مرّت الدقائق ثقيلة، تجرّ خطواتها وكأنها دهور.
المرأة الغامضة تهاجم بلا توقف، قبضاتها تتساقط، وركلاتها تتوالى، لكن سيريون ظل على حاله، حائطاً صلباً لا يُخترق، يصد الهجمات ببرودة لا توصف، وكأنه يقاتل من غير أن يقاتل.
ومع مرور الوقت، بدأت علامات الإرهاق ترتسم بوضوح على جسدها.
أنفاسها صارت متقطعة، وكتفاها يهويان مع كل شهيق وزفير، بينما قطرات العرق انحدرت من جبينها لتلتصق بوجهها المتجهم.
أما سيريون... فما زال واقفاً بصلابة، لا يهاجم، لا يتراجع، ولا يُظهر سوى تلك البرودة التي تثير الجنون.
وفي لحظة فارقة، هجمت المرأة للمرة الأخيرة، قبضتها ممدودة نحو وجهه بكل ما تبقى من قوتها، لكن قبل أن تكتمل حركتها...
استسلم جسدها فجأة.
سقطت على الأرض بعنف، جسدها يئن من التعب، وذراعاها ارتختا بجانبها، وهي تلهث كما لو أن الهواء نفسه بات أثقل من أن يُسحب إلى رئتيها.
دوّى صوت الجمهور كالرعد، ارتفعت الصرخات مختلطة بالدهشة والحماسة.
بينما الحكم صرخ من وسط الساحة بصوتٍ مرتفع:
"ما الذي حصل؟! هل يُعقل أن الفريق الأيسر على وشك الخسارة؟!"
التفتت عيناي نحو هونتار، توقعت أن أراه غاضباً أو قلقاً على تابعته، لكن ما رأيته كان أمراً مربكاً... ابتسامة.
ابتسامة غرور وثقة لا مكان لها في مثل هذا الموقف، كأنه كان يعرف مسبقاً أن ما يحدث الآن ليس نهاية القصة.
أما سيريون... فبقي واقفاً كما هو، لا فرحة في ملامحه ولا شفقة، فقط عينان ثابتتان على خصمته التي تتلوى على الأرض.
عاد صوت الحكم يعلو فوق الضوضاء:
"إذا لم تتحرك خلال عشر ثوانٍ، فسنعتبر أنها قد فقدت وعيها!"
بدأ العدّ:
"واحد... اثنان... ثلاثة..."
تحركت المرأة ببطء شديد، حاولت النهوض مستندة على كفيها المرتعشين، عضّت على شفتها السفلى محاولة أن تُجبر جسدها على الطاعة، لكنها سرعان ما عادت لتسقط أرضاً.
"أربعة... خمسة... ستة..."
الجمهور يصرخ ويهتف، البعض يشجعها على الوقوف، وآخرون يطالبون بإنهاء العد بسرعة.
"سبعة... ثمانية..."
شهقتُ وأنا أراقبها تحاول للمرة الأخيرة أن تنهض، يديها ترتجفان، ركبتيها تكادان تستسلمان، لكنها لم تستطع.
جسدها خذلها.
"تسعة... عشرة!"
دوّى صوت الحكم معلناً:
"انتهت الجولة! الفريق الأيمن هو الفائز!"
ارتفعت يده ممسكة بيد سيريون، ورفعها أمام أعين الجميع كإعلان رسمي عن الانتصار.
انفجر المكان صراخاً، تصفيقاً وهتافاً، بعضهم صاح بأعلى صوته:
"الفوز للفريق الأيمن! الفوز للفريق الأيمن!"
تجمدت للحظة وأنا أستوعب ما حدث... لقد فزنا.
فزنا بالفعل!
لكن المشهد على الجانب الآخر لم يكن كذلك.
المرأة، بعينيها المليئتين بالغضب، أخذت تضرب الأرض بقبضتها، كل ضربة تصرخ بأنها لم ترضَ بخسارتها.
دموع لمعت في عينيها، لكنها لم تسقط، بل ظلت معلقة كأنها ترفض الضعف أمام الجمهور.
أما هونتار... فما زال يبتسم.
ابتسامة باردة وغامضة، كأن الجولة الأولى لم تكن ذات أهمية بالنسبة له، وكأنه يخبئ شيئاً ما في جعبته.
ذلك الغموض أثار القشعريرة في داخلي... ما الذي يجول في خاطره؟
على مقعدنا، بدا أوريوس مفعماً بالرضا، ابتسامة نادرة ارتسمت على شفتيه وهو يوجه كلماته لسيريون:
"أحسنت العمل! لقد فزنا! لا أعلم كيف يمكنني شكرك."
سيريون جلس بهدوء على المقعد، تنفس بعمق وكأنه يحرر جسده من ثقل المعركة.
رغم أنه لم يُظهر شيئاً في الحلبة، الآن فقط رأيت التعب يتسرب إلى ملامحه.
في النهاية... هو إنسان.
قدرته على التحمل مدهشة، لكن لها حدود.
رفع عينيه نحو أوريوس ورد ببرود:
"إنها مهمتي وحسب. وفي النهاية... إن فزنا فسنحصل على سبعة آلاف دولار. هذا يكفيني."
قهقه فيسبر بحماسة، عيناه تتلألآن وكأنهما تلمعان أكثر من الأضواء نفسها:
"لقد كان قتالاً مذهلاً! الطريقة التي كنت تصد بها ضربات تلك المرأة... رائعة بحق!"
لكن سيريون، كعادته، لم يُظهر أي أثر للفخر أو الغرور.
أجاب بهدوء:
"لم أفعل شيئاً مميزاً."
كنتُ على وشك أن أشارك في الحديث، لكن صوت الحكم قاطعنا بصوتٍ حازم:
"إذاً... الجولة الثانية ستبدأ الآن! استعدوا!"
ساد المكان توتر جديد، كأن الجولة السابقة لم تكن سوى بداية... والآن، الحقيقة ستُكشف.
---
ارتفع صوت الحكم مجدداً ليعلن بداية الجولة الثانية:
"إذاً... لدينا على الفريق الأيسر الرجل النحيف!"
تقدّم الرجل النحيف بخطوات بطيئة وثابتة، حتى وصل إلى منتصف الحلبة.
كان طويلاً، جسده هزيل، عيناه شاحبتان لا يبرق فيهما أي أثر للحياة أو العاطفة، كأنهما عينان فارغتان من كل شيء.
رغم ذلك، دوّى صوت الجمهور بالتصفيق والهتاف، بعضهم يشجعونه بحماس، والبعض الآخر يتهامسون عن غرابة مظهره.
ثم أردف الحكم، وهو يشير بيده إلى الجهة الأخرى:
"ولدينا على الفريق الأيمن... الفتى المراهق!"
اندفع فيسبر بخطوات سريعة، قفز تقريباً إلى داخل الحلبة، وجهه مملوء بالحماس، عيناه تلمعان كما لو كان يدخل لعبة جديدة، لا معركة حقيقية.
ارتفعت ضحكات من الجمهور، بعضهم استهان به بسبب صغر سنه، والبعض الآخر صرخ باسمه مشجعاً، مستمتعاً بالطاقة الغريبة التي يجلبها معه.
رفع الحكم يده عالياً وهو يعلن:
"حسناً... بعد العد إلى ثلاثة ستبدأ الجولة الثانية!"
ثم تابع:
"واحد... اثنان... ثلاثة... انطلاق!"
غادر الحلبة سريعاً، تاركاً الاثنين وجهاً لوجه.
في تلك اللحظة، بدا التباين بينهما صارخاً:
فيسبر بضحكته المليئة بالحيوية ونظرته المتقدة، بينما الرجل النحيف يقف ثابتاً كجثة حيّة، عيناه لا تُظهران أي شيء سوى فراغ مخيف.
وفجأة، ومن دون إنذار... انطلق فيسبر أولاً!
ركض بخفة نحو خصمه، قبضته مرفوعة، والابتسامة ما زالت ترتسم على وجهه.
لم أكن أتوقع أن يكون المبادر بالهجوم.
لكن ما حدث في اللحظة التالية كان صاعقاً!
قبل أن تلمس قبضته وجه الرجل النحيف...
طاخ!
تجمّدت عيناي على المشهد.
دم يتدفق من أنف فيسبر، ووجهه قد ارتد للخلف بعنف، كدمة داكنة بدأت تتشكل على خده الأيمن.
كيف...؟! ما الذي حدث للتو؟!
الرجل النحيف، ببرود قاتل، كان قد وجه لكمة سريعة وخاطفة إلى وجه فيسبر قبل أن تصل ضربته.
كانت حركة لم أرها إلا بعدما انتهت.
الدم يسيل من وجه فيسبر، لكنه لم يسقط.
تراجع خطوة، يحاول استعادة توازنه، لكن الرجل النحيف لم يمنحه فرصة.
انهال عليه باللكمات!
واحدة في وجهه، أخرى على صدره، ثم عادت قبضته لتصطدم بأنف فيسبر من جديد.
ارتجّ قلبي مع كل ضربة.
فيسبر يحاول الدفاع بذراعيه، يرفعها بتوتر ليصد بعض الهجمات، لكن الألم واضح في كل ملامحه، والدم يلطخ فمه وأنفه.
صرخ الحكم بصوتٍ مرتفع، محاولاً إشعال حماسة الجمهور:
"أوووه! يبدو أن الصدارة ستكون للفريق الأيسر في هذه الجولة!"
ثم أضاف بابتسامة باهتة:
"لكن... هذا يبدو قاسياً قليلاً."
الجمهور كان في جنون كامل، البعض يصرخون باسم الرجل النحيف، وآخرون يهتفون تشجيعاً لفيسبر كي لا يستسلم.
هونتار جلس على مقعده يضحك، بينما بدا على صاحب العمل الانزعاج الشديد، قبضته ترتجف وهو يراقب ما يحدث لفيسبر.
أما أنا... فصرخت في داخلي بكل قوتي:
"تباً... هيا يا فيسبر! استخدم قدرتك الفريدة! ألم تقل أنك تستطيع أن تؤذي خصمك من دون لمسه؟! لماذا لا تفعل؟!"
لكن فيسبر ظل يتلقى الضربات، جسده يهتز مع كل لكمة، والدماء لا تتوقف.
وفجأة...
وقبل أن يسدد الرجل النحيف ضربة أخرى، توقفت قبضته في الهواء.
ارتعشت أنفه، ثم... سال منه دم!
شهقتُ بذهول.
ماذا...؟! كيف حدث هذا؟!
هَل يُعقَل أن فيسبر استخدم قدرته؟!
الرجل النحيف رفع يده إلى وجهه بارتباك، يحدق بالدماء على أصابعه.
في تلك اللحظة... استغل فيسبر الفرصة.
اندفع بكل ما تبقى من قوته، قبضته تنطلق إلى وجه الرجل النحيف!
طاخ!
ارتد رأس الرجل النحيف إلى الخلف، وسقط أرضاً وهو يتنفس بصعوبة.
لكن... فيسبر نفسه لم يكن أفضل حالاً.
تأرجح جسده للحظة، ثم سقط هو الآخر على ركبتيه.
وجهه مغطى بالدماء، الكدمات واضحة على وجنتيه، وهو يلهث ويسعل بشدة، ومع ذلك... ضحك.
نعم... ضحك!
رفع رأسه نحو السماء، وضحكة عالية غريبة خرجت من صدره، سمعها كل الجمهور بوضوح.
ارتجّ المكان.
بعضهم ضحك معه بدهشة، وآخرون أصابهم الذهول، وكأنهم يشاهدون مجنوناً يمرح في قلب المعركة.
أما الرجل النحيف، فقد حاول هو الآخر أن ينهض، لكنه لم يستطع.
وجهه شاحب، الدم يسيل من أنفه، وأثر لكمة فيسبر بارز على وجنته.
سعل مراراً وهو يحاول أخذ نفس، ثم انهار ثانيةً على الأرض.
"ما هذا؟!" تمتمتُ بذهول.
هل يمكن أن تكون لكمة فيسبر وحدها قد أرهقته إلى هذه الدرجة؟! أم أن قدرته الخفية تسببت بما هو أكثر من مجرد ضربة؟ أم أن الرجل النحيف ضعيف فحسب؟
صرخ الحكم وسط هذا الجنون:
"هاهاها! يبدو أن الأجواء مشتعلة أكثر مما توقعت!"
الجمهور لم يتوقف عن الهتاف.
البعض يصرخ باسم فيسبر مطالباً إياه بالوقوف، والبعض الآخر يطالب الرجل النحيف بالنهوض والرد.
لكن... لا استجابة.
كلاهما كان ممدداً على الأرض، أنفاسهما متقطعة، والدماء تلطخ وجهيهما.
رفع الحكم صوته مجدداً:
"إن لم ينهض أحدكما خلال عشر ثوانٍ، فسأعتبر الجولة تعادلاً!"
ثم بدأ العد:
"واحد... اثنان... ثلاثة..."
تحرك فيسبر ببطء، حاول أن يستند على ذراعه، لكنه ما لبث أن سقط مجدداً.
جسده لم يعد يقوى على حمله، رغم أن عينيه ما زالتا مشتعلة بالحماس.
"خمسة... ستة... سبعة..."
على الجهة الأخرى، الرجل النحيف هو الآخر حاول النهوض، تمايل قليلاً وهو يرتكز على كفيه، لكن قوته خانته، سعل بعنف وسقط من جديد.
عيناه الباردتان بدتا أكثر ظلمة من ذي قبل، كأنهما تستسلمان لأول مرة.
"ثمانية... تسعة... عشرة!"
رفع الحكم يده معلناً بصوتٍ حازم:
"انتهت الجولة! النتيجة... تعادل!"
انفجر الجمهور بالصياح، ضحكات، صفير، وهتافات متعارضة.
بعضهم اعتبرها أعنف جولة حتى الآن، وآخرون صرخوا بخيبة أمل لأن أياً من المتنافسين لم يخرج منتصراً.
وهكذا... انتهت الجولة الثانية بلا فائز.
لكنها تركت أثراً عميقاً في قلبي، وأثارت عشرات الأسئلة حول هوية فيسبر...