ارتفع هونتار فجأة من مقعده بخطوة واثقة، لينهض معه معاونيه الأربعة في حركة متناسقة، كأنهم قد تدربوا على هذا منذ زمن.
ضجّ القاعة بصفيرٍ وتصفيقٍ متحمّس من الجمهور حين شاهدوه يتقدّم، بينما أخذ يهبط الدرجات بخطوات متباطئة، يرفع ذقنه إلى الأعلى بنظرة متعالية، والابتسامة الساخرة لا تفارق وجهه.
كان معاونيه يسيرون خلفه كظلّه، أجسادهم القويّة، نظراتهم الحادّة، وهيبتهم الغامضة تجعل الهواء من حولهم أثقل.
وصلوا أخيراً إلى أرضية القاعة، وتوجهوا مباشرة نحو مكاننا.
كنت أسمع وقع خطواتهم على الرخام اللامع يدوّي كطبول حربٍ تقترب شيئاً فشيئاً.
وعندما صاروا على بُعد أمتار قليلة منّا، توقّف هونتار، ثم قال بصوتٍ ساخرٍ جهوري يخترق الضجيج:
"إذاً... هؤلاء هم الضعفاء الذين اخترتهم يا أوريوس؟"
رفع أوريوس رأسه قليلاً، والتفت إليه ببرودٍ مشوبٍ بالغضب، ثم ردّ بصوت حادّ:
"على الأقل أنا لعبتُ بنزاهة... ليس مثلك، من جلبتَ أشخاصاً يبدون أقوياء."
ضحك هونتار ضحكة عالية ساخرة، ترددت أصداؤها في القاعة، ثم قال:
"هاهاها... ألم تسمع بالمثل الذي يقول: لا تحكم على الكتاب من غلافه؟"
أشار بيده نحو معاونيه الأربعة، وكأنّه يستعرضهم أمامنا، ثم أضاف:
"على الرغم من أنهم يبدون أقوياء، إلا أنهم ضعفاء. لا تنسَ، أوريوس، أنا لا ألعب بنذالة."
ارتسمت ملامح الانزعاج بوضوح على وجه أوريوس، ثم قال بصوتٍ منزعج:
"سنرى ذلك في الحلبة."
ردّ هونتار بابتسامة متكاسلة وهو يضع يده على خاصرته:
"إذاً... هل سنبقى نتجادل هكذا؟ لقد مرّ الكثير من الوقت بالفعل."
تقدم أوريوس خطوة إلى الأمام، وعيناه تلمعان ببريق الغضب:
"كنتُ سأقول ذلك. اذهب الآن إلى مقعدك المخصّص، فأنا لا أحتمل رؤيتك أكثر من هذا."
قهقه هونتار بسخرية وهو يلوّح بيده بازدراء:
"وكأنني أنا الذي أحتمل رؤيتك، يا أوريوس."
ثم استدار بخفة، وتوجّه نحو المقاعد المخصصة بجانب الحلبة، ضحكته الساخرة ما زالت تتردد في أذني، كأنها سكاكين تمزّق الصمت.
تبعه معاونيه الأربعة، لكن قبل أن يرحلوا، ألقوا علينا نظرات حادّة، كلٌّ منها مختلفة عن الأخرى؛ نظرة تحدٍّ، وأخرى استهزاء، وثالثة باردة كالجليد، ورابعة غامضة لا تُقرأ بسهولة.
عندها أدركت عمق الكراهية التي تسكن بين أوريوس وهونتار، كراهية تتجاوز حدود العداوة العادية.
لكن سرعان ما قطع صوت أوريوس الحادّ أفكاري:
"ذلك الـ... &^$#^! سنرى مَن سيضحك آخراً."
ارتعش صوته بين الغضب والإصرار، ثم أضاف وهو يلوّح بيده:
"على أية حال، لنتوجّه الآن إلى مقعدنا المخصّص."
تحرّك بخطوات سريعة نحو المقعد المقابل للحلبة، فتبِعناه واحداً تلو الآخر.
جلستُ هناك وأنا أحاول أن أستوعب ما يجري، لكن ما إن لمست مقعدي حتى اخترق القاعة صوتٌ عالٍ جهوري هزّ أركان المكان:
"سيداتي وسادتي... مرحباً بكم في مباريات الضعفاء!"
التفتُّ نحو مصدر الصوت بسرعة، فإذا بي أرى رجلاً يقف في منتصف الحلبة تماماً، يحمل في يده مايك ذهبي اللون، بينما يرفع الأخرى كمن يثير الجماهير.
كان يرتدي زياً رسمياً لامعاً يليق بالمناسبات الكبرى، وصوته المدوّي يملأ المكان.
أدركت على الفور أنه الحكم، أو ربما المذيع المسؤول عن إدارة هذه المباريات.
تابع كلامه بحماسة، وصدى صوته يعلو فوق صراخ الحشود:
"ها نحن نعود مجدداً مع مباريات هونتار وأوريوس! وحتى هذه اللحظة... يملك أوريوس ثلاثة انتصارات، بينما هونتار في رصيده خمسة انتصارات وتعادل واحد!"
عندها انفجرت القاعة بهتافات صاخبة متداخلة:
"هونتار! هونتار!"
"أوريوس! أوريوس!"
"الفوز لهونتار!"
"الفوز لأوريوس!"
ارتفعت الأصوات كأنها موجة عاتية، تصطدم بجدران القاعة وتزلزلها.
كان الضجيج يملأ أذنيّ حتى شعرت بأن قلبي ينبض على وقع تلك الهتافات.
بين الحشود، لم أتمالك نفسي من التفكير:
ما الذي يحدث هنا؟! من يكون أوريوس حقاً؟ ومن هو هونتار؟ وما هي قصة هذه المباريات الغريبة التي يسمونها "مباريات الضعفاء"؟!
لكن لم يُمهلني الحكم كثيراً، إذ رفع يده مرة أخرى وأكمل صوته الجهوري:
"وها نحن الآن أمام فريقين... كلٌ منهما يتكوّن من أربعة مقاتلين!"
اشتعلت القاعة بالتصفيق والصفير مجدداً، والجماهير تهتف بحماسٍ محموم.
وفي تلك اللحظة، أدركت أنني لم أعد مجرّد متفرّج... بل أنني على وشك أن أكون جزءاً من هذه المواجهة المصيرية.
---
رفع الحكم يده عالياً مرة أخرى، وقد بدا أن الحماس يسري في جسده مثلما يسري في قلوب الجماهير.
صوته القوي تردّد في كل زاوية من القاعة وهو يقول:
"والآن... لنُعرّفكم على المتبارزين! لدينا أولاً، فريق هونتار، على الجهة اليسرى!"
ازداد ضجيج الجماهير فجأة، وصفّقوا بحماسةٍ جعلت الأرض تهتز تحت أقدامنا. ابتسم هونتار ابتسامة متعجرفة، بينما رفع يده للجمهور كملكٍ يستقبل تحية شعبه.
أكمل الحكم كلامه وهو يشير بيده نحو أفراد فريقه:
"الأول... ذو شعر أسود غير مرتب، وجسمٍ هزيل كأن الريح تكاد تعصف به!"
ظهر الرجل بخطوة إلى الأمام، وعيناه الباهتتان تتأملاننا ببرود، لكن خلف تلك الملامح الضعيفة كان هناك شيء مريب.
"أما الثاني... فيملك جسداً ضخماً وعضلات بارزة، وعلى وجهه ندبة حادة تشق خده، وكأنها تروي قصة قتاله في الماضي!"
خطا الضخم خطوة إلى الأمام، ضرب صدره بقبضته، وصوت التصفيق ارتفع أكثر وأكثر.
"الثالث..." ـ صمت الحكم قليلاً كأنه أراد شدّ الانتباه ـ "هو الأكثر غموضاً، إذ يرتدي عباءة رمادية تُخفي ملامحه تماماً، فلا يُرى من وجهه شيء."
حافظ الملثّم على صمته، لم يتحرك ولم يرفع رأسه، لكن مجرد وجوده ألقى رهبة في القاعة.
"أما الرابع... فلا شيء مميز فيه، مجرد رجل عادي بشعر بني وملامح لا تعلق في الذهن!"
ضحك بعض الحضور ساخرين، لكنني لم أنخدع؛ فقد بدا في عينيه بريق غامض يوحي أنه ليس "عادياً" كما وصفه الحكم.
هتف الجمهور بصوتٍ واحدٍ كالعاصفة:
"فريق هونتار سيفوز! فريق هونتار سيفوز!"
ارتسمت ابتسامة المنتصر على وجه هونتار، وكأنه قد حسم الأمر قبل أن تبدأ المباراة أصلاً.
لكن الحكم سرعان ما رفع يده للجهة الأخرى، وقال بصوتٍ أعلى، كي يُسمع فوق الضجيج:
"أما الآن... فعلى الجهة اليمنى لدينا فريق أوريوس!"
رفع أوريوس يده وهو يلوح للجمهور.
تصاعدت بعض الهتافات المعارضة، وبعضها الآخر المؤيدة، لكن الضجيج لم يقلّ حدة.
أكمل الحكم كلامه وهو يرمقنا بعينيه اللماعتين:
"أولهم... صاحب الشعر الأسود والعينين السوداوين الباردتين كالجليد! ما الذي أحضرتَه لنا يا أوريوس؟!"
كان يشير إلى سيريون، الذي لم يحرّك ساكناً، بل اكتفى بتلك النظرة الصامتة التي تبعث قشعريرة في النفوس.
"أما الثاني... فلديه عينان خضراوان تتدلى تحتهما هالات سوداء! أهو مراهق؟!"
أشار الحكم إلى فيسبر، الذي بدت عليه ملامح الحماس والارتباك معاً، بينما الجماهير تعالت ضحكاتها بين الاستهزاء والدهشة.
تابع الحكم قائلاً:
"لقد فاق أوريوس توقّعاتي هذه المرة!"
ضحك الحكم بخفّة ثم أضاف:
"أما الثالث... فيبدو أشبه برجال العصابات! نظرة قاسية، وشعر غير مرتب، وهيئة متوترة لكنها مهيبة! أوه، لقد جلبتَ لنا أشخاصاً مثيرين للإعجاب حقاً يا أوريوس!"
كان يقصد زايروس، الذي عبس أكثر عند سماع كلماته، وأشاح بوجهه بعيداً كأنه لا يريد الانتباه.
ظلّ أوريوس ساكناً، لم يُبدِ أي ردة فعل، كأنه لم يسمع شيئاً مما يُقال، أو ربما لم يكترث مطلقاً.
لم يتبقَ إلا أنا. شعرتُ بقلبي يخفق بقوة، وتساءلت في نفسي: يا ترى، ماذا سيقول عني؟
رفع الحكم صوته مرة أخرى وهو يرمقني بنظرة فاحصة:
"وأما الرابع والأخير... فهو رجل ذو شعر أسود قصير وعيونٍ بنية. يبدو عادياً... وفي الثلاثينيات من عمره!"
تجمدتُ في مكاني للحظة.
ثلاثينيات؟! لماذا دائماً؟!
أحسستُ بالحرارة ترتفع إلى وجهي، وتذكرتُ فجأة كلمات أمي في عالمي السابق عندما كانت تقول لي مازحة: أنت لا تبدو في عمرك، بل أكبر بكثير!
لكن ما كان دعابة في ذلك الوقت، صار حقيقة هنا!
أنا فقط في العشرين من عمري! لماذا يبدو من المستحيل أن أبدو أصغر؟ يا له من عالمٍ قاسٍ حقاً!
رمقني فيسبر بابتسامة صغيرة، ثم ألقى نحوي نظرة فيها دفء غريب، وكأنه يقول بلا كلمات: لا بأس... حتى وإن بدوت أكبر، سأعتبرك دائماً أخي الكبير.
رفعت حاجبي بسخرية، ورددتُ عليه بنظرة تحمل معنى: هاها... شكراً، لكنني لا أريد أن أبدو كبيراً! أريد أن أبدو شاباً مثل أي شخصٍ طبيعي!
فضحك الجمهور وهتف بصوتٍ واحد:
"فريق أوريوس سيفوز! فريق أوريوس سيفوز!"
وقبل أن أغرق في مزيدٍ من البؤس الذاتي، جاء صوت الحكم ليقطع أفكاري، صوته هذه المرة أكثر حماساً:
"إذاً، بما أنكم قد تعرفتم على المتبارزين! فلتستعدوا! ستبدأ المباريات بعد خمس دقائق فقط!"
ارتفع الضجيج إلى حد الجنون، الجماهير تصرخ وتهتف، البعض يضحك، آخرون يلوّحون بالأعلام والرايات. شعرت أن القاعة بأكملها تغلي كبركان على وشك الانفجار.
تابع الحكم:
"خلال هذه الدقائق الخمس... على كل فريق أن يقرر مَن سيكون أول شخصٍ يدخل الحلبة! اختاروا جيداً، فالمباراة الأولى قد تحدد مصير البقية!"
ابتلعت ريقي بصعوبة، ثم نظرت إلى رفاقي.
في تلك اللحظة، أدركت تماماً أن الأمر لم يعد مجرد "قتال بين الضعفاء" كما كان يُقال... بل صار مواجهة مصيرية ستُسجّل في ذاكرة هذا العالم أو بالأحرى في ذاكرتي، أمام أعين مئاتٍ من المتفرجين المتعطشين للدماء.