مرّ الوقت والعربة تشقّ طريقها بين المسالك الحجرية، والعجلات تصدر وقعاً متكرراً كدقات ساعة لا تتوقف.
لم يتبادل أحدٌ منا الكلام كثيراً، وكأن الصمت كان الرفيق الوحيد لنا في هذه الرحلة.
وبعد ما يقارب الساعة، توقفت العربة أخيراً، وأطلّ السائق من مقعده، ثم فتح الباب بحركة متقنة، كأنه يؤدي مهمة معتادة.
خرج أوريوس أولاً، بخطوات واثقة ونظراته الصفراء تسبق جسده، ثم تبعناه واحداً تلو الآخر.
وما إن وضعت قدمي على الأرض حتى وقعت عيناي على بناء لم أره من قبل: نُزُل صغير لكنّه يحمل من الفخامة ما يُدهش العقول.
كان المبنى قائماً كتحفة معمارية وسط الشارع الهادئ.
جدرانه الخارجية مكسوّة بالحجر الرملي المصقول، ينعكس عليها ضوء الشمس بلونٍ ذهبي خافت.
السقف مائل على الطراز القديم، تغطيه ألواح قرمزية اللون كأنها نُسجت خصيصاً لتوحي بالعراقة.
النوافذ عالية، تتخللها قضبان معدنية رفيعة من الحديد الأسود، بينما الزخارف الدقيقة تحيط بالإطارات لتُبرز جمالها.
أمام المدخل تنتصب دعامتان حجريتان منحوتتان بعناية، تتدلى منهما فوانيس زجاجية شفافة لمّاعة.
لم يكن النُزل كبيراً، لكنه أوحى بالرقي، كأن صاحبه أراد أن يُخفي وراء مظهره المتواضع شيئاً أعمق.
تأملت المنظر بذهول، لكن أوريوس قطع حبل أفكاري بصوته البارد قائلاً:
"إذاً... لندخل الآن."
تحركنا وراءه، ودلفنا من بوابة خشبية ضخمة يزينها معدن مصقول كالمرآة.
الداخل كان مغايراً لما توقعت تماماً.
بهوٌ واسع استقبلنا، جدرانه مكسوة بخشب داكن مصقول، تتدلى من السقف ثريا كريستالية تُرسل ضوءها المتشظي على الأرضية الرخامية البيضاء الناصعة.
رائحة عطرٍ خفيف امتزجت مع رائحة الأخشاب، فأعطت المكان هالة من الفخامة والدفء.
المقاعد الجلدية كانت مرصوفة على الجانبين بترتيب أنيق، وفي الزوايا نباتات خضراء تكسو المكان حياةً وهدوءاً.
لكن ذلك الهدوء انكسر حين تقدمت نحونا عاملة الاستقبال، ترتدي زيّاً أنيقاً بلونٍ كحلي مزدان بحواف ذهبية.
ابتسمت برقة وهي تقول بصوتٍ مرح:
"مرحباً بكم، كم غرفة تريدون؟"
قبل أن نجيب، خطا أوريوس إلى الأمام، وألقى عليها كلمات قصيرة:
"خمسة، واحد، تسعة."
وهنا تغيّر كل شيء.
اختفت الابتسامة عن وجه العاملة، وحلّت مكانها نظرة جامدة باردة كأنها قناع معدني.
أومأت برأسها في صمت، ثم قالت بنبرة جافة:
"اتبعوني."
ارتجف قلبي قليلاً.
ما هذا؟! لماذا تبدّل حالها فجأة؟ وما الذي قصده أوريوس بالرقم خمسة، واحد، تسعة؟!
هل يُعقل أن يكون هناك باب سرّي هنا؟! كالأفلام التي كنت أشاهدها في عالمي السابق؟!
ضحكت في داخلي بسخرية لأطرد توتري: هاها، لا بد أنني أتأثر كثيراً بخيالاتي.
لكن لم تمهلني الأحداث كثيراً لأستغرق في أفكاري.
إذ سرعان ما تقدمت العاملة نحو الحائط الأيمن بخطوات هادئة، ثم وضعت كفها على بقعة صغيرة تكاد لا تُرى.
فجأة، انفتح الجدار بحركة ميكانيكية سلسة ليكشف عن بابٍ سرّي حقيقي!
شهقتُ في صمت: ماذا؟! هناك باب سري بالفعل! إذن الرقم الذي ذكره أوريوس كان كلمة سر؟!
حاولت أن أحفظ الرقم سريعاً.
ما كان مجدداً؟ خمسة... واحد... تسعة؟ أم خمسة، واحد، ثمانية؟!
اغهه... لا أعلم! سأحفظ الرقمين معاً، فربما يفيدني لاحقاً.
لم يكن لدي وقت لأطيل التفكير، فقد تبع أوريوس العاملة ودخل عبر الباب السري بخطوات ثابتة، ليلحق به صاحب العمل الذي بدا غير متفاجئ وكأنه يعرف هذا الطريق مسبقاً.
ثم تبعه سيريون بوجهه الخالي من أي انفعال، وبعده زايروس المتوتر الذي كان يتلفت يميناً ويساراً، ثم فيسبر الذي أشرق وجهه بالدهشة والحماسة كطفلٍ في مغامرة جديدة، وأخيراً أنا.
ما إن دخلت حتى أُغلق الجدار من خلفنا، أو لعلّي يجب أن أسميه "الباب". أمامنا درجٌ حجري ينحدر إلى الأسفل، أضاءته مشاعل مثبتة على الجدران.
الجو أصبح أبرد، ورائحة الرطوبة امتزجت برائحة البخور الخفيف.
نزلنا الدرج بخطوات ثابتة، وكل خطوة كأنها تأخذنا إلى عالمٍ آخر.
حتى وصلنا أخيراً إلى قبوٍ واسع، وهنا كانت المفاجأة الكبرى.
القبو لم يكن مظلماً كما تخيلت، بل كان فخماً على نحوٍ يثير الدهشة.
أرضيته مفروشة برخام أسود لامع ينعكس عليه ضوء مئات المصابيح المعلقة في السقف العالي.
في وسط القاعة انتصبت حلبة دائرية ضخمة، محاطة بحاجز معدني براق، أرضيتها من الخشب الصلب الممزوج بالجلد، وكأنها بُنيت خصيصاً للمعارك.
لكن ما جعل المكان ينبض بالحياة لم يكن الحلبة نفسها، بل الجماهير.
نعم، هناك صفوف من المقاعد الممتدة على الجانبين، وقد امتلأت بالناس.
رجال ونساء، وجوههم متحمسة، يهتفون بحماسٍ صاخب، يهزون قبضاتهم في الهواء. ارتفعت الأصوات كهدير بحرٍ هائج، بعضها يهتف باسم أوريوس، وبعضها باسم شخص آخر لم أتعرف عليه بعد.
كل شيء كان لامعاً، نظيفاً، مرتّباً، بعكس النُزل الهادئ فوقنا.
هنا كان الجو مشتعلاً، صاخباً، مليئاً بالتوتر والحماس.
وقفت مذهولاً، قلبي يخفق بعنف.
حسناً... هذا يبدو غريباً. لا، إنه حقاً غريب...!
هل نحن حقاً هنا من أجل قتالٍ فقط؟
أم أن ما ينتظرنا أعمق بكثير مما أستطيع أن أتصور؟
---
كنت لا أزال أحدّق في الحلبة المضيئة وسط القبو الفخم، والجماهير التي تملأ المكان بالهتافات الصاخبة، حين قاطع تفكيري صوت أوريوس الحاد، وقد علا فوق الضجيج كأنه يخترق أذني اختراقاً:
"لقد وصلنا... هذا هو المكان الذي ستتقاتلون فيه ضد الأربعة الآخرين."
ارتجف قلبي للحظة عند سماع كلماته.
نحن... سنتقاتل؟
أدار أوريوس يده ببطء وأشار بإصبعه نحو صفوف المقاعد البعيدة، في آخر القاعة تماماً، حيث كان هناك خمس شخصيات تجلس بهدوءٍ غريب وسط هذا الصخب.
اتبعت نظراته، وهناك رأيتهم بوضوح واحداً تلو الآخر.
الأول كان رجلاً نحيف الجسد، كأن الريح يمكن أن تطيح به في أي لحظة.
شعره الأسود مبعثر بطريقة توحي بالإهمال، وعيناه غائرتان، لكنّ بريقاً غامضاً يلمع فيهما كأنه يخبّئ شيئاً خلف مظهره البائس.
الثاني بدا نقيضه تماماً؛ جسد ضخم وعضلات بارزة، وندبة طويلة تقطع وجهه من أعلى الحاجب حتى أسفل الخد.
ملامحه قاسية، وعيناه حادتان كأنهما سيفان مسلطان على من ينظر إليه.
أما الثالث فكان أكثر غموضاً؛ جسده مغطى بقلنسوة رمادية عريضة تُخفي ملامحه تماماً، فلا يُرى منه سوى ظلّ غامض.
لم أستطع معرفة إن كان يراقبنا بعينين بشريتين أم يخفي شيئاً آخر تحت ذلك القماش.
الرابع لم يكن يختلف كثيراً عن رجلٍ عادي قد تصادفه في الطريق كل يوم؛ شعر بني بسيط، وجه ذو ملامح مألوفة، لا يثير الريبة ولا الإعجاب.
لكنني كنت أعلم في داخلي أن العاديين هنا ليسوا عاديين أبداً.
ثم وقع بصري على الخامس... وهنا تجمّدت أنفاسي.
رجل ذو شعر أبيض كيرلي ينساب على كتفيه كأن خيوط القمر نُسجت فيه.
ملامحه حادة، كأنها نُحتت على صخر، وفي الوقت ذاته كان يحمل ابتسامة عريضة لا تخلو من الغرور، ابتسامة تُظهر أسنانه البيضاء وتكشف عن ثقةٍ مرعبة.
لم يكن مجرد رجلٍ آخر بين الأربعة، بل بدا كأنه قائدهم، أو ربما هو الغاية من كل هذا.
رفع أوريوس يده قليلاً وهو يشير نحوه وقال بصوتٍ بارد لا يخلو من الكراهية:
"أترون الرجل ذو الشعر الأبيض؟ هذا هو عدوي."
ارتفعت عيناي نحوه مجدداً، ورأيت كيف كان الرجل يجلس متكئاً إلى الخلف باسترخاء، يضع ساقاً فوق الأخرى، والابتسامة ما زالت مرسومة على شفتيه.
تابع أوريوس كلامه:
"وبجانبه معاونيه الأربعة... هؤلاء الذين ستتقاتلون ضدهم."
تجمدت عضلاتي لبرهة.
نحن؟ سنقاتلهم؟!
لكن أوريوس لم يتوقف، بل أكمل بلهجة حادة صارمة:
"لقد قمنا بتحدي بعضنا البعض عن مَن سينتصر، ولكن... بشرط أن يكون من يخوض القتال هم الضعفاء. لذلك أنتم الأربعة، بالإضافة إلى أولئك الأربعة، وُصفتم بالضعفاء."
رفع صوته فجأة، وعيناه الصفراوان تلتمعان ببريق مخيف:
"لذلك... لا تخذلوني! وفوزوا!"
سرت قشعريرة في بدني من نبرته، لكن سيريون، بوجهه الهادئ ونبرته الخالية من الارتباك، سأل:
"ولكن... ماذا ستستفيد من ذلك؟ ليس وكأنك ستكسب مالاً إن فزنا."
ابتسم أوريوس ابتسامة شريرة، تلك الابتسامة التي جعلت كل شعرة في جسدي تقف.
ثم قال وهو يخفض صوته قليلاً كأنما يتلذذ بالكلمات:
"ماذا سأستفيد؟ أليس ذلك واضحاً؟ سأرى وجه هونتار البائس عندما يخسر. سأراه مذلولاً... خاسراً... مثيراً للشفقة. هاهاهاها!"
ترددت ضحكته في أرجاء القبو، تخترق أذني كخناجر باردة.
شعرت بقشعريرة تسري في عمودي الفقري، لم أتخيل قط أن الكراهية يمكن أن تدفع إنساناً لهذا الحد من الاحتقار والسعادة برؤية الآخر مهزوماً.
لكن ما جعل القشعريرة تشتد أكثر هو ما رأيته بعد ذلك...
الرجل ذو الشعر الأبيض، ذلك الذي سماه أوريوس "هونتار"، كان يضحك هو الآخر.
ابتسامة ساخرة اتسعت على وجهه، وضحكة خفيفة خرجت منه كأنه يشارك أوريوس لعبته.
جحظت عيناي.
مستحيل...! هل يمكن أنه سمع ما قاله أوريوس؟!
لا... هذا غير معقول! المسافة بعيدة جداً، والضجيج في المكان يصم الآذان من هتاف الجماهير.
لا يمكن لبشر عادي أن يسمع همساً كهذا وسط هذا الصخب.
أم أنني... أتوهم؟
ربما هي مجرد مصادفة...
وربما، وهذا ما أرعبني أكثر، أن هونتار ليس بشراً عادياً.