أشار أوريوس بيده إلينا إشارة حازمة، فتقدّمنا واجتمعنا حوله في دائرة صغيرة، كأننا جنود ينتظرون أوامر قائدهم قبل خوض معركة فاصلة.
كان وجهه صارماً، ونبرته تحمل ذلك الثقل الذي يُشعرك أن اختياراته لا تقبل العبث.
قال بصوتٍ منخفض لكنّه واضح وسط صخب الحشود:
"إذاً… من منكم يريد أن يذهب أولاً؟"
ساد الصمت.
لم ينبس أحد بكلمة.
التفتُّ لأنظر في وجوه رفاقي، لعلّي أجد جواباً صامتاً بينهم.
زايروس بدا مضطرباً، عيناه لا تستقران في مكان، وكأنه يزن ألف احتمال في ذهنه.
أما سيريون، فكان كالعادة هادئاً، جالساً بثبات كصخرة لا تهزها الرياح، لا يظهر على وجهه أي توتر أو تردد، بل تلك البرودة التي تثير الحيرة والرهبة في آنٍ واحد.
أما فيسبر… فقد كان مختلفاً؛ بريق الحماسة في عينيه، كأنّه ينتظر هذه اللحظة منذ زمن.
لكنني لم أكن واثقاً، هل هو حماس حقيقي أم مجرد قناع يخفي خلفه قلقه؟
ظلّ الصمت يخيّم علينا لحظات بدت لي أثقل من الرصاص، حتى تنفّس سيريون بعمق ثم قال بصوتٍ هادئ، كأنه يُعلن أمراً طبيعياً لا يحتمل النقاش:
"أظن أنني سأبدأ أولاً."
ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتي أوريوس، ثم صفق بيديه مرّة واحدة وقال بنبرة حاسمة:
"حسناً… هل من اعتراض؟"
تبادلنا النظرات، لكن أحداً لم يتكلم.
في الحقيقة، لم يكن هناك أي اعتراض؛ فكلنا كنا نعلم أن سيريون هو الأكثر برودة وثباتاً بيننا، وربما الأفضل لافتتاح المواجهة.
تابع أوريوس كلامه قائلاً:
"إذاً، لقد تحدّد الأمر… سيريون سيكون أول من يدخل الحلبة."
ثم أضاف بنظرة متفحصة نحونا:
"والآن… من سيكون الثاني؟"
ابتلعت ريقي بصعوبة.
لم أرغب أن أكون التالي.
في أعماقي، كنت أتمنى أن أكون آخر شخص يقاتل، لعلّ ذلك يمنحني فرصة أكبر لفهم خصومنا من خلال مراقبة المعارك السابقة.
زايروس ظل صامتاً، عيناه تنخفضان قليلاً وكأنه يتجنب النظر إلى أوريوس.
أما فيسبر، فقد ابتسم ابتسامة باهتة وقال بنبرة مترددة لكنها حاسمة:
"أعتقد… أنه ليس لديّ خيار آخر. سأكون الثاني."
أومأ أوريوس برأسه، ثم قال:
"جيد. إذاً لدينا: سيريون أولاً، فيسبر ثانياً…"
ثم التفت نحو زايروس ونحوي، كانت عيناه تتحركان بيننا ذهاباً وإياباً مثل قاضٍ يفصل بين خصمين:
"لم يتبقَ إلا أنتما الاثنان… من منكما سيكون الثالث؟ ومن سيكون الرابع؟"
شعرت ببرودة تسري في أطرافي.
التزمت الصمت، كما كنت أنوي.
أردتُ أن أكون الأخير، فذلك يناسبني أكثر.
لكن المفاجأة أنّ زايروس بدوره لم ينطق بكلمة، بل ظلّ على حاله متجمداً في مكانه.
ساد بيننا صمت ثقيل، على الرغم من أن هدير الجمهور لم يتوقف لحظة.
كنت أسمع صرخات الجماهير تتعالى، لكن في دائرتنا الصغيرة بدا وكأن الزمن توقّف.
أطلق أوريوس تنهيدة طويلة، ثم هزّ رأسه باستسلام وقال:
"إذاً… بما أنكما لن تختارا، فليُترك الأمر للحظ."
رفع إصبعه مشيراً إلينا وأضاف:
"ستقومان بلعب… الحجرة، والورقة، والمقص. الفائز سيكون الأخير."
ارتفع حاجباي بدهشة.
"ماذا؟! حجرة ورقة مقص؟!" صرختُ في داخلي.
لم أستطع تصديق أن أمراً بهذا المصيرية سيُحسم بهذه اللعبة الطفولية.
لكن… لم يكن لدي خيار آخر.
تنهدت ببطء، ثم نظرت إلى زايروس وقلت بصوتٍ منخفض:
"حسناً… لنبدأ."
أومأ زايروس برأسه موافقاً.
ثم، وبصوتٍ واحد قلناه معاً:
"حجرة… ورقة… مقص!"
أغمضت عيني بقوة، خشية رؤية النتيجة.
قلبي يخفق بسرعة، ويدي تتعرّق رغم برودة الهواء.
كنت قد اخترت "الحجرة".
ترددت لحظة قبل أن أفتح عينيّ ببطء، وخشيت أن أجد نفسي خاسراً… لكن المفاجأة أن زايروس كان قد اختار "المقص"!
تسمرتُ في مكاني لثوانٍ، ثم اتسعت عيناي بدهشة.
"مستحيل! أنا… أنا قد فزت؟!"
ظل زايروس صامتاً، لم يُظهر على وجهه أي انفعال. بل قال ببرود:
"أظنني سأكون الثالث إذن."
أومأ أوريوس برأسه وأكد الأمر قائلاً:
"أجل، زايروس سيكون الثالث."
ثم التفت إليّ ونظر في عيني مباشرة، وقال بابتسامة خفيفة تكاد لا تُرى:
"أما أنت… فستكون الرابع."
شعرت براحة غامرة تسري في داخلي.
تنفستُ بعمق، وأجبتُ نفسي في سرّي:
"حسناً… هذا جيد. أليس كذلك؟"
لكن حتى وأنا أطمئن نفسي بتلك الكلمات… بقي القلق ينهشني من الداخل.
صحيح أنني صرت الأخير، لكن ذلك يعني أيضاً أنني قد أكون من سيحسم كل شيء.
---
تنفستُ بعمق، محاولاً أن أُخفي ارتجاف أنفاسي، لعلّ قلبي يهدأ قليلاً، لكن لا فائدة.
كانت الدقائق الأخيرة قبل بدء المباراة ثقيلة كأنها ساعات طويلة.
نظرت حولي، فإذا بكل واحد منّا غارق في عالمه الخاص من المشاعر.
أوريوس كانت عيناه مشتعلة بلهيب الكراهية، يحدّق نحو هونتار الجالس على الجهة الأخرى.
كان ذلك الرجل ذو الشعر الأبيض الكيرلي يجلس متكئاً في مقعده، وعلى وجهه ابتسامة غرور لا تفارقه، ابتسامة وكأنها تقول: "النصر لي مهما حدث."
أما أوريوس، فقد كان يشيح بنظره أحياناً، ثم يعود ليثبته عليه وكأنه يتوعده بداخل قلبه.
إلى جانب أوريوس جلس "صاحب العمل".
لم ينبس ببنت شفة منذ أن جلس هناك، صامتاً تماماً، لا يُظهر أي تعبير على وجهه، حتى عيناه كانتا كجدار أملس لا يكشف ما خلفه.
لم أعلم إن كان يراقبنا نحن، أم يراقب خصومنا، أم أنه غارق في حساباته الخاصة.
أما سيريون، فقد كان ثابتاً على هدوئه المعتاد.
لا ابتسامة، لا قلق، لا حتى إيماءة عابرة.
مجرد هدوء صامت، وكأنه لا يبالي بأي شيء.
في المقابل، كان فيسبر يزداد حيوية كلما اقتربت لحظة البدء.
عيناه تتقدان كشرارتين صغيرتين، وابتسامة خفيفة تلوح على شفتيه.
بدا وكأنه ينتظر بفارغ الصبر أن يخطو إلى الحلبة، ربما أكثر من أي أحدٍ فينا.
زايروس… كان غريباً.
بدا متوتراً، لكنّه متماسك في الوقت نفسه.
يديه ترتجفان قليلاً، لكنه يجلس مستقراً بلا حراك، كأنه جمع بين القلق والهدوء في جسد واحد.
لم أفهم كيف يمكن أن يجتمع النقيضان بهذا الشكل، لكن ذلك ما شعرتُ به.
أما أنا… فكيف أصف نفسي؟
كنت خليطاً من كل المشاعر التي يمكن للمرء أن يتصورها.
خوفٌ من أن ينكسر جسدي على أرض الحلبة، توترٌ من نظرات الجمهور التي لا ترحم، وحماسٌ دفين لمعرفة ما إن كنت أستطيع أن أصمد، أو حتى أن أنتصر.
كنتُ أتنفس ببطء شديد، وكأنني أخشى أن يسمع أحد ارتجافة قلبي.
قطع صوت الحكم أفكاري وهو يرفع الميكروفون ويقول بصوتٍ جهوري ارتجّت له أركان الساحة:
"لقد مرّت الخمس دقائق! أتمنى أنكم قد اخترتم جيّداً!"
ارتفعت أصوات الجمهور بهتافات عشوائية، كل طرف يشجّع فريقه، حتى شعرتُ أن الأرض تهتز تحت وقع صرخاتهم.
تابع الحكم، وهو يشير بيده نحو الجهة اليسرى:
"إذاً… من الجهة اليسرى، من اخترتم ليكون أول من يدخل الحلبة؟!"
تسمرتُ أنظاري هناك، أبحث بين الأربعة، حتى تقدّم الرجل الذي كان يرتدي عباءة بنية، بخطواتٍ ثابتة وغامضة.
ضحك الحكم قليلاً ثم قال بنبرة درامية:
"أوووه، ومن لدينا هنا؟! إنه الشخص الغامض!"
في لحظة واحدة دوّى صخب الحشود:
"الشخص الغامض! الشخص الغامض!"
كانت أصواتهم تزلزل المكان، كأنهم اعتادوا رؤيته يثير الغموض أينما حلّ.
قلنسوته البنية حجبت وجهه بالكامل، فلا ملامح تُرى، ولا تعبير يُفهم.
كل ما يمكن تمييزه هو هيئة صلبة توحي بقوة غير مكشوفة.
أدار الحكم جسده نحو جهتنا، ورفع صوته قائلاً:
"أما من الجهة اليمنى، من سيكون الخصم الأول؟!"
ومن دون أي تردد، تقدّم سيريون بخطواتٍ هادئة، وكأن الضجيج من حوله لم يكن موجوداً.
مشى نحو الحلبة، لا ينظر لليمين أو اليسار، عيناه مثبتتان إلى الأمام فقط.
قال الحكم بابتسامة عريضة:
"هاهاها! يبدو أن هذه المباراة ستكون مشتعلة! فلدينا اثنان غامضان هنا!"
هتف الجمهور مجدداً، وهذه المرة انقسمت أصواتهم:
"الشخص ذو الشعر الأسود! الشخص ذو الشعر الأسود!"
لكن سيريون لم يُظهر أي ردة فعل، لم يرفع حاجباً حتى.
ذلك البرود جعلني أرتجف أكثر، ليس خوفاً عليه، بل خوفاً من خصمه الذي قد يختبئ خلف ذلك الغموض.
أما الخصم ذو العباءة، فلم يتحرك ساكناً بدوره، قلنسوته حجبت أي فرصة لرؤية مشاعره.
رفع الحكم ذراعه عالياً وهو يقف بين الاثنين، وقال بصوتٍ صارم يسمعه الجميع:
"القواعد بسيطة: يخسر من يستسلم، أو من يُغمى عليه. القتل… ممنوع بتاتاً! قاعدتان فقط!"
ارتفع الهتاف أكثر، كأن ذكر القواعد زاد من حماس الجماهير.
بعضهم صرخ بأسماء المتبارزين، وآخرون راحوا يطرقون على الحواجز الحديدية بأقدامهم وأيديهم، فأحدثوا ضجيجاً هائلاً كالرعد.
أدرت رأسي نحو مقاعد الخصوم.
هونتار، ذلك الرجل ذو الشعر الأبيض، ابتسم ابتسامة غرور وهو يراقب سير الأحداث. كانت ابتسامته تثير أعصابي بطريقة غريبة، تذكرني كثيراً بـ"لوكسيان"…لا أعلم لماذا.
الرجل النحيف من فريقه جلس بهدوء، عيناه نصف مغمضتين وكأنه غير مكترث بما سيحدث.
أما الرجل ذو العضلات، فقد ضحك بصوتٍ عالٍ ومغرور، وكأنه واثق أن النتيجة محسومة لصالحهم.
والرجل الرابع، ذو الملامح العادية، اكتفى بابتسامة هادئة لا يمكن قراءة ما تخفيه.
أعاد الحكم الميكروفون إلى فمه، وبدأ يعدّ بصوتٍ جهوري:
"واحد… اثنان… ثلاثة…"
توقف لحظة، رفع يده عالياً ثم صرخ:
"انطلاق!"
وهكذا… انطلقت الجولة الأولى.
جلستُ متيبساً في مقعدي، أتمنى بكل قلبي أن ينتصر سيريون، فبداخلي كنت أعلم أن النتيجة الأولى ستحدد مزاج المباراة بأكملها.