توجهنا نحو العربة واحداً تلوَ الآخر، وصعد كلٌّ منا إلى داخلها بصمتٍ يليق بما مررنا به.

وعندما حان دوري، وما إن وضعت قدمي داخل العربة حتى تفاجأت بما رأيت.

كان الطبيب ذو الشعر الأبيض جالسًا هناك، في الداخل، يتخذ مقعدًا قريبًا من النافذة، ونظره ثابت نحو الخارج بهدوءٍ غريب، كأن ما حدث قبل ساعات لا يعنيه بشيء.

ملامحه كانت ساكنة، لا توتر فيها ولا استعجال، وكأن الزمن بالنسبة له يسير بوتيرة أبطأ من الجميع.

استغربت قليلًا.

كنت أظنه قد غادر هذا المكان منذ وقتٍ طويل، وعاد إلى حياته المعتادة بعيدًا عن كل هذا الجنون.

وجوده هنا أربكني أكثر مما توقعت، لكنني لم أعلّق.

أُغلق باب العربة بإحكام، ومع صوتٍ خافت بدأت العربة بالتحرك.

صمت.

صمتٌ كامل، ثقيل، لم يُسمع فيه سوى صوت العجلات وهي تحتك بالطريق.

لم ينطق أحدٌ بكلمة، وكأن الجميع غارق في أفكاره الخاصة، إلى أن كسر صاحب العمل هذا الصمت أخيرًا، وهو يوجه نظره نحو الطبيب:

"يبدو أن طرقنا قد تقاطعت مجددًا، إذاً."

ثم أضاف بنبرة هادئة تحمل شيئًا من الفضول:

"لم أكن أعلم أنك مشهور في مجال الطب إلى هذه الدرجة، يا دكتور."

ابتسم الطبيب ابتسامة خفيفة بالكاد تُرى، وقال بصوتٍ هادئ:

"إنه عملي فحسب... لا أكثر. لستُ بالشيء المميز."

عم الصمت المكان مرةً أخرى، لكنه لم يدم طويلًا.

إذ قال الطبيب، وكأنه شعر بثقل الجو وأراد كسره:

"على أي حال... لم أعرّفكم على اسمي بعد، أليس كذلك؟"

ثم تابع بهدوء:

"اسمي فيلور... فيلور فايركس."

أومأ صاحب العمل برأسه قليلًا وقال:

"وأنا أندرو... أندرو كيلث."

بعد ذلك، لم يُضف أحد شيئًا.

عدتُ أنظر من النافذة، أراقب الطريق الممتد أمامنا، وأنتظر اللحظة التي أعود فيها إلى النزل، إلى شيء يشبه الراحة.

مرّ الوقت ببطء، دون حديث، فقط صمتٌ رافقنا حتى توقفت العربة أخيرًا.

نزلتُ أولًا، ثم تبعني سيريون، وبعده زايروس وفيسبر، ثم صاحب العمل، وأخيرًا الطبيب فيلور.

انصرف الطبيب في طريقه دون أي كلمة إضافية، وكأنه لم يكن هنا أصلًا.

عندها قال صاحب العمل بابتسامةٍ هادئة:

"أحسنتم جميعًا. رغم كل ما واجهتموه... ورغم الألم، لم تستسلموا."

ثم أضاف بنبرةٍ صادقة:

"لقد بذلتم قصارى جهدكم. أنا فخور بكم."

ساد صمتٌ قصير.

شعرتُ بشيءٍ دافئ في صدري، فابتسمت وقلت:

"هذا ليس سوى واجبنا، حضرتك."

أومأ الجميع بالموافقة، فقال صاحب العمل مبتسمًا:

"يمكنكم الذهاب الآن. أراكم غدًا."

ثم غادر في طريقه.

بقينا نحن الأربعة للحظة.

عندها قال زايروس، محاولًا إخفاء سعادته التي كانت واضحة رغم ذلك:

"أنا أيضًا سأذهب. عليّ أن أشتري شيئًا من السبعة آلاف دولار... من الجيد أن يكافئ الإنسان نفسه من حينٍ لآخر."

ودعنا بابتسامة، ثم انصرف.

قال سيريون بعدها بهدوءه المعتاد:

"حسنًا، أنا أيضًا سأذهب. أراكما لاحقًا."

وغادر هو الآخر.

عم الصمت المكان من جديد... لكنه لم يدم طويلًا.

قرقرة.

التفتُّ نحو مصدر الصوت، فوجدته فيسبر، ينظر بعيدًا وكأن شيئًا لم يحدث.

حاولت كتم ضحكتي وقلت:

"إذاً، هيا بنا نحن أيضًا. أنا أتضور جوعًا... أتساءل ما الذي أعدته العمة ميليسا اليوم."

نظر إليّ فيسبر بشك وقال:

"هل ضحكت الآن عليّ؟"

أجبته بهدوء مصطنع:

"أنت تتوهم."

قال بإصرار:

"لا، رأيتك تحاول كتم ضحكتك! أنا متأكد."

هززت كتفي وقلت:

"إنها مجرد خيالاتك."

وبعد عدة دقائق من المشي عبر الطرقات الهادئة، وصلنا أخيرًا إلى النزل.

طرقتُ الباب، فانفتح، وظهرت العمة ميليسا بابتسامتها الدافئة المعتادة، وقالت:

"أهلاً بعودتكما."

...

حيّيتُ أنا وفيسبر العمةَ ميليسا في آنٍ واحد، فردّت التحية بابتسامةٍ دافئة اعتدنا عليها، تلك الابتسامة التي تجعل المكان يبدو أدفأ مما هو عليه.

قالت وهي تنظر إلينا بعينين دافئتين:

"لا بد أنكما تتضوران جوعًا. لقد أعددتُ اليوم حساءَ الخضار مع الأرز."

شكرناها أنا وفيسبر بصوتٍ واحد تقريبًا، ثم توجهنا نحو المطبخ.

جلستُ على مقعدي الخشبي المعتاد، وجلس فيسبر قبالتي، بينما انشغلت العمة ميليسا بتجهيز الطعام.

كانت تتحرك بهدوءٍ مألوف، وكأن كل شيءٍ في هذا المكان يسير بإيقاعٍ أبطأ من العالم الخارجي.

انتشرت في الأرجاء رائحةٌ شهية، رائحة خضارٍ مطهوة بعناية، ممزوجة بدفء الأرز الأبيض، رائحة بسيطة... لكنها كافية لتوقظ الجوع من جديد.

ومع ذلك، كان هناك شيءٌ مختلف.

المكان هادئ على غير عادته.

لا ضحكةٍ خفيفة، ولا صوت خطواتٍ مسرعة، ولا همهمة مألوفة في الزاوية.

رفعتُ نظري قليلًا وقلت:

"المكان هادئ على غير المعتاد... أين ليانا؟"

ابتسمت العمة ميليسا ابتسامة خفيفة وقالت:

"أوه، كانت متعبة اليوم. تناولت طعامها باكرًا، ثم خلدت إلى النوم."

أومأتُ برأسي ببطء.

"آه... هذا يفسر كل شيء."

بعد لحظاتٍ من الانتظار، اقتربت العمة ميليسا وهي تحمل طبقين.

وضعت أمامي طبقًا عميقًا من حساء الخضار، تتصاعد منه أبخرة خفيفة، يطفو على سطحه الجزر والبطاطا وقطع الخضار المطهوة بعناية، وإلى جانبه طبق من الأرز الأبيض الناعم، حباته متماسكة وبخارُه لا يزال دافئًا.

بدأتُ بتناول الطعام.

كان الحساء لطيفًا على الحلق، دافئًا، متوازن النكهة، لا يطغى فيه شيءٌ على آخر.

طعم الخضار كان طبيعيًا وصادقًا، كأن كل ملعقةٍ تحمل معها إحساسًا بالراحة أكثر من مجرد طعام.

أما الأرز، فكان بسيطًا... لكنه مثالي، يكمل الحساء دون تكلف.

شعرتُ مع كل لقمة بأن شيئًا من الإرهاق يتلاشى ببطء.

انتهيتُ من طعامي، فرفعتُ رأسي وقلت بابتسامة صادقة:

"شكرًا لكِ، العمة ميليسا."

ابتسمت بدورها، بينما كان فيسبر لا يزال منهمكًا في تناول طعامه، وكأنه لم يشبع بعد، أو ربما لم يشأ أن ينتهي هذا الدفء سريعًا.

نهضتُ بهدوء، وصعدتُ الدرج المؤدي إلى غرفتي.

فتحتُ الباب، ودخلت، ثم أغلقته خلفي.

ومن دون تفكير... ألقيتُ بنفسي على السرير.

شعرتُ بثقلٍ هائلٍ يغمر جسدي، ثقل يومٍ طويل، يومٍ امتلأ بالألم، والخوف، والتعب... والانتصار أيضًا.

حدّقتُ في السقف للحظة، ثم أغمضتُ عيني.

كان يومًا مرهقًا بحق.

...

وبعد لحظةٍ قصيرة من السكون، نهضتُ عن السرير ببطء، كأن جسدي وحده من تحرّك، بينما بقي ذهني غارقًا في أفكاره.

كان هناك أمرٌ لم أُنْهِه بعد، أمرٌ تجاهلته طويلًا، لكنه عاد الآن يطالب بحضوره.

جلستُ على أرض الغرفة بهدوء، أُصغي إلى صرير الخشب الخافت تحت قدميّ، ثم انحنيتُ وأزلتُ تلك القطعة الخشبية التي بدت مهترئة قليلًا، وكأنها تخفي سرًّا لا تريد له أن يُكتشف.

وما إن رُفعت حتى ظهر أسفلها كيسٌ بنيّ اللون، لا هو بالكبير ولا بالصغير، لكنه بدا ثقيلًا بما يكفي ليحمل حكايةً كاملة.

مددتُ يدي وفتحته ببطء، لتلمع أمامي رزمٌ من الأوراق النقدية.

عدة آلاف من الدولارات... خمسة آلاف كاملة.

بقيتُ أحدّق فيها للحظات دون أن أرمش.

منذ زمن، وضعتُ هذا الكيس هنا حمايةً له، بعيدًا عن الأعين، وكنتُ أضيف إليه كل ما أستطيع ادّخاره.

لم يأتِ هذا المال من فراغ، بل من أيّامٍ طويلة من التعب، ومن ليالٍ ثقيلة حملتُ فيها جسدي أكثر مما يحتمل.

ارتسمت على شفتيّ ابتسامة خفيفة، ابتسامة لا تشبه الفرح بقدر ما تشبه الرضا.

بعد كل ما مررتُ به، بعد كل الألم والإرهاق... كان لهذا التعب ثمن، وقد استحقه.

أخرجتُ السبعة آلاف دولار من جيبي، تلك التي جمعتها مؤخرًا، وأضفتها إلى الكيس البني.

أغلقتُه بإحكام، وعدتُ أعدّ في ذهني... الآن أصبح المبلغ اثني عشر ألف دولار.

مبلغٌ كافٍ، بل أكثر من كافٍ، لرحلة طويلة... رحلة قد تقودني إلى مكانٍ بعيد، وربما إلى مصيرٍ جديد.

تنهدتُ بعمق.

إذًا... أظن أن الوقت قد حان.

حان وقت الاستقالة.

وحان وقت البحث عن عائلتي.

ترددت الكلمات في داخلي بوضوحٍ لم أعهده من قبل.

لم تكن فكرة عابرة هذه المرة، بل قرارًا يتشكّل بثبات.

أعدتُ الكيس إلى مكانه تحت الخشبة، ثم أرجعتُ الخشبة فوقه وثبّتُّها بإحكام، كما لو أنني لا أخفي مالًا فحسب، بل أخفي وعدًا قطعته على نفسي.

عدتُ إلى السرير، وضعتُ رأسي على الوسادة، وأغمضتُ عينيّ.

لكن النوم لم يأتِ.

بدلًا من ذلك، بدأت الأفكار تتزاحم في رأسي بلا رحمة.

سأستقيل... لكن ليس الآن.

ربما في الأسبوع القادم.

في ذلك الوقت، سأحصل على قدرةٍ خارقة جديدة.

ومن يدري ما الذي قد أواجهه خلال الرحلة؟ هذا العالم لا يرحم المترددين، ولا يكافئ المتهورين.

لكن ماذا لو كانت القدرة القادمة ضعيفة؟ ماذا لو لم تكن كافية لما ينتظرني في الطريق؟

لن أستطيع الانتظار أسبوعًا آخر بعد ذلك.

كل ثانيةٍ تمرّ قد تكون فارقة.

لقد أضعتُ وقتًا كافيًا بالفعل... ومن يعلم ما الذي قد يحدث لعائلتي إن تأخرتُ أكثر؟

قبضتُ على الغطاء بيدي، وازدادت دقات قلبي.

لا... سأنتظر أسبوعًا واحدًا فقط.

وحين يأتي يوم الاثنين... سأستقيل.

2026/02/20 · 4 مشاهدة · 1248 كلمة
Toleen Jaber
نادي الروايات - 2026