اتخذتُ وضعية القتال بصعوبة بالغة، جسدي يرتعش من الألم الذي ينهش عظامي، وأنّفاسي متقطعة تكافح من أجل الحصول على الهواء.
لم يكن أمامي خيار آخر سوى المقاومة.
وجهتُ ركلة أمامية نحو خصر الرجل العادي، آملًا أن تفاجئه حركتي، لكنه تفاداها بسُرعته الخاطفة، وفي جزء من الثانية، كانت قبضته تتجه نحو وجهي، مثل صاعقة لا تُرى.
حاولتُ تفاديها، لكنني لم أستطع.
بووم!
سمعتُ صوت الضربة يدوي في أذني، وارتد رأسي بعنف من أثرها.
شعرتُ وكأن أنفي قد انكسر، واندفع الدم يسيل بغزارة، يغطي فمي ويملأه بطعمٍ معدني كريه.
وضعتُ يدي على أنفي، وتراجعتُ للخلف، وقد امتلأ فمي بالدم.
هذا مؤلم جداً، هذا أقسى بكثير مما توقعتُه في أسوأ كوابيسي.
لكن الحكم صرخ بحماسٍ جنوني:
"أووه، إن المباراة تشتعل!"
زاد صراخ الجمهور، وراحت أصواتهم كصوتِ وحشٍ جائع تهتف باسم خصمي:
"الرجل العادي! الرجل العادي!"
سعلتُ، وحاولتُ أن أسترجع عافيتي وأنا أشعر بالدوار يلفّ رأسي، لكن الرجل العادي لم يمنحني تلك الفرصة.
وجه لكمة أخرى إلى رأسي، لكنني هذه المرة تمكنتُ من صدها عن طريق "الكتلة العلوية"، وهي حركة دفاعية قديمة من تمارين الكاراتيه.
شعرتُ بلحظة من الارتياح، ثم أتى بهجوم آخر نحو بطني، فقمتُ بسرعة بصدها عن طريق "الكتلة السفلية".
ارتفع صوت الحكم من جديد، وهو يلوّح بيديه بحماسٍ مفرط:
"أووه! يبدو أن المباراة ستنقلب لصالح الفريق الأيمن!"
تعالت أصوات الجماهير وهم يهتفون بـ"الفريق الأيمن! الفريق الأيمن!"، وبدا وكأنهم يجدون في صمودي المتواضع ما يثير حماستهم.
هنا، اختفت ابتسامة الرجل العادي الهادئة، وذهب هدوءه الغامض.
نظر إليّ وقال بنبرة باردة وخطيرة، كأنني استفززتُ وحشاً نائماً:
"إذاً... أنت ستلعب هكذا؟"
وفجأة، قفز عالياً ووجه ركلة هوائية إلى رأسي، لكنني تفاديتها بصعوبة بالغة، رغم كل الألم الذي يسري في جسدي.
هبط الرجل العادي على الأرض، وقال بصوتٍ هادئ كالصاعقة:
"أظنني... سأقاتل بجدية الآن."
"ماذا؟" قلتُ بصوتٍ مبحوح، لم أكن أدرك أنني حتى نطقت الكلمة.
وفجأة... بووم!
...لماذا أنا على الأرض؟
لماذا أشعر بألمٍ لا يُحتَمل؟
لماذا أشعر بشيءٍ ساخنٍ ولزجٍ يسيل على وجهي؟...
صحيح... لقد تذكرت.
أنا أتعرض للضرب الآن.
لقد حدث كل شيء في جزء من الثانية، عندما قلتُ "ماذا"، قام الرجل العادي بلكم وجهي بسرعة خارقة، لم أستطع حتى أن أراه، مما جعلني أسقط أرضاً.
شعرتُ بخشونة أرضية الحلبة تحت ظهري، ومن ثم توالت الضربات عليّ كالمطر المنهمر، لكمة في وجهي، وأخرى في بطني، وأنا أسعل وأنزف دماً، أحاول الدفاع عن نفسي بيدين واهنتين لا تقويان على شيء.
والآن أنا مازلت أتعرض للضرب، محاولاً الدفاع عن نفسي، لكن لا فائدة، لكماته سريعة جداً لدرجة أنني لا أستطيع اللحاق بها بعيني، كل لكمة تأتي قبل أن أتحرك لصدها.
صرخات الجمهور تزداد وتزداد وهم يشجعون الرجل العادي، ويزداد معها شعوري بالمهانة والعجز.
هذا... يؤلم جداً.
هذا يؤلم وكأنني أُحرق حيّاً.
هذا يؤلم وكأن آلاف المسامير قد غُرِسَت في جسدي.
أشعر وكأنني سأموت في أي لحظة، وأن روحي على وشك أن تغادر جسدي.
وبينما كنتُ أتعرض للضرب، نظرتُ بصعوبة حولي، فرأيتُ الجمهور يصرخ بحماسة.
كيف... كيف لهم أن يصرخوا بحماسة هكذا؟!
بينما هناك شخص يتعرض للضرب لدرجة الموت!
هذا... حقًا مؤلم، ليس جسديًا فحسب، بل نفسيَا أيضًا.
لا أستطيع وصف الشعور بالكامل، ولكنه قريب إلى شعور خيبة الأمل.
أهذا هو ما شعر به فيسبر وزايروس وهم يتعرضون للضرب؟
نظرتُ بصعوبة إلى أوريوس وأنا أتعرض للضرب، فرأيتُ صاحب العمل، يبدو وكأنه يتشاجر معه، كان غاضباً ويؤشر نحوي.
هل... هل هو غاضب لأنه لا يستطيع إيقاف هذه المباراة؟
رغم أن هذا مجرد افتراض، إلا أنه أراحني قليلاً.
بينما سيريون كان يحاول عدم النظر إلي، على الأرجح لأنه لا يستطيع فعل أي شيء من أجلي.
وأنا مازلتُ أتعرض للضرب.
وأنا مازلتُ أحاول الدفاع عن نفسي وأنا ملقى على الأرض وفوقي الرجل العادي، يضربني تارةً في وجهي، وتارةً في بطني.
نظرتُ إلى الفريق الأيسر، فرأيتُ هونتار كعادته يبتسم ابتسامة غرور، بينما إلى جانبه المرأة الغامضة، وهي الأخرى تحاول عدم النظر إلى المباراة، كأنها لا تريد مشاهدة هذا المنظر المأساوي.
على الأرجح الآن وجهي مشوه من شدة الضرب.
هذا يؤلم... هذا يؤلم جداً.
حتى أنني لا أستطيع البكاء أو الصراخ أو قول أي شيء من شدة الألم.
وفجأة... بووم!
"اغغغههه...."
سعلتُ دماً، ووجهي أصبح أصفر اللون، وأنا على وشك أن يُغمى عليّ.
هذا... حقًا يؤلم أكثر من المرة السابقة.
كان يجب عليّ أن لا أشارك.
وفجأة، سكت الجمهور.
لا أحد يصرخ أو يتكلم.
لم يتبقَ سوى صوت الضرب المؤلم.
هذا غريب... لماذا سكتوا فجأة؟!
نظرتُ لهم بصعوبة، فبدت عليهم نظرات الخوف والشفقة.
حتى الحكم، الذي كان يبتسم طوال الوقت، تحولت ابتسامته إلى تعبير قلق.
قال بصوتٍ مبحوح يظهر عليه التردد:
"هذا يبدو قاسياً!"
آه... لقد فهمت الآن.
هم يشعرون بالشفقة عليّ...
ياله من حال بائس مزري ومثير للشفقة...
الجمهور الذي كان يستمتع برؤية الدم، بنفسه توقف عن الصراخ شفقة عليّ.
هل أستسلم فحسب؟
أنا أشعر وكأنني سأموت في أي ثانية.
كبرياء؟ كرامة؟ أنا أسحب كلامي، ما فائدة كل ذلك إذا متّ.
اغغغههه... هذا يؤلم.
لأستسلم فحسب، نعم... حتى صاحب العمل بنفسه تشاجر مع أوريوس لإيقاف المباراة، صحيح أن هذه مجرد فرضية مني، ولكنني لم أعد أستطيع الاحتمال أكثر من ذلك.
هذا يؤلم جداً.
يؤلم لدرجة أنني أريد أي حجة من أجل الإستسلام.
...
وكدت... نعم، كدت أن أستسلم.
لقد كانت كلمة "أستسلم" على وشك أن تغادر شفتي، لكن قبل أن أستطيع أن أُطلق سراحها، ومضت أمام عيني صورٌ حية.
تذكرتُ عائلتي، وتعهدي لنفسي أن أصل إلى هدفي مهما كان الثمن.
تذكرتُ معاناة فيسبر الذي تحمل الألم من أجل التعادل.
تذكرتُ زايروس، وهو يتعرض للضرب بشدة لكنه رفض السقوط، وقاتل من أجل الفوز حتى آخر لحظة.
كل ذلك مرّ كالشريط أمامي.
كيف لي أن أخذلهم؟
كيف لي أن أخذل نفسي أولاً؟
تلك الأفكار أوقفتني.
في خضم الألم والضربات التي لا تتوقف، أدركتُ أنني لا أستطيع أن أخذلهم، وأن كل ما فعلوه لا يمكن أن يذهب سدى.
لذلك، رغم أنني مازلت أتعرض للضرب، ورغم هذا الألم الذي يمزقني، لم أنطق بها.
لم أستسلم.
ولكن، كيف سأفوز؟
هذا ما فكرت به رغم أنني إلى الآن مازلت أتعرض للضرب.
أنا لا أستطيع حتى صد لكمات الرجل العادي، فكيف سأهزمه؟
وجه الرجل العادي كان فوقي، يضربني بلا رحمة.
نظرتُ إليه، لكنني سرعان ما ندمتُ على ذلك.
وجهه الذي كان عاديًا في السابق تحول إلى قناعٍ مرعب: ابتسامة مجنونة، عيون تشتعل حماساً متعطشًا، ووجه يخبئ خلف براءته السابقة وحشًا حقيقيًا.
اغغغهه، أنا أشعر حقاً وكأن كل جزء في جسمي قد تكسر.
كان الجمهور مازال صامتاً، صمتٌ ثقيل يُثقل كاهلي.
وصاحب العمل مازال يتشاجر مع أوريوس، وهونتار يبتسم بغرور.
كانت هذه الصورة أمامي، صورة للهزيمة التي تتوقعها مني كل الأعين.
إذاً... يجب عليّ الفوز رغم ذلك... ولكن كيف؟!
وفجأة... تذكرتُ شيئاً.
كاد عقلي المنهك أن ينساه.
صحيح!
قدرة الاستجابة السريعة!
القدرة التي لا تُفَعّل إلا عندما يصل الجسد إلى حافة الموت!
عن طريق هذه القدرة سأحاول الفوز!
مهلاً... هذا يعني أنني يجب أن أتعرض للضرب لدرجة الوصول إلى حافة الموت؟
...تبًا.
أنا حقاً لا أستطيع تحريك أي جزء في جسمي.
إذاً... ليس لدي أي خيار آخر سوى ذلك الجنون أو الاستسلام.
فماذا أفعل؟!
هل أتعرض للضرب لدرجة الوصول إلى حافة الموت؟ أم أستسلم فحسب؟
ولكن... ماذا عن كل جهودنا؟
حسناً... أنا... سأنتظر حتى تُفَعَّل قدرة الاستجابة السريعة.
وأعتقد أن هذا سيكون أسوأ قرار اتخذته في حياتي.
وهكذا مرّ الوقت وكأنه قرن.
الجمهور مازال صامتاً، صمتٌ ثقيل يُثقل كاهلي.
وأنا أتعرض للضرب بشكل مؤلم جداً، لم أعد أشعر بالضربات كألمٍ حاد، بل كنبضاتٍ متكررة تكسرني من الداخل.
نظرتُ مجدداً إلى صاحب العمل، فرأيتُ الحراس يقيدونه وهو يحاول أن يوقفهم ويبدو عليه الغضب.
ما هذا؟
لماذا يقيدون صاحب العمل؟
وأوريوس يرى ذلك، ولكنه مازال جالساً في مكانه.
آه... فهمت الآن.
صاحب العمل حاول إيقاف هذه المهزلة، أقصد هذه المباراة، ولكن الحراس أوقفوه.
بالطبع هذا كله افتراض مني فحسب، ولكن هذا الافتراض أعطاني الأمل بأنني لم أكن وحدي في هذا العذاب.
ومرّ الوقت، وأنا أشعر وكأنني حقاً سأموت من شدة الضرب.
عينيّ منهكتان، أشعر بالتعب الشديد، جسدي محطم، يدي وجسمي كله يؤلمني.
أنا... سأغمض عينيّ قليلاً فحسب، فقط قليلاً.
لكن قبل أن أفعل ذلك، رأيتُ سيريون وهو الآخر يحاول أن يدخل الحلبة ولكن الحراس أوقفوه.
لكنني لم أهتم كثيرًا.
تجاهلتُ الأمر.
وبينما كنتُ سوف أغمض عيني بالكامل.
فجأة
بووم!
...ما الذي حدث للتو؟!
الرجل العادي... ينزف من أنفه دماً وذلك بفعل قبضتي!
قبل أن أستطيع أن أستوعب الأمر.
فجأة حدث.
بووم!
قبضتي الثانية قد وجّهت لكمة إلى بطن الرجل العادي!
ارتجف جسده، واندفع يسعل دماً من فمه، ثم قال بصوتٍ مبحوح يملؤه الذهول:
"إذاً... أنت كنت تخفي قدرتك الخفية طوال الوقت."
لم أستطع الرد، إذ وجّه الرجل العادي لكمة إلى وجهي، ولكن يدي صدته بسرعة فائقة.
فوجه لكمة ثانية بقبضته الأخرى، ولكن يدي الأخرى قد صدتها.
وفجأة، رأسي تحرك من تلقاء نفسه ووجه ضربة إلى رأس الرجل العادي!
ما الذي يحدث؟
لماذا جسدي يتحرك من تلقاء نفسه؟
قاطع أفكاري صوت الحكم الذي عاد إلى حماسه المعهود وهو يصرخ:
"وااااو! لقد انقلبت الساحة! الرجل الثلاثيني أصبح في الصدارة!"
هنا عادت أصوات الجمهور، وبدأوا يصرخون بلقبي ويشجعونني:
"الرجل الثلاثيني! الرجل الثلاثيني!"
هل هذا... بفعل قدرة الاستجابة السريعة؟
ولكنها مجرد قدرة من فئة ضعيفة!
نظرتُ إلى أوريوس وصاحب العمل وسيريون الذين بدوا مصدومين، ومن ثم نظرت إلى هونتار الذي اختفت ابتسامته وظهر عليه الانزعاج.
لقد ظننت أن قدرة الاستجابة السريعة مجرد قدرة عديمة الفائدة، ولكن اتضح أنني كنت مخطئاً.
وفجأة، يدي تحركت من تلقاء نفسها، واندفعت للخلف، وفجأة.
بخ!
نظرتُ بسرعة خلفي، فوجدت الرجل العادي يتألم ويسعل ويترنح بسبب الألم.
هل حاول مباغتتي؟
ولكن جسدي بنفسه صده ووجه له ضربة دون أن أرى؟
يا لها من قدرة رائعة ومذهلة!
فقال الحكم، وهو لا يصدق ما يراه:
"واااو، كيف فعل ذلك؟! لقد وجه الرجل الثلاثيني لكمة للرجل العادي من دون أن يراه!"
تعالت أصوات الجماهير، وزاد هتافهم، بينما أوريوس وسيريون وصاحب العمل مازالوا مصدومين.
حسناً... أنا لا أعلم متى سينتهي مفعول قدرة الاستجابة السريعة، لذلك عليّ أن أنهي أمر الرجل العادي بسرعة.
فتوجهتُ بسرعة نحو الرجل العادي، الذي كان مرمياً على الأرض يسعل دماً.
فضحكتُ بسخرية وقلتُ: "هاهاها، لم أتوقع أن تأتي فرصتي للانتقام بتلك السرعة."
هنا، بدت علامات الخوف والقلق على وجه الرجل العادي، ففتح فمه وحاول قول شيء ما.
لكنني لم أعطه الفرصة، إذ وجهتُ لكمات متتالية على وجهه.
لم أتركه يتكلم لأنه على الأرجح كان سيستسلم، وإذا استسلم، فلن أستطيع رد الصاع صاعين له هكذا.
وجهتُ لكمة إلى وجهه، وتارةً في بطنه، تمامًا كما فعل بي.
كان يبدو وكأنه سيُغمى عليه.
فقال الحكم:
"هاهاها، يبدو أن مقولة كما تدين تُدان صحيحة!"
ولكن رغم استمتاع الجميع، ما عدا هونتار، أنا لم أشعر بأي شيء، لم أشعر بلذة الانتقام، بل على العكس، شعرتُ بالذنب.
رغم أنه هو مَن بدأ أولاً.
فتوقفتُ عن ضربه، وتركته مرمياً على الأرض.
عندها، استطاع أخيرًا أن يقول بصوتٍ مبحوح:
"أ... أنا، أن... أنا أس... أستسلم."
هنا تعالت أصوات الجماهير، وقال الحكم وهو يرفع يدي:
"انتهت المباراة! الفائز لدينا هو الرجل الثلاثيني!"
فزاد هتاف الجمهور وهم يقولون:
"الفريق الأيمن! الفريق الأيمن!"
نظرتُ للفريق الأيسر، تحديداً هونتار الذي بدا عليه الانزعاج، على الأغلب لأنني فزت، ومن ثم نظرتُ إلى فريقي الذي بدا عليه علامات الارتياح، صاحب العمل رغم أنه مازال عليه علامات الغضب إلا أنه هدأ قليلاً، بينما سيريون جلس وابتسم بهدوء، أما أوريوس فاعتلته ملامح الغرور والسعادة الشديدة، على الأرجح لأنه هزم هونتار في هذه المعركة.
ابتسمتُ قليلاً، ومن ثم لوحت للجمهور الذي كان يصرخ ويقول:
"الفوز للفريق الأيمن! الفوز للفريق الأيمن!"
وقبل أن أغادر الحلبة، فجأة شعرتُ بألم شديد في كامل جسدي، وسقطتُ على الأرض.
جسدي كله يؤلمني، رأسي مصاب بالصداع، وسعلتُ دماً.
فقلت بصوتٍ مبحوح:
"م...ما ه...هذا؟"
وفجأة، أصبح كل شيء ضبابياً وأسود اللون.