بعد أن أغلقتُ النافذة، قررتُ أخيرًا أن أعود إلى السرير لأمنح جسدي بعض الراحة.
لكن ما إن استدرتُ حتى اخترق الصمتَ صوتٌ خافت… قرقرة.
توقفتُ في مكاني، ثم وضعتُ يدي على بطني وتنهدتُ ببطء.
يبدو أن معدتي لم تكن راضية عن فكرة الراحة قبل الطعام.
تمتمتُ بصوت منخفض:
"يبدو أن عليّ أن أملأ معدتي أولًا."
نهضتُ من على السرير، وشعرتُ بوخزٍ خفيفٍ في جسدي مع كل حركة، ثم توجهتُ نحو الباب استعدادًا للخروج.
وقبل أن أصل إليه، لفت انتباهي انعكاسٌ باهت في زاوية الغرفة.
مرآة… موضوعة بجانب إحدى الخزائن.
ترددتُ لوهلة، ثم قلتُ في نفسي إن نظرةً سريعة لن تضر.
خطوتُ نحوها ببطء، وما إن وقفتُ أمامها حتى سقطت عليّ صدمةٌ حقيقية.
وجهي… كان مغطّى بالكامل بالضمادات.
كأنني لا أنظر إلى نفسي، بل إلى مومياء خرجت تَوًّا من قبرٍ قديم.
اتسعت عيناي لا إراديًا، وحدّقتُ في انعكاسي غير مصدق.
وجهي المسكين… لا بد أنه تعرّض لتشوهٍ كبير حتى اضطروا لتغطيته بهذا الشكل!
بدأت الأفكار السوداء تتدفق دون استئذان.
ماذا لو بقيت ندوب؟
ماذا لو لم يعد وجهي كما كان؟
أنا في العشرينيات من عمري، لكن بهذا الشكل… أبدو وكأنني في الثلاثينيات...لا أعلم لماذا!
ومع كل ذلك الضرب الذي تعرضتُ له… ربما سأبدو في الأربعينيات!
أطلقتُ زفيرًا طويلًا، ثم هززتُ رأسي بقوة، كأنني أطرد تلك الأفكار بالقوة.
"لا، لا… يا لها من أفكار سخيفة."
بضعة أيام فقط، وسيتعافى وجهي.
سيعود كل شيء إلى طبيعته… أليس كذلك؟
...
بعد تلك المواجهة القصيرة مع المرآة، استدرتُ وفتحتُ الباب.
وهنا… فوجئت.
أمام عيني امتد ممرٌ فخم، طويل وهادئ، تتلألأ جدرانه بلونٍ دافئ، وتزين سقفه مصابيح أنيقة تنشر ضوءًا ناعمًا لا يؤذي العين.
كانت الأرضية مصقولة بعناية، تعكس الضوء بخفة، وعلى جانبي الممر اصطفت أبواب غرف متقابلة، متشابهة في الشكل، كأنها نسخ مكررة.
وفي نهاية الممر…
درج.
أحدهما يصعد للأعلى، والآخر ينزل للأسفل.
توقفتُ لحظة أحدق في المكان باستغراب.
لم أرَ هذا الممر من قبل… رغم أنني مررتُ في هذا الفندق سابقًا مع الآخرين عندما توجهنا نحو القبو.
تابعتُ السير ببطء، وكان الصمت يرافقني.
لا أصوات، لا خطوات، لا همسات.
لا أحد في الممر.
"بما أن هذا فندق… فمن الطبيعي أن يكون الجميع في غرفهم"، قلتها في نفسي، لكن سؤالًا آخر كان يلحّ عليّ:
ما هذا المكان بالضبط؟
وصلتُ إلى نهاية الممر، ووقفتُ أمام الدرج.
هل أصعد… أم أنزل؟
فكرتُ قليلًا.
إذا كان هذا المكان فندقًا بالفعل، فلا بد أن غرفتي في الطابق الثالث أو الرابع.
والمطبخ… على الأرجح في الطابق الثاني.
بعد لحظة تردد، قررتُ النزول.
وأثناء نزولي، لفت بصري نافذة كبيرة في الجدار.
توقفتُ دون وعي.
مشهد الغروب كان… مذهلًا.
الشمس كانت تودّع السماء ببطء، تصبغ الأفق بألوان برتقالية وحمراء هادئة، بعيدة كل البعد عن صخب القبو وظلامه.
للحظة… شعرتُ وكأنني في عالمٍ آخر.
أغمضتُ عيني، وأخذتُ شهيقًا عميقًا، ثم زفيرًا أطول، كأنني أستجمع ما تبقى من هدوئي.
ثم تابعتُ طريقي للأسفل.
وعند وصولي إلى نهاية الدرج… أدركتُ أن تحليلي كان صحيحًا.
كنتُ عند مكان الاستقبال.
وقعت عيناي فورًا على موضع الباب الخفي، وتدفقت الذكريات إلى رأسي:
ما حدث في القبو، الأصوات، الفوضى، الألم…
لكنني لم أكمل شرودي.
"أيها الزبون! ما الذي تفعله هنا؟!"
انتفضتُ قليلًا، والتفتُ نحو مصدر الصوت.
كانت الموظفة نفسها التي استقبلتنا عند وصولنا إلى هذا المكان.
استغربتُ من مناداتها لي بـ "الزبون"، لكنني أجبتُ بهدوء:
"شعرتُ بالجوع، لذلك جئتُ لأسأل عن مكان المطبخ."
ابتسمت ابتسامة مهنية وقالت:
«أوه، المطبخ في الطابق الرابع. لكن لا داعي لأن تذهب بنفسك، يمكنني إحضار الطعام لك."
هززتُ رأسي شاكرًا:
"شكرًا لكِ، لكنني أفضّل الذهاب بنفسي."
أومأت برأسها دون اعتراض.
استدرتُ وصعدتُ الدرج مجددًا، وأنا أتمتم بانزعاج:
"كان عليّ أن أصعد منذ البداية بدل أن أتفلسف…"
وبعد صعودٍ لم يكن قصيرًا، وصلتُ أخيرًا إلى الطابق الرابع.
...
كان الطابق الرابع مشابهًا للطابق الثالث إلى حدٍّ كبير، وكأن الفندق يحرص على تكرار هيبته في كل زاوية.
ممر طويل، جدرانه مزينة بنقوش أنيقة، وأرضيته مصقولة تعكس ضوء المصابيح الدافئة المعلّقة في السقف.
الأبواب مصطفّة على الجانبين بانتظام، وكل شيء يوحي بالهدوء والنظام… هدوء يختلف كثيرًا عن الفوضى التي تركناها خلفنا في القبو.
في نهاية الممر، كان بابٌ أعرض من غيره، تنبعث من خلفه روائح دافئة لا تخطئها الأنف.
لم أحتج إلى التفكير كثيرًا.
لا بد أن هذا هو المطبخ.
تقدمتُ نحوه وفتحتُ الباب.
أول ما رأيته كان فيسبر وزايروس جالسين حول طاولة خشبية متوسطة الحجم، يتناولان الطعام بصمتٍ نسبي.
وخلفهما، كان هناك طباخان يقفان أمام موقدٍ كبير، يتحركان بانسجامٍ واضح، يقطّعان ويقلبان ويجهّزان الطعام بمهارة تدل على خبرة طويلة.
حيّيتُ الطباخين بهزّة رأس خفيفة، فردّ أحدهما التحية بصمت، بينما واصل الآخر عمله دون أن يرفع نظره.
في تلك اللحظة، انتبه فيسبر لوجودي، فالتفت نحوي وقال بابتسامة خفيفة:
"أوه، أنت هنا. لا بد أنك جائع، تعال وانضم إلينا."
تقدمت وجلستُ معهما، ثم وقعت عيناي على زايروس.
كان يشرب حساءه ببطء… ووجهه، مثل وجهي تمامًا، مغطّى بالضمادات.
لم أتمالك نفسي، فضحكت وقلت:
"هاهاها، يبدو أننا نحن الثلاثة عبارة عن كتلة من الضمادات."
رفع زايروس نظره إليّ، ثم ابتسم بسخرية وقال:
"على الأقل أنا أفضل منكما حالًا. أنتما تبدوان وكأنكما خرجتما من مقبرة… مومياءين حقيقيين."
ردّ فيسبر فورًا:
"انظر من يتكلم."
زمجر زايروس قليلًا وقال:
"هاي، أنا أكبر منك! يجب عليك أن تحترمني."
ابتسم فيسبر وقال ببرود:
"إذًا كن شخصًا يستحق الاحترام أولًا."
اتسعت عينا زايروس وقال بغضب:
"ماذا قلت؟!"
وقبل أن يتحول المزاح إلى شجار حقيقي، رفعتُ يدي وتدخلت ضاحكًا:
"هاها، يا جماعة، الأمر لا يستحق كل هذا."
لكن قبل أن يضيف أيٌّ منا كلمة أخرى…
وُضع على الطاولة شيءٌ لم أره منذ أن جئتُ إلى هذا العالم.
شيء كدت لا أتعرف عليه من طول غيابه عن معدتي… وعن فمي.
كان اللحم.
قطعة لحمٍ مشوية بعناية، لونها بنيٌّ داكن من الخارج، تتصاعد منها أبخرة خفيفة، ورائحتها غنية ودافئة، تثير الجوع فورًا.
بجانبها وُضع وعاء من الحساء، صافٍ ودسم، ومعه خبز طريّ، أبيض، يبدو كأنه خرج لتوّه من الفرن.
نظرتُ إلى فيسبر وزايروس.
كان فيسبر يحدّق في الطبق بعينين متسعتين، وقد سال لعابه دون أن يشعر.
أما زايروس، فكانت عيناه تلمعان وكأنهما على وشك الانقضاض على اللحم في أي لحظة.
كنا نحن الثلاثة مذهولين.
هذا… لم يكن مجرد طعام.
كان حلمًا راودنا منذ زمنٍ طويل.
ابتلعتُ ريقي، وقلت بتوتر بينما العرق يتصبب من جبيني، وأنا أمد يدي نحو الطبق:
"بما أنني لم أتناول أي شيء منذ أن استيقظت… أظن أنني الشخص الذي يجب عليه تناول هذا الطبق—"
لكن زايروس قاطعني وهو يسحب الطبق نحوه:
"ما الذي تقوله؟! أنا الذي يجب أن يأكله! كدت أموت في القبو وأنا أقاتل!"
اندفعتُ وسحبتُ الطبق نحوي ضاحكًا:
"هاهاها! ألا ترى وجهي الملفوف بالضمادات؟! هذا وحده دليل على أنني أنا الذي كدت أموت هناك!"
شدّ زايروس الطبق بقوة أكبر وقال ساخرًا:
"ما الذي تتفوه به؟ أنت تبدو وكأنك تستطيع الركض عشرة أمتار بسهولة."
قلت وأنا أسحب الطبق بقوة:
"وأنت تبدو وكأنك تستطيع—"
لكن فيسبر قاطعنا، وعيناه مليئتان بالجوع، وهو يمد يده نحو الطبق:
"هاها، أنتما الاثنان تبدوان بصحة ممتازة."
ثم أضاف بنبرة متوسلة:
"أما أنا… ألا ترون جسدي الهزيل؟ أحتاج بعض البروتين لأتعافى. ألن تتنازلا عن هذا الطبق من أجل أخيكما الأصغر سنًا؟"
ضحكت وقلت:
"هاها، يا فيسبر… هذا سيكون صعبًا."
قال زايروس وهو يسحب الطبق نحوه:
"أنا… لا أستطيع التحمل أكثر… هذا الطبق لي!"
في اللحظة نفسها، سحبتُ الطبق نحوي، بينما فعل فيسبر الشيء ذاته.
ثلاث أيادٍ… تتنازع على طبقٍ واحد.
وفجأة—
ظهرت يدٌ رابعة.
انتزعَت الطبق بسهولة تامة.
رفعنا رؤوسنا في آنٍ واحد، لنجد الطباخ واقفًا هناك بهدوء تام.
أخذ الطبق، وأمسك بالسكين، وقطع اللحم بحركات دقيقة واحترافية، دون أن ينبس بكلمة.
ثلاث قطع متساوية… في صمتٍ كامل.
ثم أعاد الطبق إلى الطاولة وقال بنبرة هادئة لا تقبل النقاش:
"تناولوا طعامكم… بدون ضجيج."
بعدها، ابتعد، وجلس على كرسي قريب، وفتح صحيفة وبدأ يقرأ، وكأن شيئًا لم يحدث.
نظرتُ إلى قطع اللحم المصفوفة أمامنا.
قال زايروس بعد لحظة صمت:
"حسنًا… أظن أن هذا هو الحل الأنسب."
قال فيسبر وهو يبتسم:
"أجل، أعتقد ذلك أيضًا."
أومأتُ موافقًا.
وأخيرًا…
حان الوقت لأتناول شيئًا حلمتُ به منذ زمنٍ طويل.