.

...

حلَّ الصباحُ التالي، وكان يختلف عن سابقيه في شيء واحد فقط: إدراكي أنّه قد مرّ على قدومي إلى هذا العالم ثلاثة أشهر كاملة. ثلاثة أشهر من العمل والاعتياد، من الحذر والدهشة، من محاولات فهم قوانين هذا المكان الذي لا يزال يخفي الكثير من الأسرار.

تناولتُ فطوري على عجل، ثم خرجت مع فيسبر متجهَين إلى العمل كما اعتدنا كل يوم. كانت الطرقات مزدحمة بالناس، وأصوات الباعة تتعالى في السوق، بينما الشمس تُلقي خيوطها الذهبية على المباني الخشبية والطرقات المرصوفة جزئياً بالحجارة.

لكنني، بخلاف العادة، كنتُ شارد الذهن. هناك أمر ظلّ يثقل صدري منذ ليلة البارحة، وقد قررتُ أن أُصارح فيسبر به اليوم، مهما حدث. التفتُّ إليه، وترددت قليلاً قبل أن أنطق:

"فيسبر... لديّ شيء أريد أن أخبرك به."

أدار وجهه إليّ بابتسامة صغيرة وقال:

"نعم؟ ما هو؟"

تلعثمت للحظة، ثم قلت بنبرة مترددة:

"حسناً... فقط، أُريد منك ألا تنصدم مما سأقوله الآن."

ابتسم ابتسامة ساخرة، وردّ:

"إذاً... يبدو أنّك ستُفاجئني مجدداً، كما فعلتَ تلك المرة عندما قلت لي إنني لا أحلم هنا!"

صمتُّ قليلاً، ثم جمعت شجاعتي وقلت:

"اسمع... قد تملك أنت "نافذة حالة".

توقف فيسبر فجأة في مكانه، وكأن قدميه التصقتا بالأرض. ظلّ صامتاً للحظات، ثم تمتم ببطء:

"أتقصد... نافذة الحالة التي نراها في الألعاب؟"

أومأت برأسي مؤكداً:

"نعم، تماماً كما تتخيل. بل وأكثر من ذلك"

خفض رأسه فجأة، فأصبح وجهه مخفياً عني، ولم أستطع أن أقرأ تعابيره. شعرت بالقلق، فأضفت موضحاً:

"لستُ وحدي من يملك النافذة، في الواقع كل البشر الذين ينتقلون إلى هذا العالم يُمنحون نافذة حالة، ومعها قدرة فريدة. لكنها لا تظهر منذ البداية، بل تحتاج إلى بعض الوقت..."

وببطء رفع فيسبر رأسه، وإذا بعينيه تلمعان ببريق لم أره من قبل. بدت على وجهه علامات الدهشة أولاً، ثم انقلبت سريعاً إلى حماس متفجر، حتى صرخ بصوتٍ ملؤه السعادة:

"هذا رائع!!"

ضحك بصوت عالٍ، ثم قال:

"لقد كنتُ أظن أن هذا العالم خالٍ من مثل هذه الأشياء، جربتُ من اليوم الأول أن أنادي "نافذة الحالة" ولكن لم يظهر شيء. والآن تبيّن لي أنها لا تأتي إلا بعد مرور مدة من الزمن!"

وقبل أن أتمكن من الرد أو تهدئته، أخذ نفساً عميقاً وهتف بحماس:

"نافذة الحالة!"

وفجأة تغيّر وجهه. رأيت ملامحه تنتقل من الترقّب إلى الذهول، ثم إلى ابتسامة عريضة ارتسمت على وجهه كطفل عثر على كنز. مدّ يده نحو الفراغ أمامه وأشار قائلاً بصوت مرتفع:

"إنها... إنها حقاً هنا! انظر! إنها تطفو أمامي! هذا مذهل!"

ابتسمت بخفة وقلت؛

"فيسبر... أنت وحدك مَن يستطيع رؤية نافذة حالتك. الآخرون، بمن فيهم أنا، لا يمكننا أن نراها."

فتح فمه بدهشة كبيرة، ثم ضحك بصوت عالٍ وقال:

"ماذا؟! هذا حتى أفضل!... الأمر أشبه بلعبة نُقِلتُ إليها!"

تأملته بصمت للحظة. حماسه كان مُعدياً، لكنني لم أستطع أن أمنع نفسي من التفكير: هذا ليس لعبة يا فيسبر... هذا هو واقعنا الآن، واقع قد يكون أقسى مما تتصوره. لكنني فضلتُ الصمت، وتركته يعيش لحظة فرحته.

وبعد أن هدأ قليلاً، التفتُّ إليه وسألته بفضول:

"حسناً... ما هي قدرتك الفريدة؟"

تجمّد مكانه من جديد، هذه المرة صامتاً بشكل غريب. رفّ جفناه، ثم قال بتردد:

"أوه... قدرتي الفريدة هي..."

انتظرتُ، متشوقاً لمعرفة ما تخفيه النافذة عنه، لكن الكلمات لم تخرج من فمه بسهولة. بقي صامتاً لحظات طويلة، يفتح فمه ثم يغلقه كأنه غير قادر على النطق.

قلتُ بإصرار:

"نعم؟ ما هي؟"

رفع رأسه نحوي أخيراً، ابتسامة غامضة على وجهه، ثم تمتم بصوت منخفض يكاد لا يُسمع:

"قدرتي الفريدة هي..."

وتوقفت كلماته عند ذلك الحد، تاركاً قلبي يخفق بشدة من الترقب، بينما مرّت الثواني ببطء قاتل وكأنها دقائق طويلة.

2025/08/21 · 16 مشاهدة · 1077 كلمة
Toleen Jaber
نادي الروايات - 2026