وأخيراً، بعد صمتٍ أثقل الجو من حولنا، أجاب فيسبر وقد بدت على ملامحه علامات التردد والخذلان:

"قدرتي الفريدة... ليست بالقوة التي كنت أطمح إليها. بل لعلها أضعف مما توقعت."

تأملت وجهه المتجهم لحظة، ثم سألته محاولاً دفعه إلى التفصيل:

"أوه... لا تقلل من شأنها قبل أن تجربها. ما هي بالضبط؟"

تنفس ببطء، ثم قال بنبرة خافتة امتزجت فيها خيبة أمل مع شيء من الحرج:

"إنها قدرة إيذاء الخصم... أستطيع أن أجرحه أو أؤلمه من دون أن ألمسه، لكن التأثير ضعيف جداً، بالكاد يترك أثراً، هذا ما تقوله نافذة الحالة على الأقل."

ابتسمت ابتسامة باهتة محاولاً أن أرفع من معنوياته، وقلت:

"لا بأس يا فيسبر. القدرة قد تبدأ ضعيفة، لكن من يدري؟ ربما تتطور مع الوقت. ثم إنك على الأقل أفضل حالاً مني."

رفع حاجبيه باهتمام وسألني فجأة:

"صحيح! لم تخبرني قط... ما هي قدرتك أنت؟"

ارتبكت لوهلة، وكأن السؤال اخترقني على حين غرّة. تمتمت:

"قدرتي أنا أيضاً ليست بهذه القوة..."

لكن عينيه اللامعتين بالفضول لم تدعاني أتهرّب بسهولة. اقترب قليلاً وقال بإصرار:

"وما هي؟"

شعرت بالتوتر يتسرب إلى صوتي، وكأن الكلمات علقت في حلقي. تبا... لماذا يُصر على معرفتها الآن؟!

لم أرد أن أخبره بالحقيقة، على الأقل ليس بهذه البساطة. فبادرت بتغيير الموضوع وأنا ألوّح بيدي:

"أوه! انظر... لقد تأخرنا كثيراً عن العمل! هيا بنا، لنركض قبل أن يغضب صاحب العمل!"

ولم أمنحه فرصة للاعتراض، فانطلقت مسرعاً بين أزقة المدينة المرصوفة جزئياً بالحجارة، أسمع وقع خطواته خلفي وهو يلهث محاولاً مجاراتي.

حين وصلنا إلى مكان العمل، كنا نكاد نختنق من فرط الركض. وضعت يدي على ركبتيّ لألتقط أنفاسي، بينما العرق يتصبب من جبيني. لكن سرعان ما شدّ انتباهي مشهد غريب:

رجل ذو شعرٍ أشقر لامع كخيوط الذهب، يرتدي ثياباً فاخرة كأنها منسوجة خصيصاً لأبناء الطبقة العليا، يقف في مواجهة صاحب العمل. أكثر ما صعقني لم يكن مظهره المترف، بل لون عينيه... عيون صفراء متوهجة، غير بشرية على الإطلاق.

شعرتُ بقشعريرة تسري في ظهري. لا يمكن... لا يوجد إنسان طبيعي يملك عينين بتلك الهيئة! إذن فهو بلا شك من أولئك الذين انتقلوا من عوالم أخرى، مثلنا!

وقفت أراقب من بعيد، غير قادر على سماع ما يدور بينهما، لكن لغة الجسد كانت كافية: صاحب العمل بدا غاضباً بشكل واضح، بينما الرجل الأشقر يحاول إقناعه بأمرٍ ما، يلوّح بيديه وكأنه يعرض صفقة مغرية.

ترددت لحظة، ثم قررت تجاهل الأمر. لم أكن أريد أن أُقحم نفسي فيما لا يعنيني. التفت إلى فيسبر وهمست:

"هيا، لننصرف ونكمل مهامنا."

وافقني بصمت، وعدنا إلى أعمالنا اليومية المعتادة: تنظيف الأسلحة، ترتيب الصناديق، وتفقد العربة الكبيرة المركونة في الساحة الخلفية. لكن شعوراً ثقيلاً ظلّ يلازمني طوال الوقت، وكأن تلك العيون الصفراء تراقبني حتى وأنا بعيد عنها.

مرّت الساعات حتى اقتربنا من منتصف النهار، وفجأة جاء كايرو مسرعاً، وجهه متحمس وكأن لديه خبراً نادراً. وقف أمامنا وقال بصوت خافت لكنه مليء بالإثارة:

"هاي... هل سمعتما بالأخبار؟"

نظرت إليه باستغراب:

"أي أخبار تقصد؟"

اقترب أكثر، ثم قال وهو يخفض صوته كمن يبوح بسر خطير:

"سمعت أن رجلاً ذو عينين صفراوين قد جاء إلى صاحب العمل واقترح أمراً عجيباً... أراد أن يأخذ أربعة موظفين منّا، بشرط أن تكون قدراتهم ضعيفة، ليتقاتلوا ضد أناس آخرين!"

فتحت عينيّ بدهشة:

"ما الذي تعنيه؟ هل تقصد قتالاً حقيقياً؟!"

أومأ كايرو برأسه مؤكداً:

"نعم، قتال حقيقي. قال إنه يريد أربعة ضعفاء تحديداً، لكي يزجّ بهم في مواجهة مثلهم... لكن صاحب العمل رفض العرض بغضب."

شعرتُ بالارتباك يتصاعد داخلي، فسألت بلهجة مشككة:

"ولماذا قد يغضب صاحب العمل لهذا الحد؟"

رفع كايرو يديه ملوحاً وكأن الأمر واضح:

"ألا تفهم؟! ذلك الرجل يريدنا حرفياً أن نُقاتل من أجله، أي أن نصبح دُمى يتسلى بها. وهذا يعني أننا قد نُصاب بجروح خطيرة أو حتى... ما هو أسوأ."

تنهّدت ببطء ثم قلت:

"لكن صاحب العمل رفض، أليس كذلك؟ هذا يعني أننا بأمان، فلمَ كل هذه الضجة؟"

زفر كايرو بنفاد صبر:

"أنت لا تعرف. سمعت إشاعات تقول إن هذا الرجل ثري جداً وذو نفوذ واسع. إذا كان ذلك صحيحاً، فقد يضغط على صاحب العمل بطريقة ما ليجبره على قبول العرض."

تجمدت للحظة، كلمات كايرو علقت في رأسي. ثم قلت محاولاً طرد القلق بسخرية مفتعلة:

"هاي، كايرو... أنت تُكثر من مشاهدة القصص والمسلسلات على ما يبدو. أتظن أننا في رواية أو مسلسل تلفزيوني؟ هذا مستحيل الحدوث... أليس كذلك يا فيسبر؟"

ضحك فيسبر بخفة وأضاف:

"بالطبع... أمر كهذا لا يمكن أن يحدث."

ضحكنا جميعاً لوهلة، حتى كايرو نفسه ابتسم وهو يقول:

"ربما... ربما أنني فقط أضع في رأسي سيناريوهات مستحيلة الحدوث."

ثم ودّعنا ليكمل مهامه، تاركاً وراءه صدى كلماته يطرق أعماقي.

عدتُ إلى عملي مع فيسبر، لكنني لم أستطع أن أطرد تلك الفكرة من رأسي. الضغط على صاحب العمل بنفوذ رجل غامض... ليجبره على تسليمنا للقتال...

توقفت لحظة، ابتسمت بسخرية وأنا أضع الصندوق مكانه:

"لماذا أفكر في هذا أصلاً؟ فرصة حدوثه تكاد تكون معدومة... صحيح؟"

...

مرّ الوقت ببطءٍ، والهدوء يخيّم على أرجاء المكان. كنت أعمل بصمت، أنقل الصناديق وأرتب الأدوات في أماكنها، بينما عقلي لا يزال مشغولاً بما دار بيني وبين كايرو. فجأة، قطع صوتٌ حادٌ الصمت...

رنَّ جرس الاجتماع.

ارتجف قلبي لا إرادياً، ونظرت إلى فيسبر الذي بادلني نظرة سريعة قبل أن نهز رؤوسنا وننطلق نحو الساحة الواسعة حيث يتجمع الجميع عادة عند استدعاء الاجتماع.

ما إن وصلنا حتى وجدت كل الأعضاء مصطفّين هناك:

كايرو بعينيه المتوترة، نوكس بابتسامته الغامضة، سيريون الهادئ كظلٍ لا يتحرك، ماركوس المتردد، زايروس الذي لم يهدأ له جسد، كالستير الساكن ذو النظرة الغامضة، تيروس الذي يشع منه مزيج غريب من الحماس والقلق، وأخيراً لوكسيان الذي كان يقف كالطاووس متعجرفاً وكأنه فوق الجميع.

أما في مقدمة الصفوف، وقف صاحب العمل بصرامته المعتادة، ينظر إلينا نظرة جادّة توحي بأن ما سيقوله لن يكون أمراً هيناً. لكن ما شدّ انتباهي وجعل أنفاسي تتسارع، كان ذلك الرجل الغريب...

الرجل ذو العينين الصفراوين.

كان يقف إلى جانب صاحب العمل هذه المرة، مبتسماً بهدوء وكأن كل شيء يسير وفق خططه. عيناه اللامعتان تبرقان ببريقٍ غامض يثير القشعريرة، وكأنهما تخترقان صدري وتفضحان أفكاري.

مستحيل... هل يعقل أنه بالفعل ضغط على صاحب العمل؟ هل أجبره على قبول عرضه؟!

قبل أن أغرق أكثر في دوامة شكوكي، قطع صاحب العمل شرودي بصوته العميق:

"إذاً... يبدو أن الجميع حاضر."

ساد صمت ثقيل، لا يُسمع فيه سوى صوت أنفاسنا المتسارعة. تابع قائلاً:

"اسمعوا جيداً... اليوم جاءتنا مهمة غريبة من نوعها. مهمة لم يسبق أن واجهنا مثلها."

توقفت أنفاسي لوهلة، وأنا أرمق الرجل الأشقر بنظرات حذرة.

"المطلوب هذه المرة..." صمت قليلاً، وكأن الكلمات تثقل لسانه، ثم أكمل:

"أن يشارك أربعةٌ منكم - نعم، أربعة فقط - في قتال ضد أربعة آخرين. لكن الشرط أن يكون هؤلاء الأربعة ضعفاء."

ضجّت الساحة بهمسات واستنكار، لكن صاحب العمل رفع يده طالباً الصمت. نظر إلينا بعينين حادتين وأردف:

"أعلم أن الأمر لا يبدو منطقياً... وأعلم أنكم تتساءلون الآن: لماذا نحن بالذات؟ ولكن صدّقوني... هذه المرة، ليس لدينا خيارٌ آخر."

ليس لدينا خيار؟! كلمات أثارت في داخلي عاصفة من التساؤلات. هل وصل نفوذ ذلك الرجل لدرجة أنه أجبر صاحب العمل بالفعل؟

لكن صاحب العمل تابع حديثه وكأنه لم يترك مجالاً للتفكير:

"الجانب الإيجابي... أن المكافأة للفائزين ستكون ضخمة. سبعة آلاف دولار للفريق الذي ينتصر."

انفتحت عيناي دهشة:

سبعة آلاف... دولار!

المبلغ لم يكن بسيطاً، بل كان كافياً لعيش شهر كامل من دون قلق. للحظة شعرت بشيء من الطمع يتسلل إلى قلبي، لكن سرعان ما تبدد حين واصل صاحب العمل ببرودٍ قاطع:

"أما الخاسرون... فستكون مكافأتهم ثلاثة آلاف دولار."

وهنا انقبض صدري. كأن أملاً وُلد ثم ذُبح في اللحظة نفسها. ثلاثة آلاف فقط؟ ومع ذلك... ثلاثة آلاف ليست بالقليل...

لكن سرعان ما تذكرت حقيقتي المؤلمة:

أنا أضعف شخص هنا. أنا حتى لا أستطيع أن أهزم إنساناً عادياً بلا قدرات... فكيف سأصمد أمام من يملكون قوى خارقة؟!

بدأت أُصارع داخلي: الطمع بالمال الذي قد يقربني من هدفي الكبير... مقابل الخوف من هلاكٍ محتوم إن شاركت.

رفعت بصري أتفقد وجوه الآخرين، أبحث عن انعكاس مشاعري فيهم:

لوكسيان كان واقفاً شامخاً متغطرساً، ملامحه تقول بوضوح: أهذا كل ما لديكم؟ قتال؟ تافهون...

نوكس لم يُظهر إلا ابتسامة جانبية صغيرة، وكأنه واثق أنه لن يُختار أبداً بحكم قوته.

ماركوس كان جسده يرتجف قليلاً، وجهه شاحب، لا أعلم إن كان خائفاً على نفسه أم على زملائه الضعفاء.

كالستير ظلّ صامتاً كعادته، عيناه تخفيان ما لا يُقال، وكأن في داخله خططاً سرية لا نعلمها.

تيروس بدا متوتراً، جسده مشدود، مزيج غريب بين الحماس للمكافأة والخوف من المصير.

كايرو كان وجهه أصدق من أي كلام، التوتر يملأ قسماته، يتمنى في قرارة نفسه ألا يقع عليه الاختيار.

زايروس لم يتوقف عن تحريك يديه وقدميه بقلق، نظراته مضطربة، وكأنه يبحث عن مهرب.

سيريون... ذلك الغامض. واقف كتمثال بلا تعبير، لا خوف، لا قلق، لا حماس، لا شيء. كأنه لا ينتمي لهذا المكان أصلاً.

فيسبر وحده كان يبتسم، متحمساً كطفل في لعبة، عيناه تتألقان وكأنه يظن نفسه بطلاً سيخرج منتصراً مهما كانت الظروف.

أما أنا... فكنت عالقاً بين نارين.

المال يغريني، يهمس في أذني أنه الطريق نحو هدفي.

لكن خوفي يجرّني إلى الوراء، يصرخ أنني سأهلك في أول مواجهة.

وقفت متجمداً، أحدّق في الأرض ثم أرفع رأسي إلى السماء، أبحث عن إجابة.

لكن كل ما وجدته هو هذا الصراع المرير في داخلي...

أنا فقط... لا أعلم.

2025/08/22 · 18 مشاهدة · 1428 كلمة
Toleen Jaber
نادي الروايات - 2026