أكمل صاحب العمل حديثه بصوتٍ حازمٍ يقطّع الصمت، وكأن كلماته سكاكين تُسقط على القلوب:

"إذاً... سأبدأ بذكر الأشخاص الذين تم اختيارهم لهذه المهمة."

ساد الوجوم بين الصفوف، وكل واحدٍ منّا شدّ أنفاسه بانتظار أن لا يقع اسمه ضمن الأسماء المعلَنة.

كانت لحظة ثقيلة، والعيون تتقاطع بنظراتٍ مرتابة، بين من يخشى أن يُختار، ومن يخشى أكثر أن يُستبعد.

رفع صاحب العمل يده قليلاً، ثم قال بلهجة ثابتة لا تحتمل نقاشاً:

"أولاً... سيريون. نظراً لأن قدرتك قدرة غير قتالية."

تحركت بعض الرؤوس هنا وهناك، كأن الهمسات غير المنطوقة تسري بين الجميع.

أما سيريون، فقد ظلّ واقفاً كتمثال، لم يتبدّل على ملامحه شيء، وكأنه توقّع النتيجة مسبقاً.

لم يتأوه، لم يتأفف، لم يُظهر رفضاً أو خوفاً، بل اكتفى بنظرة باردة لا تكشف عن أي شيء.

صمت صاحب العمل لحظة، ثم تابع بنبرة أثقل:

"ثانياً... زايروس. حيث أن قدرتك هي التواصل مع الحيوانات. ولكن بما أنه لا وجود للحيوانات في هذا الميدان، سنعتبر قدرتك عديمة الفائدة هنا."

ارتجف كتف زايروس، ونظر نحو الأرض، كأن ثِقلاً هائلاً سقط عليه فجأة.

كانت عيناه شبه غائرتين، تحملان حزنًا ومرارة، كأنه تمنى لو لم يُجبر على كشف ضعفه أمام الجميع.

بدا كطفلٍ أدرك أنه سيُلقى في معركة لا يعرف كيف يخرج منها.

لم يُمهلنا صاحب العمل وقتاً لنتبادل النظرات أو نفكر، إذ أردف على الفور:

"ثالثاً... فيسبر. حيث أنك لم تُظهر أي قدرة خارقة حتى الآن."

لكن قبل أن يستسلم فيسبر للقرار، رفع صوته فجأة، وفي نبرته خليط من الحرج والإصرار:

"المعذرة، سيدي... ولكنني قد اكتسبت قدرتي اليوم."

انعقدت الدهشة على وجوه الحاضرين، حتى صاحب العمل رفع حاجبه باهتمام وقال ببطء:

"حقاً؟ وما هي هذه القدرة؟"

ابتسم فيسبر ابتسامة خجولة، كأنها نصف إقرارٍ ونصف تردّد، ثم أجاب بصوتٍ واهن:

"أستطيع إيذاء الخصم دون أن ألمسه... لكن التأثير ضعيف."

ساد صمت ثقيل للحظة، كأن الجميع ينتظرون حكماً قاطعاً.

ثم قال صاحب العمل بصرامة لا تعرف المجاملة:

"هكذا إذن... حسناً، سيتم اختيارك رغم ذلك."

لم أعلم بماذا شعر فيسبر في تلك اللحظة.

هل امتلأ قلبه بالحزن لأن قدرته لم تُنقذه من الاختيار؟

أم شعر بالفخر لأنه على الأقل امتلك شيئاً يمكن أن يُسمى "قدرة"؟

كانت ملامحه غامضة، كأنه اختار أن يُخفي مشاعره خلف ابتسامةٍ باهتة لا تقول شيئاً.

أخذ صاحب العمل نفساً عميقاً، ثم صمت قليلاً، وكأنّه أراد أن يُمهّد لإعلان الاسم الأخير الذي سيحسم الأمر.

شعرت بأنفاسي تختنق وأنا أنتظر كلماته، وعيناي تراقب حركة شفتيه.

ثم قال أخيراً وهو يؤشر نحوي بإصبعه كمن يوجه قدراً محتوماً:

"رابعاً وأخيراً... هو أنت. وذلك لأن قدرتك الفريدة ليست قتالية، بل مجرد (التنفس المنعش)."

تجمدت في مكاني للحظة، رغم أنني توقعت هذا القرار مسبقاً.

فأنا أضعفهم تقريباً، وليس من المنطقي أن يُترك اسمي خارج القائمة.

ومع ذلك، فإن سماع الإعلان على الملأ جعل الأمر أكثر قسوة.

أما ما لم يقله أحد، وما ظلّ يحترق داخلي، فهو أنني كذبت على صاحب العمل وكذبت على الجميع.

نعم، لقد أوهمتهم أن قدرتي الحقيقية هي "التنفس المنعش"، مهارة تافهة لا تصلح سوى لإضفاء بعض النشاط الجسدي المؤقت.

أعلم... أعلم أن الكذب رذيلة، وأنه لا يليق بي أن أخدع من منحني مكاناً بين رجاله.

لكنني في هذا العالم القاسي تعلمت أن الثقة لا تُعطى بسهولة، وأن كشف حقيقتك مبكراً قد يكون أقصر طريق نحو نهايتك.

وحتى لو أردت أن أبرر لنفسي، فهناك ذريعة صغيرة أتمسك بها: أنا لم أكذب تماماً.

لديّ بالفعل تلك المهارة الهامشية، "التنفس المنعش". لكنها ليست سوى غطاء رقيق يخفي الحقيقة العميقة لذاتي.

ومع ذلك... يبقى ما فعلته كذباً. لا يمكن أن أتهرب من هذه الحقيقة.

أعرف جيداً أن الأيام كفيلة بفضح ما أخفيه، فالكذب لا يعيش إلى الأبد.

سيأتي يومٌ تنكشف فيه حقيقتي أمام الجميع، ربما بعد أيام قليلة، وربما بعد شهور، أو حتى سنوات.

لكنني واثق أن ذلك اليوم قادم، ولن أستطيع منعه.

وقفت بين زملائي، وأنا أشعر بثقل القرار يضغط على صدري.

الأسماء قد حُسمت، والقدر اختار ضحاياه الأربعة: سيريون، زايروس، فيسبر، وأنا.

أحسست للحظة أن الساحة بأكملها أصبحت أضيق من أن تسع أنفاسي، وأن الجدران غير المرئية تقترب مني شيئاً فشيئاً.

أما ذلك الرجل ذو العينين الصفراوين، فابتسامته الماكرة كانت تكبر وكأنها وُلدت خصيصاً لترى وجوهنا نحن الأربعة، لا غيرنا.

...

أكمل صاحب العمل بصوتٍ ثابتٍ ينمّ عن الجدية:

"إذاً... بعد ساعة من الآن، سيذهب الذين تم اختيارهم معي، لأراقب الوضع بنفسي، إلى المكان الذي حدّده الرجل الذي يقف بجانبي... والذي اسمه هو أوريوس."

توقّف قليلاً، وترك كلماته تتسلل إلينا ببطء، قبل أن يضيف بصرامة:

"ليجتمع الأربعة هنا بعد ساعة تماماً. يمكنكم الانصراف الآن وإكمال مهامكم."

وما إن أنهى جملته حتى بدأ الجمع يتفرق، كلٌ منهم إلى عمله المعتاد.

بدا وكأن شيئاً لم يحدث، وكأن اختيار أربعةٍ منّا للقتال لم يكن سوى جزء من الروتين اليومي.

لكن الحقيقة أن توتراً خفياً كان يخنق المكان، يتجلى في حركات الأكتاف المتصلبة، وفي الصمت الذي يسبق الهمسات.

عدت مع فيسبر إلى أعمالنا، الصناديق التي تنتظر من يرفعها، والأدوات التي تحتاج إلى ترتيب.

حاولت أن أركز على العمل، لكن رأسي كان مشغولاً بما ينتظرني بعد ساعة.

أمسكت صندوقاً ثقيلاً، وما إن هممت برفعه حتى جاءني صوت مفاجئ من خلفي:

"إذن... لهذا لم ترد أن تخبرني عن قدرتك!"

تجمد جسدي للحظة، وكاد الصندوق يسقط من يدي.

التفت بسرعة، وقلبي يكاد يقفز من مكانه، لأجد فيسبر واقفاً خلفي وهو يبتسم ابتسامة خفيفة.

زفرت بحدة وقلت:

"تباً... لقد كاد قلبي يقفز من مكانه!"

ضحك فيسبر بصوتٍ خافت وهو يرفع يده كأنه يعتذر:

"هاهاها... أنا آسف. لكنني تفاجأت حين سمعت أن قدرتك هي (التنفس المنعش)."

أضاف بابتسامة مشجعة:

"لا تقلق، ربما ستتطور مع مرور الوقت. من يدري؟ قد تفاجئنا يوماً ما!"

لم أرد.

لم يكن لدي ما أقوله.

فكل كلمة قد تفضح حقيقة أن ما يسمونه "قدرتي" لم يكن سوى غطاء هشّ يخفي سري.

اكتفيت بالنظر إليه لثوانٍ، ثم قلت ببرود:

"إذاً... عُد إلى مهامك الآن."

أومأ برأسه دون أن يضيف شيئاً، ثم التفت ليكمل عمله بحماسه المعتاد.

وهكذا انقضت الدقائق ثقيلة كالرصاص، حتى دقّت الساعة التي وعدنا بها صاحب العمل.

عندها ذهبت إلى فيسبر وقلت له:

"هيا، لقد حان الوقت. لنذهب إلى مكان الاجتماع."

أومأ بحماس، وسرعان ما اتجهنا معاً إلى الساحة.

هناك، وجدنا سيريون واقفاً بهدوئه المعتاد، وزايروس وهو يبدو متردداً كعادته، يشيح ببصره تارة نحو الأرض وتارة نحو أوريوس.

كان صاحب العمل واقفاً بصلابته المعتادة، بجانبه أوريوس، ذلك الرجل ذو العيون الصفراء التي تبعث في النفس شعوراً بالقلق والريبة.

وراءهما، كانت تنتظرنا عربة فخمة، تكاد تُنافس في رونقها عربة النبيل فاليس، لكنها لم تبلغ درجتها من البهاء.

كانت مطلية بلونٍ داكن يقترب من الأزرق الليلي، تتخلله زخارف ذهبية رفيعة تلمع تحت ضوء الشمس.

العجلات كبيرة ومحكمة الصنع، يكسوها إطار معدني لامع يدل على متانة لا يُستهان بها.

النوافذ الصغيرة مزينة بإطارات من الخشب المصقول، يتدلى من جوانبها ستائر مخملية بسيطة بلونٍ قرمزي.

ورغم جمالها، إلا أنها بدت أقل فخامة من عربة فاليس التي كانت تحفةً فنيةً بحد ذاتها، مزدانة بالتفاصيل الدقيقة والأحجار الكريمة.

خطا أوريوس نحو العربة أولاً، وهو يبتسم ابتسامته الغامضة، كأنه وحده يعرف إلى أين سنُقاد.

تبعه صاحب العمل بخطواته الواثقة، ثم جلس سيريون بهدوئه الذي لا يتزعزع، وبعده زايروس الذي صعد بترددٍ ظاهر، كأن كل خطوة على سلم العربة تثقل على صدره.

لحق بهم فيسبر باندفاعٍ طفولي وحماس لا يفتر، ثم جاء دوري أخيراً.

وضعت قدمي على الدرجة الأولى من العربة، وصوت داخلي يتمتم: "هنا تبدأ الرحلة."

دخلت العربة، لتستقبلني رائحة الأخشاب المصقولة ممزوجة بعطرٍ خفيف، ربما رشّه أحدهم عمداً ليزيد من فخامتها.

المقاعد مصنوعة من جلدٍ بني داكن، ناعم الملمس، يتخلله خيطٌ ذهبي في أطرافه.

السقف مزين بنقوش هندسية دقيقة.

جلست إلى جانب فيسبر وزايروس، بينما في الجهة المقابلة جلس أوريوس بجانب صاحب العمل، وبينهما سيريون، حيث كان المقعدان مواجهين لمقاعدنا.

نظرات أوريوس كانت تتنقل بيننا بهدوء، وكأنه يدرس كل حركة نقوم بها.

أغلق السائق الباب من الخارج، ثم اعتلى مقعده وأمسك اللجام.

بعد ثوانٍ قصيرة، تحركت العربة ببطء، ثم راحت عجلاتها تدور على الطريق الحجري، والاهتزاز الخفيف تحت أقدامنا يذكرنا أننا بالفعل قد بدأنا رحلة نحو المجهول.

كنت أجلس هناك، ظهري ملتصق بالمقعد، وعيوني معلقة بالنافذة الصغيرة التي كشفت عن جزء من السماء، أفكر بصمت:

"إلى أين نحن ذاهبون؟ وما الذي ينتظرنا في ذلك المكان الذي حدده أوريوس؟"

كل ما كنت أعلمه أنني في طريقٍ يقودني نحو مواجهة لم أكن مستعداً لها...

2025/08/23 · 15 مشاهدة · 1291 كلمة
Toleen Jaber
نادي الروايات - 2026