غادر الحكم ساحة الحلبة بخطوات سريعة بعد أن دوّى صوته في أرجاء المكان معلناً البداية:
"انطلاق!"
سادت لحظة صمت ثقيلة، كأن الهواء نفسه قد توقف عن الحركة.
وقف سيريون في مكانه ثابتاً لا يتزعزع، وخصمه ذو العباءة البنية يبادله السكون ذاته.
بدت تلك الثواني الأولى وكأنها دهور، كل واحد منهما يقيس الآخر بعينيه، ينتظر الحركة الأولى، الشرارة التي ستُشعل المواجهة.
وفجأة… انطلق الرجل الغامض كالسهم! اندفع بخفة لا تُصدق، خطواته بالكاد تُسمع، كأن وزنه لا يكاد يلامس الأرض.
تقدّم مباشرة نحو سيريون، وذراعه ترتفع ليُسدد لكمة مباشرة إلى وجهه.
لكن سيريون، ببروده المعتاد، لم يتحرك إلا في اللحظة الأخيرة.
رفع كفه اليمنى ببطء محسوب، وصد الضربة بسهولة، كأن الأمر لم يكن سوى حركة عابرة.
زمجر الخصم من تحت قلنسوته، ولم يُعطه فرصة للتفكير، إذ أطلق يده الأخرى بسرعة ليهاجم مجدداً نحو وجه سيريون.
مرة أخرى… اصطدمت قبضته بيد سيريون الذي صدها بذات الهدوء القاتل.
ارتفع صوت الحكم من خارج الحلبة، محاولاً زيادة نار الحماس في الجمهور:
"يبدو أن الشخص ذو الشعر الأسود قرر الالتزام بالدفاع!"
اشتعلت الساحة بالهتافات، البعض يهتف "الشخص الغامض"، والبعض الآخر بدأ يردد "الشخص ذو الشعر الأسود."
لكن الخصم لم يتراجع، بل تراجع خطوة إلى الوراء، ثم اندفع مجدداً بخفة أشبه بظلال تتراقص.
رفع ساقه فجأة وسدّد ركلة جانبية سريعة نحو كِبد سيريون.
وفي لحظة خاطفة… رفع سيريون ذراعه وأوقف الهجوم.
لكن هذه المرة لم يكتفِ بالدفاع.
فقد قبض على ساق خصمه وأمسكها بقوة جعلت جسده يتوقف في الهواء للحظة.
لم يُهدر سيريون الفرصة.
أطلق يده الأخرى كالصاعقة، موجهاً لكمة نحو وجه خصمه.
لكن الغامض أظهر مهارة غير متوقعة، إذ رفع ذراعه وصد الضربة ببراعة، كأنه توقّعها.
لم يتوقف سيريون، بل غيّر تكتيكه في اللحظة ذاتها.
أفلت ساق الخصم، وبحركة سريعة انخفض بجسده، ثم وجه لكمة قوية إلى بطنه.
ضربة صاعقة!
ارتد جسد الخصم إلى الوراء بقوة، وسقط أرضاً وهو يتلوى من الألم، يطلق سعالات متقطعة.
فتُزال قلنسوته عن وجهه، لتنكشف المفاجأة الكبرى أمام الجميع…
كانت امرأة!
بدت ملامحها واضحة تحت الأضواء: وجه حاد القسمات، شعر بني غامق انسدل على كتفيها، وعيون يملؤها التحدي رغم الألم.
ارتفع صوت الحكم مدهوشاً، وهو يلوّح بيده نحوها:
"أووووه! ماذا لدينا هنا؟! اتضح أن الشخص الغامض… امرأة!"
دوّى صوت الجمهور كالرعد، تعالت الصرخات والصفير، بعضهم يضحك بدهشة، وآخرون يصرخون باسمها بحماسٍ أكبر مما قبل.
الجميع كان في حالة صخب، وكأن مجرد كشف هويتها كان حدثاً بحد ذاته، حتى أن وقع المفاجأة غطّى على آلامها نفسها.
أما سيريون… فلم يتغير فيه شيء.
ظل واقفاً ببرود، عيناه مثبتتان عليها، لا شماتة في ملامحه، ولا دهشة تُذكر، فقط ذلك السكون الذي يجعل من الصعب معرفة ما يدور في داخله.
في تلك اللحظة، وأنا أراقب المشهد من مكاني، لم أتمالك نفسي من التفكير:
"امرأة؟! هل يمكن أن تكون بهذه السرعة والمهارة؟! يبدو أن هذه المباراة ستكون أكثر تعقيداً مما تصورت."
---
وقفت المرأة من جديد، كأن قوة خفية تدفعها للنهوض رغم الألم الذي يعصف بجسدها.
تراجعت خطوتين إلى الوراء وهي تتنفس بصعوبة، عيناها مثبتتان على سيريون بثبات متحدٍّ.
أما هو، فما زال واقفاً في مكانه كتمثال بارد، لا يتحرك، لا يُبدي رغبة في التقدم أو الهجوم.
رفعت المرأة رأسها وسخرت بصوتٍ مرتفع تسمعه الحشود:
"ماذا؟! أتُشفِق عليّ الآن بعدما علمتَ أنني امرأة؟!"
لم تتغير ملامح سيريون، وأجابها ببرود قاتل:
"أنا لا أؤذي النساء… هذا كل ما في الأمر."
ارتسمت ابتسامة جانبية على وجهها، كمن وجد ثغرة في درع خصمه:
"إذاً… فهذا لصالحـي."
واندفعت فجأة بكل ما تملك من سرعة، قفزت في الهواء، ودارت بجسدها بخفة قبل أن تهوي بركلة هوائية مباشرة نحو وجه سيريون.
لكن في اللحظة الأخيرة، أمال سيريون رأسه وتفادى الضربة ببرودة أعصاب مدهشة، حتى أن قدميها كادت تلامس شعره.
هبطت على الأرض بخفة، ومن غير أن تمنحه فرصة للالتقاط أنفاسه، وجهت لكمة قوية نحو صدره.
رفع سيريون ذراعيه بمهارة وصد الضربة، لكن قوة اندفاعها أجبرته على التراجع خطوة إلى الوراء.
ارتسمت الدهشة على وجهي دون أن أشعر:
ما هذا؟! لماذا لا يهاجمها؟! صحيح أنه قال إنه لا يؤذي النساء، ولكن… ألا يُعد هذا دفاعاً عن نفسه؟!
قبل أن أجد جواباً، دوّى صوت الحكم بصوتٍ متهكم وهو يلوّح نحو المرأة:
"يبدو أن هذه الجولة ستكون لصالح الفريق الأيسر!"
فانفجر الجمهور صراخاً، بعضهم صفق بحرارة، والآخرون أخذوا يرددون اسم هونتار كأنهم أعلنوا النصر سلفاً.
تقدمت المرأة مرة أخرى، قبضتها مشدودة، ووجهت لكمة ثانية مباشرة إلى رأس سيريون.
وكعادته… صدّها ببرود.
لم يُظهر أي رغبة في الرد أو استغلال الثغرة.
أخذتُ أعضّ شفتي من التوتر.
ما الذي يفكر فيه سيريون؟!
كيف سيفوز إن لم يهاجم؟!
هل خطته أن يستنزفها بالصمود فقط حتى تنهك قواها؟!
نعم… قد ينجح ذلك، ولكن الأمر سيستغرق وقتاً طويلاً… وربما يعرضه لخطر مفاجئ!
وفجأة… حدث ما لم أكن أتوقعه.
لم أدرك كيف جرى الأمر، كل ما رأيته أن جسد سيريون ارتطم بالأرض!
شهقت من هول المفاجأة.
"مستحيل! أحقاً؟! سيريون… واقع على الأرض؟ بينما هي ما تزال واقفة؟!"
تجمدت عيني على المشهد، لم أستوعب كيف انقلبت الأمور بهذه السرعة.
لم أكن مركزاً! كيف… كيف حدث هذا؟!
صرخت في داخلي بألم:
"هيا يا سيريون! قف بسرعة!"
وكأن صوتي قد وصل إليه، نهض سيريون بسرعة مدهشة قبل أن تهوي عليه المرأة بضربة جديدة، وتراجع للخلف بهدوء وكأنه لم يسقط أصلاً.
لكن الحقيقة كانت واضحة... ومع ذلك ظل متمسكاً بموقفه.
حتى بعدما آذته، ظل مخلصاً لقراره… الدفاع فقط.
مرّت الدقائق ثقيلة كأنها ساعات.
المرأة تهاجم بلا توقف، قبضاتها تتوالى، ركلاتها تحاول اختراق دفاعاته، وسيريون يصد كل شيء بصبر غريب، لا يردّ أبداً.
الجمهور كان قد وصل إلى ذروة حماسه.
أصواتهم تصمّ الآذان، كلما هجمت المرأة ضجّت الهتافات، وكلما صدها سيريون دوّى صراخ آخر، وكأن الساحة تحولت إلى بركان لا يهدأ.
مع مرور الوقت، بدأ التعب ينهش جسد المرأة.
تنفّسها صار متقطعاً، والعرق يتصبب من جبينها، يتلألأ تحت الأضواء.
قبضاتها لم تعد بالقوة نفسها، خطواتها فقدت شيئاً من سرعتها.
صرخت وهي تلهث، محاولـة أن تستفزه:
"أستستمر في الدفاع فقط؟! هيا! هاجم! أظهر قوتك!"
ومع كلماتها، اندفعت بجسدها نحو الأمام، قبضتها تلوح في الهواء، وضرباتُها تتساقط كالمطر، لكن بوضوح… المطر كان قد بدأ يفقد زخمه.
أما سيريون، فقد بدأ العرق يتجمع على جبينه هو الآخر، لكنه لم يُظهر أبداً أنه متعب.
ملامحه ما زالت باردة، هادئة، كأنه يملك بحراً من الصبر لا ينضب.
ركلة… صدها.
لكمة… أوقفها.
ضربة نحو وجهه… أبعدها بذراعه.
الجمهور يصرخ، الحكم يتابع بحماسة، وأنا… أكاد أختنق من ثقل المشهد.
متى ستنتهي هذه المباراة؟! لقد مرّ وقت طويل… ومع ذلك لم تُحسم بعد!