أمسكتُ الشوكة والسكين، وترددتُ لثانيةٍ قصيرة قبل أن أبدأ بتقطيع قطعة اللحم إلى أجزاءٍ صغيرة.
كان صوت السكين وهو يلامس الطبق ناعمًا، يكاد يكون موسيقيًا مقارنةً بأصوات الصراخ والضرب التي ملأت أذني قبل ساعات فقط.
والآن…
حان الوقت.
رفعتُ أول قطعة، كانت الأبخرة الخفيفة تتصاعد منها، ورائحتها شهية إلى حدٍ يجعل العقل ينسى كل شيء آخر.
وضعتها في فمي.
وفي اللحظة التالية…
كأنني انتقلتُ إلى عالمٍ آخر تمامًا.
الطعم… لا، لا يمكن وصفه بسهولة.
لحم طريّ، غني، دافئ، يذوب في الفم وكأنه خُلق ليكون مكافأة بعد كل ما مررنا به.
أغمضتُ عيني لا إراديًا وأنا أبتلعها، ثم رفعت القطعة الثانية… الثالثة… الرابعة…
لم أعد أعد.
وعندما انتهت القطع، أطلقتُ زفيرًا عميقًا من صدري.
"آه… يا له من طعمٍ جميل."
رفعتُ رأسي، لأرى المشهد المقابل.
فيسبر وزايروس…
كانا يأكلان وكأنهما لم يريا اللحم في حياتهما من قبل.
فيسبر كان يلتهم طعامه بسرعةٍ غير معتادة، بلا أي اهتمام بالشكل أو اللباقة، وكأن الجوع الذي تراكم داخله انفجر دفعةً واحدة.
أما زايروس…
حسنًا، من الأفضل ألّا أعلّق.
نظراته، طريقته، صمته التام أثناء الأكل… كلها كانت تقول شيئًا واحدًا:
هذا الطبق لن يخرج من هنا إلا فارغًا.
بعد ذلك، انتقلتُ إلى الحساء.
كان دافئًا، ينساب في حلقي بسلاسة، وكأنه يرمم شيئًا مكسورًا في داخلي.
ثم الخبز الطري… بسيط، لكنه مثالي.
وعندما انتهيتُ أخيرًا، شعرتُ لأول مرة منذ زمنٍ طويل بشيءٍ يشبه الانتعاش الحقيقي.
نظرتُ إلى فيسبر وزايروس، اللذين كانا قد انتهيا بدورهما، وساد صمتٌ قصير بيننا، صمتٌ مريح… لكنه لم يدم.
قلتُ وأنا أمسح فمي بهدوء:
"إذاً… أين صاحب العمل، والسيد أوريوس، بالإضافة إلى سيريون؟"
رفع فيسبر رأسه، وفكر لثانية، ثم أجاب:
"أوه، بالنسبة لهم… بعد أن أُغمي علينا نحن الثلاثة، كما تعلم، نقلونا إلى غرفة واسعة في الطابق الثالث حتى نتعافى."
ثم أكمل، وكأنه يسترجع الأحداث:
"أما صاحب العمل، والسيد أوريوس، وسيريون… فحصل كل واحدٍ منهم على غرفة خاصة ليرتاح فيها حتى نستيقظ."
عقدتُ حاجبي قليلًا.
"إذاً… هم لا يعرفون أننا استيقظنا؟"
وقبل أن يجيب فيسبر، التفت إليّ زايروس وقال بنبرة واثقة:
"لا بد أن فيسبر أخبرهم."
تصلّب جسد فيسبر فجأة.
"ما الذي تتحدث عنه؟" قال بتوتر، "ألم تخبرهم أنت؟!"
تغيّرت ملامح زايروس.
"لا… مهلاً،" قال ببطء، "لا تقل لي أنك لم تخبرهم!"
ارتبك فيسبر أكثر، وقال:
"ظننتك أنت من فعل ذلك!"
ساد صمتٌ ثقيل.
صمتٌ لم يكن مريحًا هذه المرة.
تبادلنا النظرات، وفي تلك اللحظة بالذات…
وصل الإدراك إلينا جميعًا في الوقت نفسه.
تنهدتُ ببطء، وقلتُ بصوتٍ منخفض لكنه واضح:
"نحن… في ورطة."
لم يقل أحدٌ شيئًا بعدها.
...
وفجأة، وقبل أن نتمكن حتى من التفكير في الخطوة التالية…
فُتح الباب.
انتفضنا نحن الثلاثة في اللحظة نفسها، والتفتت أنظارنا بسرعة نحو المدخل.
كان هو.
صاحب العمل.
ملامحه متجهمة، جبينه مقطب، وعيناه تحملان ذلك الغضب المكتوم الذي لا يحتاج إلى صراخ ليُشعِر من أمامه بثقله.
وبجانبه وقف سيريون، هادئًا كعادته، ملامحه ثابتة، ونظرته متزنة وكأنه لم يتأثر بشيء مما يحدث حوله.
تنهد صاحب العمل تنهيدة طويلة، ثم قال بنبرة غاضبة ممزوجة بالإرهاق:
"هاه… بدلًا من أن تخبروني أنكم استيقظتم، أراكم أنتم الثلاثة هنا… تملؤون بطونكم!"
تحرك زايروس بسرعة، وكأنه يحاول إنقاذ الموقف:
"سيدي، ظننتُ أن فيسبر قد أخبرك."
لم يكد يُنهي جملته حتى قفز فيسبر بدوره وقال بتوتر واضح:
"وأنا أيضًا ظننتُ أن زايروس قد أخبرك!"
تحولت نظرة صاحب العمل نحوي.
رفعت يدي فورًا وقلت بسرعة:
"لا تنظر إليّ، أنا استيقظتُ منذ قليل فقط، وظننتُ أن أحدهما قد فعل ذلك بالفعل!"
ساد صمت قصير، ثم أطلق صاحب العمل زفيرًا حادًا وقال بنفاد صبر:
"لا وقت لدينا لهذا."
ثم أضاف بلهجة حاسمة:
"بما أنكم قد ملأتم بطونكم… اتبعوني فورًا."
استدار دون أن ينتظر ردًا، وتوجه نحو الدرج، وسيريون خلفه مباشرة.
نهضنا نحن الثلاثة بسرعة من على الكراسي، وتبعناه على عجل.
وأثناء سيرنا، اقتربتُ من سيريون وسألته بصوت منخفض:
"هاي، سيريون… ما الذي يحدث؟"
نظر إليّ بطرف عينه وقال بهدوءه المعتاد:
"أولًا، من الجيد أنك بخير."
ثم أضاف:
"ثانيًا، بما أننا فزنا… فنحن الآن في طريقنا إلى الطابق الأول، القبو، لاستلام المكافأة."
توقفتُ لثانية عن التفكير.
ثم فجأة—
"أوه، صحيح!"
كدت أصفق من فرط الإدراك.
لقد فزنا!
هذا يعني…
سبعة آلاف دولار!
سبعة آلاف كاملة!
تابعنا السير حتى وصلنا إلى الطابق الثاني، حيث كانت الموظفة نفسها بانتظارنا.
من دون أن تنبس بكلمة، ضغطت على الحائط في موضعٍ معين.
وانفتح الباب الخفي.
رغم أنني رأيته من قبل…
إلا أنه ما زال يفاجئني في كل مرة.
نزلنا عبر الممر المؤدي إلى القبو، حتى وصلنا إلى المكان المألوف.
نفس الحلبة…
المكان الذي كدت أموت فيه قبل ساعات.
لكن هذه المرة، كان كل شيء مختلفًا.
لا جماهير.
لا صراخ.
لا مذيع.
لا ضجيج.
المكان صامت، فارغ، وكأن القتال لم يحدث يومًا.
حتى هونتار…
هو ورجاله، لم يبقَ لهم أي أثر.
قطع شرودي صوت مألوف:
"أوه، لقد وصلتم. جيد… من الجيد أنه لم تحدث إصابات خطيرة لأحد منكم."
رفعت بصري.
كان السيد أوريوس جالسًا على المقاعد الأمامية، مبتسمًا بهدوء.
لقد كدنا نموت ثلاث مرات… وتقول لا إصابات خطيرة؟
ابتلعتُ تعليقي بصعوبة.
نهض أوريوس وتقدم نحونا، ثم وضع يده على كتف صاحب العمل وضحك ضحكة عالية:
"هاهاهاهاها! كان يجب عليك أن ترى وجه هونتار! غاضبًا، صامتًا، وهو يغادر المكان كأن الأرض ابتلعته! لا بد أنه شعر بالذل والمهانة!"
ضحك مجددًا، طويلًا.
أما صاحب العمل…
فاكتفى بهز رأسه دون تعليق.
أكمل أوريوس بابتسامة راضية:
"الوعد وعد. لقد فزنا."
ثم أضاف بنبرة رسمية:
"وسأسلم لكل واحدٍ منكم… سبعة آلاف دولار."
وأخيرًا…
السبعة آلاف دولار.
أشار أوريوس إلى خادمٍ كان يقف على الجانب، فتقدم وهو يحمل خمسة أكياس بنية، مغلقة بإحكام.
قال أوريوس:
"أتمنى أن تفرحوا بها."
بدأ الخادم بتوزيع الأكياس.
الأول… لصاحب العمل.
لم تتغير ملامحه قيد أنملة.
الثاني… لسيريون.
كما هو دائمًا، هادئ، بلا أي رد فعل يُذكر.
ثم جاء دوري.
تناولتُ الكيس، وفتحته.
وهناك…
كانت النقود.
سبعة آلاف دولار حقيقية.
كنت أعلم أنها موجودة…
لكن رؤيتها بعيني شعور مختلف تمامًا.
شعرتُ بحرارة غريبة في صدري، مزيج من الفرح والانتصار.
ثم جاء دور زايروس.
فتح كيسه، واتسعت عيناه، حتى أنه قرّب المال من وجهه… وشمّه.
لست في موقف أفضل منه...كدت أفعل الشيء نفسه.
وأخيرًا… فيسبر.
أخذ كيسه، وابتسم ابتسامة هادئة فقط.
لا قفز.
لا دهشة.
لا انفعال.
وهنا…
شعرتُ أنا وزايروس بشيء من الإحراج.
نحن كمن لم يرَ المال في حياته، بينما فيسبر…
رغم صغر سنه، بدا وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ زمن طويل.
خفضنا أبصارنا قليلًا.
لكن سرعان ما رفعنا رؤوسنا عندما قال أوريوس:
"إذًا، أتمنى الخير لكم جميعًا. هناك عربة بالخارج ستنقلكم. يمكنكم المغادرة الآن."
إذاً…
انتهى الأمر.
خرجنا من القبو، وأنا أشعر بثقل غريب في صدري.
ليس تعبًا…
بل إحساسًا آخر.
إحساس بأنني…
قد تطورت.
لا…
بل بلا شك…
لقد تطورت.