انتهت الجولة الثانية بقرارٍ غير متوقع... تعادل.
دوّى صوت الحكم معلناً ذلك، بينما لم يكد الجمهور يستوعب ما جرى حتى اندفع أربعة رجالٍ بملابس طبية بيضاء إلى داخل الحلبة.
كانوا يتحركون بسرعة، وجوههم خالية من أي تعبير، كأنهم اعتادوا مثل هذه المشاهد عشرات المرات.
اقتربوا من جسدي فيسبر والرجل النحيف الممددين أرضاً، ثم رفعوهما بحذر على حمالتين من القماش السميك، وأخرجوهما خارج الساحة.
ارتفعت أصوات الجماهير تعلو أكثر فأكثر، مزيج من صيحات الإعجاب والقلق، التصفيق والصفير، كأنهم جميعاً يرفضون أن تخمد شرارة الحماس التي اشتعلت للتو.
تابعت بنظري أولئك الرجال وهم يسلكون ممراً طويلاً ومظلماً على طرف الحلبة، يقود إلى مكان لم أتمكن من تمييزه... بدا بعيداً جداً، حتى أن عيني لم تستطع إدراك أين ينتهي.
ربما غرفة طبية؟ أو مكان خفي مخصص لمثل هؤلاء المقاتلين الجرحى؟ لا أعلم.
ورغم أن كليهما لم يفقد وعيه بعد، إلا أن أجسادهما كانت عاجزة عن الحركة.
في حالة فيسبر الأمر مفهوم... لقد امتلأ جسده بالكدمات، ووجهه كان أشبه بلوحة من الدماء.
لكن ما حيّرني حقاً... هو الرجل النحيف.
لقد تلقى لكمة واحدة فقط!
لم يُصَب في أي موضع آخر، ومع ذلك انهار جسده وكأنه عاجز تماماً عن المقاومة.
هل هو مريض؟ أو يعاني من ضعفٍ داخلي لم نلحظه؟
ربما... هذا يفسّر ما حدث.
لكن صوت الحكم العالي قطع سلسلة أفكاري، وهو يصرخ بحماسة مفتعلة:
"واو! كانت مباراة نارية بحق!"
ارتفعت صيحات الجماهير تأييداً لكلماته، وصفّق بعضهم بحماسة، بينما دوّى التصفيق في أنحاء القاعة كالرعد.
ثم أردف الحكم وهو يلوّح بيده:
"لكن... العرض لم ينتهِ بعد! حان الآن وقت الجولة الثالثة! استعدوا!"
التفتُّ مباشرة نحو زايروس.
كان واضحاً أن دوره قد حلّ، لكن وجهه لم يكن يحمل أي ملامح ثقة.
توتّر شديد يسيطر عليه؛ حبات العرق انحدرت على جانبي جبينه، ويداه ترتجفان وهو يعبث بقدميه بعصبية على الأرض.
عيناه كانتا تتحركان في كل اتجاه، تارة نحو الجمهور، وتارة نحو الحلبة، كأنما يبحث عن مهرب وهمي لا وجود له.
ارتفع صوت الحكم مجدداً، وهو يمد ذراعه مشيراً إلى يسار الحلبة:
"ومن الفريق الأيسر... لدينا الرجل ذو العضلات!"
تقدّم رجل ضخم البنية إلى الأمام، كل عضلة في جسده بدت كأنها منحوتة من صخر.
ابتسم ابتسامة عريضة متغطرسة، ولوّح بيده للجمهور بثقة، وكأنه قد حسم الفوز قبل أن تبدأ المباراة أصلاً.
اشتعلت القاعة من جديد، صيحات الجماهير تعالت وهم يهتفون باسمه:
"ذو العضلات! ذو العضلات!"
ثم أدار الحكم جسده إلى الجهة الأخرى، وصوته يجلجل في الساحة:
"ومن الفريق الأيمن... الرجل الذي يشبه رجال العصابات!"
تجمّد زايروس لحظة عند سماع اللقب.
بدت على وجهه علامات الارتباك، لكنه لم يجد بداً من التقدّم.
خطواته كانت ثقيلة، جسده يميل قليلاً للأمام وكأن الأرض نفسها ترفض أن تحمله.
دخل إلى الحلبة تحت أعين الجميع، والعرق يزداد على جبينه رغم أن القتال لم يبدأ بعد.
لم يكن الجمهور أقل حماسة له، بل على العكس... تعالت صيحاتهم وهم يرددون اللقب الجديد الذي أُطلق عليه:
"الرجل الذي يشبه رجال العصابات!"
لكن صدى الهتاف لم يكن مطمئناً، بل أشبه بجدران تضيق عليه من كل جانب.
رفع الحكم ذراعه عالياً، وصوته يعلو من جديد:
"حسناً... الجولة الثالثة ستبدأ بعد العد!"
ثم تابع وهو يعدّ ببطء:
"واحد... اثنان... ثلاثة... انطلاق!"
غادر الحلبة سريعاً، تاركاً المقاتلين وجهاً لوجه، وسط صخب لا يُحتمل من الجمهور، وكأن القاعة بأكملها تحولت إلى بركانٍ مشتعل ينتظر الانفجار.
---
وها هي الحلبة تشتعل مجدداً، وصوت الحكم يدوّي في الأرجاء معلناً بداية الجولة الثالثة.
لكن ما إن انطلقت حتى بدا واضحاً أن الأمور تسير في منحى مخيف.
فمن دون أن يمنح خصمه فرصة لالتقاط أنفاسه، اندفع الرجل ذو العضلات كوحشٍ انفلت من قيده، عروقه بارزة على ذراعيه، ابتسامة غرور ترتسم على محيّاه.
وفي لحظةٍ خاطفة، هوى بقبضته الثقيلة نحو زايروس.
غير أنّ زايروس، رغم توتره وارتجاف قدميه، أفلح في الانزلاق جانباً قبل أن تصيب الضربة هدفها، فارتطمت القبضة بأرضية الحلبة.
طاخ!
اهتزّت الأرضية تحت وقع اللكمة، وانطبعت عليها حفرة صغيرة!
شهقتُ لا إرادياً، وتجمّدت أنفاسي... ماذا لو أنّ زايروس لم يتفادَ؟!
تلك الضربة وحدها كانت كفيلة بتهشيم جمجمته.
صوت الحكم ارتفع بانفعال:
"ما الذي رأيناه للتو؟! اللكمة تركت أثراً على الأرضية نفسها!"
أصوات الجمهور تعالت بالهتاف والصفير، البعض صرخ مشجعاً "ذو العضلات"، والبعض الآخر أخذ يصفق بحماسة للعرض العنيف.
أما زايروس... فكان واضحاً أنّ الخوف قد بدأ يتملكه.
عيناه مضطربتان، وقطرات العرق انحدرت على وجهه بشكل متسارع، في حين أخذ يتراجع بارتباك محاولاً كسب بعض الوقت.
لكن الرجل ذو العضلات لم يمنحه ذلك الترف، فقد اندفع خلفه بخطوات ثقيلة كأنها زلازل صغيرة تهز أرض الحلبة، محاصراً إياه شيئاً فشيئاً حتى ألصقه بأحد أركان الساحة.
وقف زايروس متصلباً، رفع ذراعيه في وضعية قتال متعثرة، قبضته المرتجفة أمام صدره، وكتفه مرفوع بتوتر مبالغ فيه.
انطلقت من حلق خصمه ضحكة ساخرة، أجشّة كأنها خرجت من صدر وحش:
"ههههه... أتظن أنّك ستقف في وجهي؟ أتظن أنّ قبضتك هذه ستوقفني؟!"
زايروس لم يجب، بل بقي صامتاً، يحاول جاهداً أن يخفي ارتعاش جسده.
لكن فجأة، اندفع الرجل ذو العضلات بقبضته نحو وجهه، وفي اللحظة ذاتها وجّه زايروس لكمة مضادة.
طاخ!
القبضتان ارتطمتا بالوجوه في آنٍ واحد.
ترنّح الاثنان للخلف.
الرجل ذو العضلات رفع يده إلى خده، وزايروس هو الآخر مسح بيده على وجهه، عيناه لم تغادرا خصمه.
الحكم صرخ بحماس:
"أوووه! أي جولة نارية هذه! كلاهما أصاب الآخر مباشرة!"
الجمهور ازداد جنوناً، التصفيق والهتافات بلغت ذروتها.
لكن ما إن أنزل الرجل ذو العضلات يده عن خده... حتى تغيّر وجهه تماماً.
اختفت ابتسامته المتغطرسة، وحلّ مكانها غضب عارم، عروقه برزت بوضوح على جبينه وخديه، وجهه احمرّ كالجمر، وعيونه اشتعلت كالشرر.
زايروس، الذي رأى هذا التحول، ازداد عرقه، تراجع خطوة إلى الوراء، وارتجفت يداه أكثر.
بدا واضحاً أنّ الرعب بدأ يتغلغل في داخله.
خطا الرجل ذو العضلات نحوه بخطوات ثقيلة وقال بصوتٍ هادر:
"استسلم الآن... وإلا سأحطّمك!"
زايروس بلع ريقه بصعوبة، تردّد، ثم قال بصوتٍ متقطع:
"أ... أنا..."
صمت للحظة، التفت بنظره إلينا، ثم أعاد عينيه نحو خصمه وأكمل بضعف:
"أنا... لن أستسلم."
ارتسمت ابتسامة شيطانية على وجه الرجل ذو العضلات، وقال ببرود مرعب:
"إذن أنت من جلب الهلاك على نفسه."
وفجأة...
طاخ!
لكمة هائلة أصابت وجه زايروس مباشرة.
ارتد رأسه بعنف إلى الجانب، دم انفجر من أنفه، وأحد أسنانه قُذف خارج فمه ليسقط على الأرض مغطى بالدماء.
ارتجّ قلبي وأنا أرى المشهد.
زايروس ظل واقفاً للحظة، مذهولاً، غير قادر على استيعاب ما حدث.
وحقيقةً، أنا أيضاً لم أستطع أن أستوعب ما حدث.
لكن خصمه لم يمنحه وقتاً ليلتقط أنفاسه.
لكمة ثانية تلتها أخرى.
زايروس حاول أن يرد بقبضة ضعيفة نحو وجه الرجل ذو العضلات، لكن الأخير تمايل بخفة مدهشة، فتفادى الضربة بسهولة، وأطلق لكمة أخرى كسرت دفاعاته.
زايروس ترنّح، سعل، دماء سالت من فمه وأنفه، لكنه ما زال يحاول رفع يديه في مواجهة لا رجاء منها.
الرجل ذو العضلات ضحك بازدراء، مدّ يده وأمسك بياقة قميصه، رفعه قليلاً وكأنه دمية بلا وزن، ثم انهال عليه بالضرب.
ضربة إلى الوجه، تلتها أخرى إلى البطن، ثم ارتدت قبضته ثانيةً إلى جبين زايروس.
كل لكمة كانت تُحدث صوتاً مدوياً، كل لكمة كانت تحطم قطعة من جسده وروحه.
الحكم صاح بمرح كأنّه يشاهد عرضاً ممتعاً:
"هاهاها! يبدو أنّ الانتصار سيكون حليف الفريق الأيسر هذه المرّة!"
الجمهور صرخ بجنون، يطالبون بالمزيد، وكأنهم عطشى للدماء.
بينما هونتار، كان يبتسم ابتسامة مليئة بالغرور، وبجانبه الرجل العادي الذي ابتسم هو الآخر، لكن ابتسامته لم تكن ابتسامة غرور، بل ابتسامة هادئة.
وعلى جانبه الآخر، كانت المرأة الغامضة، هادئة،وكأنها في عالمٍ آخر.
أما صاحب العمل بدا عليه الغضب، لكنه حاول عدم إظهار ذلك.
جلستُ مذهولاً، قبضتاي ترتجفان، وصرخت داخلياً:
هل هؤلاء بشر؟! كيف يصفقون لمشهد بهذا القدر من القسوة؟!
التفت إلى أوريوس وقد بلغ قلبي حدّه، وقلت بصوت مرتجف:
"سيدي! يجب أن توقف هذه المباراة! زايروس في خطر حقيقي!"
صمت أوريوس قليلاً، عيناه تراقبان الحلبة بجدية نادرة، ثم قال ببرود مؤلم:
"الخيار ليس بيدي... إذا أراد زايروس الاستسلام، أو إذا فقد وعيه، عندها فقط ستتوقف المباراة."
اتسعت عيناي بذهول.
أيّ منطق هذا؟! هل يجب أن يُسحق زايروس أمامنا حتى الموت كي يتوقف كل هذا الجنون؟!
لم أستطع فعل شيء سوى أن أقبض يدي حتى غرزت أظافري في كفيّ، وأعض على شفتي بقوة حتى شعرت بطعم الدم.
وفي الحلبة...
زايروس ما زال يتلقى الضربات، وجهه أصبح مشوهاً بالدماء، جسده يهتز مع كل لكمة، أنفاسه متقطعة.
ورغم ذلك... لم يتفوه بكلمة استسلام واحدة.
كان يقاتل بصمت... يقاتل حتى آخر رمق.