وبعد مرور عدة ثوانٍ بدت كأنها دهور، نطق زايروس أخيرًا.
كانت الكلمات تخرج من فمه بصعوبة، كهمسٍ يكاد لا يُسمع وسط صخب الحشود:
"ح...حسنًا... أنا أستسلم."
قالها بصوتٍ يائس ومتألم، ثم انهار جسده المتهالك.
هنا، توقفت لكمات الرجل ذي العضلات، ثم ترك زايروس يسقط على الأرض كحقيبة فارغة، وابتسم ابتسامة غرور وهو يقول بنبرة لا تخلو من الاستخفاف:
"كان من الأفضل لك أن تستسلم منذ البداية."
وفورًا، ارتفع صوت الحكم وهو يرفع يد الرجل ذي العضلات المنتصرة:
"أووووه! الفائز لدينا، هو الرجل ذو العضلات!"
زاد هتاف الجمهور، وراحوا يرددون اسمه كنوع من الاحتفاء بالقوة الغاشمة:
"الرجل ذو العضلات، الرجل ذو العضلات!"
لم تمضِ لحظات حتى دخل الرجال السابقين بملابسهم البيضاء، وجوههم خالية من أي تعبير، وبسرعة وضعوا زايروس بعناية داخل نقالة، ثم أخذوه إلى الممر المظلم نفسه الذي ابتلع فيسبر قبله.
أكمل الحكم كلامه وهو ينظر إلينا:
"إذاً، لدينا فوز واحد للفريق الأيمن، وفوز واحد للفريق الأيسر، وتعادل واحد!"
أضاف قائلًا بلهجة حاسمة:
"إذاً... الجولة الأخيرة هي التي ستحدد الفريق الفائز!"
تعالت صرخات الجمهور وهم يهتفون ويشجعون، لكن بالنسبة لي، كان هذا أكثر شيء أردت تجنبه.
كل هذا الصخب، كل هذه الدماء، ستُحسم نتيجتها في مباراتي. واحتمال خسارتي كبير جداً، بالنظر إلى ما رأيتُه.
لكن قبل أن أغرق في بحر أفكاري، صدح صوت الحكم مرة أخرى وهو يرفع ذراعه اليسرى:
"إذاً، لدينا من الفريق الأيسر، الرجل العادي!"
مشى خصمي بهدوء لافت، خطواته كانت ثابتة، لا تسرع ولا تتباطأ، وكأنه يسير في نزهة صباحية.
كانت ملامح وجهه عادية تمامًا، شعره بني بسيط، لكنه حين لوح بيده للجمهور لم يفعل ذلك بغرور أو استعلاء، بل بابتسامة هادئة ورقيقة، ابتسامة تثير الحيرة أكثر من الطمأنينة.
زادت هتافات الجمهور وهم ينادونه بـ"الرجل العادي"، كأنهم يرون فيه انعكاساً لذواتهم.
اغغ... أنا لست مستعداً بعد، خلال ثوانٍ سأكون في داخل الحلبة!
وقد يحدث لي مثل ما حدث مع فيسبر أو زايروس!
بدأ العرق يتصبب من جبيني، لكنني سرعان ما تنفست بعمق وهدأت نفسي، رغم أن بعض الخوف والتوتر مازال عالقاً بي.
أكمل الحكم كلامه وهو يشير إلينا:
"ومن الفريق الأيمن، لدينا الرجل..." توقف لحظة، صمت غريب، لماذا توقف؟ هل ينتظر أن تهتف الجماهير باسمي؟ أم أن هناك شيء آخر؟ لكنه سرعان ما أكمل وقال، "لدينا الرجل الثلاثيني!"
لم أستطع أن أصدق ما سمعته.
ألم يجد لقباً أفضل من هذا؟! لماذا دائماً هذا اللقب المزعج؟! أنا فقط في العشرينيات! زادت هتافات الجمهور وهم ينادون بلقبي الجديد والمزعج، كان شعوراً غريباً، وكأنني جزء من عرضٍ كبير.
حسناً... إنه شعور رائع أن يناديني العديد من الناس... ولكن فقط لو ينادونني باسمي وليس بهذا اللقب المزعج.
رغم التوتر الذي اعتراني، تقدمت بخطوات ثابتة نحو الحلبة، وارتسمت على وجهي ابتسامة وأنا ألوّح للجمهور.
كان شعوراً مدهشاً وموتراً في نفس الوقت، أن أكون مركز اهتمام مئات الأشخاص.
ما إن وصلت للحلبة، حتى وجدت الرجل العادي واقفاً أمامي، والحكم في منتصفنا، يبتسم ابتسامة عريضة وكأنه يشاهد عرضاً ممتعاً.
أدركت حينها أن هذه المرة لا مجال للهروب حقًا، وأن اللعبة لم تعد بيني وبين نفسي... بل بيني وبين هذا الخصم الغريب الذي يطلقون عليه لقب "العادي".
...
ومن ثم، ومن دون أي مقدمات، قطع صوت الحكم الصاخب توتر الأجواء:
"إذاً... ستبدأ الجولة... بعد واحد... اثنان... ثلاثة... انطلاق!"
غادر الحلبة بسرعة خاطفة، تاركاً إياي وخصمي وحدنا في قلب تلك المساحة المضيئة.
تجمدتُ في مكاني للحظة.
عقلي فارغ تماماً، وقلبي يدقّ بعنفٍ في صدري.
لم أعرف ماذا يجب عليّ أن أفعل! هل أهجم أولاً، أم أنتظر حتى يبدأ الرجل العادي بحركته؟ لم يكن لدي أي فكرة، فكل خبرتي القتالية القديمة لم تُعدّني لمثل هذا الموقف.
نظرتُ إلى خصمي، الذي كان واقفاً هناك يبتسم بهدوء غريب.
وفجأة تحرك نحوي بخطواتٍ بطيئة، لكنها كانت مليئة ببرودٍ مقلق.
لم أستطع أن أتحكم في جسدي، فتراجعت للوراء بشكل تلقائي.
"اسمع، أنا لا أريد أن أؤذيك، أو أرى الدماء. لذلك، استسلم."
قالها الرجل العادي بصوتٍ هادئ تماماً، وكأنه يطلب مني أن أذهب لأتناول كوباً من الشاي.
تجمّدت في مكاني.
ماذا؟! أيُعقل أنه يتوقع مني أن أستسلم بهذه السهولة؟! ماذا عن كبريائي، وكرامتي التي ما زلتُ أحاول التمسك بها في هذا العالم المجنون؟ إذا استسلمتُ الآن، فستختفي آخر ذرة من الكبرياء لدي!
تنفّستُ بعمق، محاولاً أن أتصنع الهدوء، وقلتُ له بصوتٍ حاولتُ أن أجعله ثابتاً:
"أنصحك أنت أن تستسلم، فأنا ما دمتُ داخل هذه الحلبة، لن أستسلم أبداً."
تعالت صيحات الجمهور وازداد صخبهم، ربما لأنهم أحبوا هذه الجملة التي تبدو من أفلامهم القديمة.
شعرتُ بالإحراج للحظة، فقد قلتُ شيئاً لا يقوله إلا أبطال الأنمي الخارقون، رغم أنني قلتُه فقط لأُجبر خصمي على الخوف، أو شيئًا من هذا القبيل، وأنا مجرد رجل ضعيف لم يقاتل شخصًا منذ زمن طويل.
نظر الرجل العادي إلى الأرض وكأنه يفكر، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة خبيثة، ورفع عينيه نحوي وقال وهو يضع يده على رأسه بطريقة درامية:
"ماذا أفعل؟ لم يتبقَ لدي أي خيار سوى القتال."
أكمل وأضاف وهو ما زال يبتسم ببرود:
"سأحاول أن لا أؤذيك كثيراً."
ارتعشت يداي لا إرادياً، لكنني هدأت نفسي بتذكيري أنني أملك قدرة واحدة أستطيع أن أعتمد عليها: الكاراتيه.
لا بأس، أنا أجيد الكاراتيه الاحترافية، لقد تدربتُ كثيراً حتى تورمت يداي، يجب أن يعطي كل هذا الجهد المبذول نتيجة!
لكن قاطع تفكيري صوته الذي جاء هادئاً كالصاعقة:
"إذاً... سأبدأ."
"مهلاً، ماذا-..."
قبل أن أكمل كلمتي، انطلق فجأة نحوي بسرعة خارقة، لم تكن عيني قادرة على تتبع حركته.
وجّه قبضته نحوي بسرعة لا يمكن للعين البشرية رؤيتها، لكني وبفضل تدريباتي، استطعتُ أن أتحرك بسرعة خاطفة وأتفادى لكمته.
لكن لم أستطع تفاديها كلياً، إذ لمست قبضته جزءاً من وجهي، فشعرتُ بوجعٍ حادّ.
"واااو! ما هذه السرعة الخارقة؟!"
صاح الحكم مدهوشاً وهو يصرخ نحو هونتار:
"هل هذا الإنسان ضعيف يا هونتار؟!"
تعالت أصوات الجماهير وهم يصرخون باسم خصمي:
"الرجل العادي! الرجل العادي!"
لم أستطع التفكير أكثر؛ لقد أيقنتُ أنه إذا قام الرجل العادي بالهجوم عليّ، عندها لن تكون لديّ الفرصة لأوجه إليه أي ضربة بسبب سرعته الخيالية.
لكنه سرعان ما وجّه لكمة أخرى نحو وجهي، فرفعت يدي إلى وجهي بسرعة لأصدها.
فتراجع الرجل العادي ومن ثم توجه نحوي مجدداً.
"على هذا الحال، أنا سأخسر." قلت في داخلي.
تنفستُ بعمق، ثم وجهتُ لكمة أمامية إلى وجهه، لكنه بسرعة مدهشة رفع يده وصدها، وبسرعة أكبر وجه لكمة إلى بطني.
بووف!
سعلتُ دماً من فمي، وشعرتُ بألم لا يُحتمل، كأن أحشائي كلها قد خرجت من جسدي.
صرخ الحكم بحماس:
"واااه! ما هذا؟ لقد قام الرجل العادي بتوجيه لكمة إلى بطن الرجل الثلاثيني بسرعة خاطفة! يبدو أن الفوز سيكون للفريق الأيسر!"
زاد هتاف الجمهور، وراحوا يصرخون كوحوش مفترسة متعطشة للدماء.
لم أستطع أن أقف فسقطت على الأرض.
سعلتُ وتنفستُ بصعوبة، وشعرتُ بثقل هائل على جسدي.
"ما رأيك أن تستسلم الآن؟ أنا حقاً لا أريد أن أؤذيك أكثر من هذا."
قالها الرجل العادي بصوتٍ هادئ ومقزز في الوقت نفسه.
قاومتُ الألم بصعوبة، وحاولتُ الوقوف مجدداً، لكن جسدي خذلني وسقط من جديد.
حاولت مرة أخرى، ورغم الألم الذي يكاد يقتلني، استطعتُ الوقوف بصعوبة.
العرق يتصبب من جبيني، الدم في فمي، وبطني يؤلمني بشدة
"أنت حقاً عنيد."
قال الرجل العادي، ثم أضاف بابتسامةٍ تحوّلت إلى شيء خبيث:
"أتمنى ألا تندم على قرارك، فهذه كانت رحمتي وشفقتي الأخيرة."
وفجأة، أصبحت عيونه أكثر رعباً، وكأن نارًا قد اشتعلت فيهما.
"تباً... هل كان عليّ الاستسلام؟" سألتُ نفسي.
...لا! إذا استسلمتُ الآن فسأكون أكبر جبان على وجه الأرض.
كيف سأنظر إلى وجه زايروس الذي تحمل الألم حتى تحطم، وكيف سأنظر إلى وجه فيسبر وهو أصغر مني، ورغم ذلك تحمل كل شيء وقاتل حتى حقق التعادل.
أنا... رغم أنني لست بهذه القوة... إلا أنني لن أستسلم.