صمتٌ مطبق... فراغ لا نهائي، كأنني كنت غارقاً في بحرٍ من السواد، بلا زمن ولا مكان، بلا صوت ولا رائحة، مجرد عدم يبتلع كل ما تبقى من وجودي.
شيئاً فشيئاً، بدأ الإحساس يعود إلى جسدي، كأن تياراً خافتاً يتسرب في عروقي، يعيد لي وعيي الذي كدت أفقده.
فتحتُ عينيّ ببطء، كأنهما مثقلتان بصخور، لأرى سقفاً أبيض باهتاً يعلوني.
بدا أشبه بسحابةٍ ساكنة، متشققة الأطراف، تتدلى فوقي ببرود غريب.
حاولتُ تحريك رأسي، فرأيت الغرفة من حولي.
كانت غرفة صغيرة، جدرانها باهتة، ورائحتها نفاذة، خليط بين المطهّرات والدواء، تكاد تلسع أنفي من شدتها.
بدا المكان أقرب إلى عيادة مدرسية متواضعة أكثر من كونه مستشفى حقيقي، فالأدوات الطبية مرصوصة على طاولة زجاجية صغيرة، والستائر البيضاء تقسم الأسرة عن بعضها، مانحةً بعض الخصوصية التي لا تكتمل.
وبينما كنتُ أحاول استيعاب مكاني، اخترق الصمت صوتٌ مألوف، مرحٌ على نحوٍ لم يتغير رغم كل ما مررنا به:
"لقد استيقظت!"
التفتُّ بصعوبة إلى مصدر الصوت، فإذا به فيسبر يجلس على سرير مجاور.
كان وجهه ملفوفاً بالضمادات حتى لم يبقَ ظاهراً سوى عيناه، ومع ذلك فإن نبرة صوته بقيت تحمل تلك الروح الخفيفة التي ميّزته دائماً، كأنه يرفض الاستسلام للألم.
قلتُ بصوتٍ مبحوح، خافتٍ أقرب للهمس:
"أجل... ولكن... أين نحن؟"
أجابني فيسبر وهو يحرك رأسه ببطء:
"حين استيقظتُ، وجدت نفسي هنا، ووجهي مغطى بهذه الضمادات. كان صاحب العمل بجانبي، فسألته نفس سؤالك. قال إننا في عيادة الفندق. يبدو أنهم حولوا إحدى الغرف إلى عيادة مؤقتة من أجلنا."
أومأتُ برأسي بصمت، محاولاً استيعاب الأمر.
حاولت بعدها أن أرفع جسدي لأجلس، غير أن صوتاً مرعباً دوّى من ظهري، كـ"طَق" حاد، تبعه ألم ساحق مزّق أعصابي.
"آآغغغههه!"
صرخة مكتومة انفجرت من حنجرتي رغماً عني، ثم سقطتُ على الفراش مجدداً، أتلوّى من الألم، كأن عظامي تحتج على تهوري.
ارتسمت على ملامح فيسبر علامات القلق، وقال بسرعة:
"آه! صحيح! كان يجب أن أنادي الطبيب لك! لا تتحرك!"
خرج مسرعاً من الغرفة، تاركاً إياي أتنفس بصعوبة، والأفكار السوداء تقتحم رأسي: هل جسدي بهذا السوء؟ هل كانت إصاباتي أخطر مما ظننت؟
لم يمض وقت طويل حتى عاد فيسبر، ومعه رجل أعرفه.
تجمدت عيناي لحظةً قبل أن أهمس بدهشة:
"أنت...!"
إنه الطبيب صاحب الشعر الأبيض، نفسه الذي رافقنا عندما حاولنا إنقاذ ماركوس.
ذلك الوجه الهادئ، وتلك الملامح التي تجمع بين الصرامة والطمأنينة، لم أخطئها قط.
قال الطبيب بصوت هادئ، لكنه يحمل صلابة العارف بخبرة السنين:
"حسناً... من الجيد أنك استيقظت."
ثم أردف وهو يقلب أوراقاً في يده:
"لكن لا تحاول النهوض مجدداً. إصاباتك ليست قاتلة، لكنها غريبة... جسدك لم يستقر بعد، كأنه يرفض التعافي الكامل. لذا استرح، ولا تجهد نفسك."
كلماته أثارت في نفسي فضولاً وقلقاً في آنٍ واحد، لكنني لم أشأ الغوص في التفاصيل، فاكتفيتُ بالسؤال:
"على أية حال... لمَ أنت هنا؟ ألا يفترض أن تكون في مستشفاك؟"
ابتسم الطبيب ابتسامة هادئة وقال:
"ربما لا تعرف، لكنني مشهور بمعالجتي وطيبتي، لذلك كثيرون يطلبون مني المساعدة خارج المستشفى."
لم أعرف بماذا أجيبه، فاكتفيتُ بهز رأسي وكأنني اقتنعت.
ثم سألتُ:
"كم من الوقت... كنتُ مغمىً عليّ؟"
فقفز فيسبر بالجواب قبل الطبيب، قائلاً بحماس طفولي:
"لقد كنتَ مغمىً عليك ساعتين فقط!"
شهقتُ بدهشة:
"ماذااا؟ ساعتان فقط؟!"
كنتُ على يقينٍ أنني فقدت وعيي ليوم أو أكثر! بالنظر لشدة الألم الذي مزّقني، بدت الساعتان مجرد لحظة عابرة.
خيبة الأمل هذه جعلتني أتذكر سخرية الواقع: هذا ليس فيلماً سينمائياً، حيث يغيب البطل لأيام ثم ينهض بقوة أسطورية... هذا مجرد جسد متعب يتألم مثل أي إنسان.
ابتسم فيسبر بخفة وقال:
"لماذا أنت مصدوم؟"
أجبتُ بابتسامة باهتة متكلّفة:
"لا شيء... مجرد وهم كنتُ أعيشه."
استسلمتُ للراحة مجدداً، أغمضت عيني محاولاً تجاهل السقف الأبيض، لكن قلقي على رفاقي لم يسمح لي بالسكوت.
ناديتُ فيسبر وهو يهم بالوقوف:
"انتظر... زايروس! هل تعرف ما الذي حدث له؟ لقد كان مصاباً أيضاً."
رغم الضمادات التي أخفت وجهه، لم يستطع إخفاء ابتسامة صغيرة وهو يجيب:
"زايروس؟ لا تقلق... لقد خرج قبل قليل، على الأرجح هو الآن في المطبخ يلتهم الطعام كعادته. شهيته لا تعرف حدوداً."
كلماته حملت شيئاً من الطمأنينة، لكن أيضاً شيئاً من الغرابة.
زايروس... لم أتوقف يوماً عن التساؤل عن ذلك الرجل الغامض.
غادر فيسبر مع الطبيب، وعاد الصمت ليخيم على الغرفة.
لم يتبق سوى أنفاسي المتقطعة وارتجاف يدي، الذي عزيته إلى أثر الضربات التي تلقيتها في المعركة الأخيرة.
وفجأة، انبثق في ذهني خاطر... تلك اللحظة الحاسمة التي قلبت ميزان القتال لصالحنا.
"صحيح!" همستُ لنفسي.
لقد استخدمتُ قدرة الاستجابة السريعة... لكنها كانت مختلفة عن توقعاتي، أقوى بكثير مما يفترض أن تكون.
ناديتُ:
"نافذة الحالة!"
ظهر ذلك الضوء الأزرق المألوف، كلوحٍ سماوي يطفو أمامي.
[نعم، أيها المستخدم.]
سألتها بلهفة وفضول:
"أليست قدرة الاستجابة السريعة مصنفة كقدرة ضعيفة؟"
[نعم، إنها من فئة ضعيفة.]
"لكن ما حدث في القتال كان مذهلاً! شعرتُ أنني أقاتل بقوة لم أعهدها. كيف؟ هل هذا خلل في النظام؟"
[لا، أيها المستخدم. قدرة الاستجابة السريعة ليست خللاً. إنها قدرة تتكيف مع مهاراتك، وتستخرج منها أقصى طاقتها. أي أنها تستعمل مهاراتك الخاصة بكامل قوتها.]
اتسعت عيناي دهشة.
إذاً هذه القدرة ليست مجرد "ضعيفة"، بل هي انعكاس حقيقي لكل ما أملكه من مهارات! من الكاراتيه إلى الدفاع، كل شيء يصل إلى ذروته.
سألتها بانفعال:
"يعني... مع كل مهارة جديدة أحصل عليها من البطاقات الذهبية، ستتكيف القدرة معها وتُخرج قوتها الكاملة؟!"
[ذلك صحيح.]
شعرتُ وكأن نشوة القوة تسري في جسدي، ابتسامة لم أتمكن من إخفائها ارتسمت على وجهي.
"هذا مذهل! هذا يعني أنني سأكون... شبه لا أُقهَر!"
لكن النافذة، كالعادة، لم تدعني أفرح طويلاً.
[لا، أيها المستخدم. لقدرتك هذه خمس استخدامات فقط. وقد استُخدم منها واحد. تبقى لك أربع مرات.]
تجمدت ابتسامتي، كأن جداراً من الجليد سقط على صدري.
"...ماذا؟!"
كل الحماس تبدد في لحظة، ليتحول إلى غضب وإحباط. صرخت فيها:
"أيتها النافذة... أنتِ تصلحين فقط لتحطيم الخواطر! لماذا لم تخبريني بذلك منذ البداية؟!"
[أنت لم تسأل.]
حدقتُ فيها بعينين ضيقتين، وشعرتُ أنني أجادل صخرة باردة.
قلتُ بنبرة حادة:
"من الآن فصاعداً... أخبريني بكل ما هو مهم بخصوص قدراتي الجديدة، سواء سألتك أم لم أسألك. واضح؟"
[تمام. من الآن فصاعداً سأطلعك على كل المعلومات المهمة حول قدراتك.]
أطفأتُ النافذة بتنهيدة طويلة.
لا جدوى من الجدال مع نظام لا يعرف الرحمة ولا يعرف كيف يمنح الإنسان لحظة أمل.
لكن... ورغم ذلك، بقي في قلبي بريق صغير من الحماس.
قد تكون قدرة محدودة بعددٍ ضئيل من الاستخدامات... لكنها أيضاً مفتاح لقوة لا يُستهان بها.